أخبارمقالات

الترند حين يتحوّل إلى جريمة.. كيف صُنعت”تمثيلية الفرح” ولماذا يجب أن تتدخل الدولة الآن ؟

بقلم: اللواء أشرف عبد العزيز الخبير الأمني والاستراتيجي
لم يعد السؤال المطروح: ما الذي حدث؟.. بل السؤال الأخطر: كيف سُمح بأن يحدث؟.. وإلى متى يظل “الترند” ستارًا يُخفى خلفه الخداع، والاحتيال، وإفساد الذوق العام، تحت مسمى الترفيه والبث المباشر؟ .
ما جرى في واقعة ما أُطلق عليه إعلاميًا “فرح كروان مشاكل” لم يكن حدثًا اجتماعيًا خرج عن السيطرة، ولا مشهدًا عفويًا صادمًا، بل نموذجًا مكتملاً لما يمكن تسميته صناعة الوهم الرقمي: واقعة مُختلَقة، مُدارة، ومُستثمَرة ماليًا أمام جمهور واسع، بعضه صدّق، وبعضه تعاطف، وكثير منه دفع.
من الفرح إلى المسرح.. حين يصبح كل شيء تمثيلًا
غياب المأذون، تضارب الروايات، بث مباشر لا يتوقف، دموع بلا أثر، اتهامات متبادلة بالسرقة، ثم عودة الجميع إلى “اللايف” لجمع الدعم والهدايا.
كل تفصيلة – عند وضعها في سياق واحد – تكشف أننا أمام سيناريو لا مصادفة.
في الواقع الطبيعي، من يتعرض لانهيار زفافه أو سرقة مقتنياته لا يفتح بثًا مباشرًا، ولا يحوّل أزمته إلى عرض متواصل.
أما في عالم “الترند”، فالأزمة هي رأس المال، والفضيحة هي الوقود، والجمهور هو الممول.
الاحتيال الجديد: خداع بالمشاعر لا بالشيكات
نحن أمام نمط حديث من الاحتيال لا يعتمد على التوقيعات أو المستندات، بل على:
•استدرار التعاطف.
•صناعة الصدمة.
•اللعب على الغضب والفضول.
•تحويل المشاهد إلى “داعم” دون أن يدري.
وهنا تكمن الخطورة؛ لأن هذا النوع من الخداع لا يسرق المال فقط، بل يُعيد تشكيل الوعي، ويُقنع قطاعًا من الشباب أن أقصر طريق للربح هو الفوضى، وأن الضجيج بديل عن القيمة.
إفساد الذوق العام.. عندما تصبح الفوضى محتوى رائجًا
ما بُثّ لم يكن مجرد خلاف شخصي، بل مشاهد:
•صراخ وابتذال.
•إيحاءات وسلوكيات لا تليق بالمجال العام.
•تقديم الفوضى بوصفها “مسلية”.
•تسويق الانحدار باعتباره شجاعة.
وهذا لا يمس الأفراد وحدهم، بل يضرب الذوق العام في مقتل، ويخلق حالة تطبيع مع القبح، ويحوّل الانحراف إلى مادة للضحك والمشاركة.
الأطفال يدفعون الثمن أولًا
الأخطر أن هذه المشاهد تُبث بلا حواجز عمرية، فيشاهدها:
•أطفال.
•مراهقون.
•شباب في مرحلة التكوين.
فيتعلمون – دون درس مباشر – أن:
•الشهرة لا تحتاج جهدًا.
•المال يأتي بالصراخ لا بالعمل.
•الاحتيال مقبول إن كان “لايف”.
وهنا تتحول المنصات من وسائل تواصل إلى أدوات إعادة تشكيل قيمي خطيرة.
لماذا أصبحت القضية شأنًا عامًا؟
لأن الأمر لم يعد محتوى فرديًا، بل ظاهرة متكررة:
•وقائع مصطنعة.
•بث مباشر لجمع الأموال.
•تضليل للرأي العام.
•غياب شبه كامل للمساءلة.
هذا النمط، إذا تُرك دون ضبط، يُهدد الثقة المجتمعية، ويضرب فكرة القدوة، ويُسيء لصورة المجتمع ككل.
الدولة مطالبة بالتدخل لا لقمع بل لحماية
المطالبة بتدخل الدولة، وعلى رأسها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ليست حربًا على السوشيال ميديا، بل دفاعًا عن المجتمع.
المطلوب ليس منع المنصات، بل:
•ضبط المحتوى القائم على الخداع.
•محاسبة من يستغل البث المباشر للكسب غير المشروع.
•حماية الذوق العام.
•حماية الأطفال من نماذج مدمّرة.
القانون لا يعترف بـ“الترند” كمبرر، ولا يعتبر الكاميرا حصانة.
ومن يظن أن اللايف يُسقط المساءلة، يكتشف متأخرًا أن القانون لا يشاهد… بل يُحاسب.
الخلاصة: حين ينتهي العرض… يبدأ الحساب
ما جرى ليس فضيحة عابرة، بل إنذار واضح.
إما أن نواجه هذا المسار الآن، أو نتركه يتمدد حتى يصبح الاحتيال ثقافة، والفوضى طموحًا، والعبث مهنة.
هذه ليست معركة ضد أشخاص، بل ضد منظومة محتوى ترى في المجتمع جمهورًا يُستغل، لا وطنًا يُحترم.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم، وبصوت عالٍ: هل نترك “الترند” يربّي أبناءنا… أم تتدخل الدولة لحماية ما تبقّى من وعي .
زر الذهاب إلى الأعلى