أخبار

البلطجة وأثرها على الاقتصاد والمجتمع

بقلم: د. ياسر جعفر

البلطجة في المجتمع نوع من أنواع الفساد الذي يدمر الاقتصاد، ويُحدث اضطرابات مجتمعية من خلال ترويع الآمنين! وهذا النوع لا ينفع معه إلا تنفيذ شرع الله وقانون الحدود الشرعية؛ لكي لا تحدث فوضى تؤثر على الاقتصاد.

وفي الحقيقة، لو أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عاصرنا، لأقام حد “الحرابة” على هؤلاء؛ لكي يرتدع الجميع ويأخذ كل إنسان العبرة والدروس من غيره.

وللأسف، أصبح “من هبّ ودبّ” من الصبية يحملون السلاح وكأنه شيء طبيعي! فتجد مراهقاً “معوقاً في فكره” يحمل سكيناً يهدد به أمن الناس، وهذا أمر خطير ينبغي بتره من المجتمع.

إن ظاهرة البلطجة من الظواهر التي انتشرت في مجتمعنا في الآونة الأخيرة، واتخذت صوراً وأشكالاً متنوعة، ونستطيع أن نرصد هذه الظاهرة على مستوى الأفراد والمؤسسات، بل لا أبالغ إذا قلت: إنها انتشرت حتى في البيوت والمجتمعات الخاصة. فما هو تعريف هذه المشكلة؟ وما مظاهرها وأسبابها؟ وما أهم الطرق لعلاجها؟ .

 

ما هي ظاهرة البلطجة؟

معناها في الاستخدام الشائع: فرْض الرأي بالقوة والسيطرة على الآخرين، وإرهابهم والتنكيل بهم. وهي لفظ دارج في العامية، ليس له أصل في العربية، بل يعود أصله إلى اللغة التركية، ويتكون من مقطعين: “بلطة” و”جي”؛ أي: حامل البلطة، و”البلطة” كما هو معروف أداة للقطع والذبح.

إن أمور البلطجة بأنواعها المختلفة يأباها الشرع تماماً؛ لأنها فساد عام يسبب شللاً تاماً في المجتمع، ولذلك كان الحسم في هذا الموضوع هو “البتر” في الشريعة، قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]. هذا قانون شرعي لكل أنواع البلطجة على اختلاف أشكالها؛ قانون بتر لكل من تسول له نفسه وشيطانه ترويع الناس والعبث بأمنهم.

أشكال البلطجة المعاصرة:

البلطجة ليست بالضرورة حمل سكين، بل قد تكون حَملاً لقلب أسود مليء بالحقد والكبر والطمع، ومن صورها المنتشرة:
بلطجة الوظيفة: الموظف الذي يعطل مصالح العباد من أجل الرشوة هو نوع من أنواع البلطجية، سواء في القطاع العام أو الخاص.

بلطجة الطريق: من يسير بسيارته عكس الاتجاه يمارس نوعاً من البلطجة.

بلطجة الحقوق:أكل أموال الناس بالباطل، ومنع الميراث والحقوق الشرعية، والاستيلاء على المال العام أو الخاص (كالأراضي والشقق بغير وجه حق).

البلطجة المهنية: إهمال المستشفيات للمرضى، أو أستاذ الجامعة الذي يعطل طلاب الماجستير والدكتوراه، أو المعلم الذي يضغط على التلاميذ بالدروس الخصوصية.

بلطجة المحسوبية: “الكوسة” وتشغيل الأشخاص بغير استحقاق، وعدم العدل في المجتمع، كلها صور تعيق الاقتصاد.

الحل والمواجهة:

ينبغي تفعيل حملات تفتيش مستمرة على السيارات، والشباب، وطلبة الجامعات والمدارس؛ ومن يُضبط بسلاح أبيض من أي نوع، يجب أن يواجه عقوبات رادعة (كالأشغال الشاقة) ليصبح المجتمع نقياً ومستقراً.

وقد حذر الرسول ﷺ من مجرد الإشارة بالسلاح، ففي الحديث الشريف: “لا يُشِيرُ أحَدُكُمْ علَى أخِيهِ بالسِّلاحِ؛ فإنَّه لا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطانَ يَنْزِعُ في يَدِهِ، فَيَقَعُ في حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ”.

شرح الحديث النبوي الشريف ودلالاته:

يرشدنا النَّبيُّ ﷺ إلى ما يقي المجتمع من الوقوع في الشر، وفي هذه الأحاديث تحذيرٌ شديد من التهاون في الإشارة بالسلاح إلى المسلم؛ لما قد يترتب على ذلك من بلاء كبير.

يقول النَّبيُّ ﷺ: «لا يُشِيرُ أحَدُكُمْ على أخِيهِ بِالسِّلاحِ»، والسلاح هنا هو كل ما أُعِدَّ للحرب، ويشمل النهي كل ما يقوم مقامه مما يؤدي إلى القتل أو الإيذاء. فلا يجوز الإشارة بالسلاح لترويع المسلم، أو تخويفه، أو حتى المزاح معه؛ وذلك لأن المرء لا يدري لعلَّ الشَّيْطانَ “ينزع في يده” (أي يحرّك السلاح من يده) فيقتل أخاه أو يتسبب له في ضرر، فيقع بسبب ذلك في معصية كبيرة تفضي به إلى النار.

وهذا كله من باب الحرص على سلامة المجتمع وحفظ العلاقات بين الناس، وعدم تخويفهم ولو بالإشارة، فكيف بما هو أعلى وأخطر من ذلك؟! .

وفي رواية أخرى تؤكد هذا المعنى:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن أشارَ إلى أخِيهِ بحَدِيدَةٍ، فإنَّ المَلائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حتَّى يَدَعَهُ، وإنْ كانَ أخاهُ لأَبِيهِ وأُمِّهِ» (رواه مسلم).

ويستفاد من هذه الأحاديث:

سدُّ الذرائع: بالنهي عما يُفضي إلى المحظور، وإن لم يكن في ذاته محظوراً (كالمزاح بالسلاح).
عظم حُرمة المسلم: وبيان عِظم ذنب ترويع الآمنين أو قتلهم بغير حق.
قطع مداخل الشيطان: الذي يترصد للناس ليُفسد بينهم ويوقع الشر في قلوبهم.

إن المسلم مأمور بحسن الخلق مع الناس جميعاً، ومع إخوانه من المسلمين بصفة خاصة؛ وقد سد الشرع كل باب قد يؤدي إلى الفوضى أو غياب الأمن.

وفي هذا السياق، يُخبِرنا النَّبيُّ ﷺ أن مَن رفع في وجه أخيه المسلم حديدةً أو سلاحاً، أو أشار بها إليه ليُروِّعَهُ أو يُخوِّفَه ولو كان مازحاً، «فإنَّ الملائكةَ تَلْعَنُه»؛ أي تدعو عليه بالطرد من رحمة الله والحرمان من ثوابه والوقوع في النار، ولا تزال تلعنه حتى يُبعدها عنه، حتى وإن كان المشار إليه بالحديدة أخاه الشقيق من أبيه وأمه! وهذا مبالغة في إيضاح عموم النهي لكل أحد، سواء مَن يُتَّهم فيه ومن لا يُتَّهم.

وقد جاء في رواية في الصحيحين قوله ﷺ: «فإنَّه لا يَدْري أحدُكم لَعلَّ الشَّيطانَ يَنزِعُ في يَدِه فيَقَعُ في حُفرةٍ مِن النَّارِ»؛ والمراد أنه قد يتحرك السلاح من يده (دون قصد) فيقتل أخاه أو يتسبب له في ضرر، فيقع بسبب ذلك في معصية كبيرة تفضي به إلى عذاب النار. وهذا كله من باب الحرص على سلامة المجتمع وحفظ العلاقات بين الناس، وعدم تخويفهم ولو بالإشارة والتهديد، فكيف بما هو أعلى وأخطر من ذلك؟! وفي الحديث إشارة لعِظَم ذنب قتل المسلم بغير حق.
وأيضاً من أحاديث الرسول ﷺ في الوقاية من الضرر، قوله في الحديث الشريف: «نَهى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ أن يُتعاطى السَّيفُ مسلولًا». فالأمن والسلامة في المجتمع من الأمور المهمة التي ينبغي الاهتمام بها؛ حتى لا يضر إنسان نفسه أو يضر غيره.

وفي هذا الحديث يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنه: “إن النبي ﷺ نهى أن يُتعاطى” (أي يُناول ويُعطى للغير) “السيف مسلولاً” (أي مكشوفاً دون غمده وما يحفظه من الأذى)؛ لِما في سلِّه من توقع إصابة الذي يأخذه بالأذى والجرح. وفي الحديث حثٌّ على الأخذ بأساليب الوقاية خشية وقوع الضرر.

وفي رواية أخرى: «أَتَى رسولُ اللهِ ﷺ على قومٍ يتعاطونَ سيفًا مسلولًا فقال: لعنَ اللهُ من فعلَ هذا، أوَ ليسَ قد نهيتُ عن هذا؟ ثم قال: إذا سَلَّ أحدُكم سيفَه فنظرَ إليهِ فأرادَ أن يُناولَه أخاهُ فليُغمدْه ثم يُناولْه إياهُ»….الراوي : أبو بكرة نفيع بن الحارث | المحدث : الألباني | المصدر : السلسلة الصحيحة…الصفحة أو الرقم : 7/1700 | أحاديث مشابهة | خلاصة حكم المحدث : إسناده حسن.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللهَ قال: مَن عادَى لي وليًّا فقد آذَنْتُه بالحَرْبِ» (رواه البخاري).

شرح المفردات:

عادى: أي آذى وأبغض وأغضب بالقول أو الفعل.

وليًّا: أصل الموالاة “القرب”، وأصل المعاداة “البعد”. والمراد بولي الله -كما قال الحافظ ابن حجر-: “هو العالم بالله، المواظب على طاعته، المخلص في عبادته”.

آذَنته بالحرب: “آذن” بمعنى أعلَم وأخبَر. والمعنى: أي أعلَمته بأني محارب له؛ حيث كان محاربًا لي بمعاداته لأوليائي.

 

زر الذهاب إلى الأعلى