مقالات

إحذروا الخيانة

بقلم: د. ياسر جعفر

عندما تتحدث عن الخيانة، فإنك تتحدث عن خراب، عن دمار، عن هلاك، عن مفاعل نووي من اشتعال نيران الفتن؛ تتحدث عن هلاك اقتصاد، عن انهيار دول، عن بيع دول، عن دمار مجتمع!؟ .

الخيانة كانت سبباً في دمار دول وشعوب وتحطيم آمال الشباب، والخيانة تبدأ من الأسرة ثم المجتمع ثم على المستوى الدولي؛ فالخيانة لها صور متعددة الألوان، فإذا كانت الخيانة بالأسرة تكون فيها دمار للأسرة سواء كانت بين الزوجين أو خيانة الأولاد للآباء والأمهات، ففي هذه الحالة تكون سبباً في انهيار الأسرة. وكذلك لو في المجتمع في جميع المعاملات، إذا حدثت خيانة تكون سبباً في انهيار المجتمع، والمجتمع يعني جميع الوظائف في شتى صورها على الصعيد الحكومي أو الخاص وجميع الشركات الخاصة والعامة.

وعلى سبيل المثال: إذا حدثت خيانة من رئيس جامعة فيكون سبباً في انهيار الهرم التعليمي بالجامعة، وينتشر “فيروس الخيانة الفتاك” لينال الدمار بالجامعة ويسود الجهل وينتشر الفساد. وأيضاً لو حدثت خيانة مع رئيس شركة أو مصنع أو وزارة من الوزارات فتكون سبباً في انهيار المنظومة بالكامل. وكذلك لو حدثت خيانة على المستوى الدولي فتكون سبباً في انهيار دول ودمار شعوب.

ولذلك حذرنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من الخيانة، ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخْلَفَ، وإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ.» (صحيح البخاري).

النفاق نوعان: نفاق اعتقادي يخرج صاحبه عن الإيمان، وهو إظهار الإسلام وإخفاء الكفر، ونفاق عملي، وهو التشبه بالمنافقين في أخلاقهم، وهذا لا يخرج صاحبه عن الإيمان، إلا أنه كبيرة من الكبائر.

وفي هذا الحديث بين النبي ﷺ النفاق العملي، وذكر فيه العلامات المميزة له، فقال: «آية المنافق ثلاث»، أي: من علامات النفاق العملي التي تدل على أن صاحبها يشبه المنافقين في أعمالهم وأخلاقهم أن توجد في المرء هذه الخصال الثلاث أو بعضها؛ فالعلامة الأولى: «إذا حدث كذب»؛ وذلك بأن يشتهر ذلك الإنسان بالكذب في الحديث. والعلامة الثانية: «إذا وعد أخلف»، وذلك بأن يشتهر بخلف الوعد، بحيث إذا وعد بشيء تعمد الخلف. والعلامة الثالثة: «إذا ائتمن خان»، وذلك بأن يشتهر بالخيانة بين الناس.

وهذه الأشياء المذكورة ترجع إلى أصل واحد؛ وهو النفاق الذي يباينه الصدق، ويزايله الوفاء، وتنافيه الأمانة. والمقصود من الحديث: أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومتخلق بأخلاقهم، لا أنه منافق يظهر الإسلام وهو يبطن الكفر، ولم يرد النبي ﷺ بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار. وفي الحديث: تنبيه على صفات النفاق المذمومة للتخويف والتحذير من الوقوع فيها.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».
ومن أبشع صور الخيانة: خيانة الدين، والطعن فيه، والطعن في السنة النبوية وأمهات الكتب.

قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: 10].

قال ابنُ كثيرٍ في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: «أي في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم، أنَّ ذلك لا يُجدي عنهم شيئاً ولا ينفعهم عند الله، إن لم يكن الإيمان حاصلاً في قلوبهم، ثم ذكر المثل فقال: ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ أي نبيين رسولين عندهما في صحبتهما ليلاً ونهاراً، يؤاكلانهما ويضاجعانهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ أي في الإيمان، لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صدقاهما في الرسالة، فلم يُجدِ ذلك كله شيئاً، ولا دفع عنهما محذوراً؛ ولهذا قال: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي لكفرهما، ﴿وَقِيلَ﴾ أي للمرأتين: ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾. وليس المراد: “فخانتاهما” في فاحشة، بل في الدين؛ فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة؛ لحرمة الأنبياء».

وقيل: «إن خيانتهما أنَّ امرأة نوح كانت تخبر الكفار بأسرار نوح عليه الصلاة والسلام، تصفه بأنه مجنون، وخيانة امرأة لوط أنها كانت تدل قومها على أضياف لوط؛ ليفعلوا بهم الفاحشة، فهما خائنتان للأمانة التي بينهما وبين زوجيهما من ناحية حفظ السر، وعدم الدلالة على ما عندهما من الأسرار، ومن الأضياف وغير ذلك، فهذا هو نوع الخيانة الواقع. والحاصل: أنَّ هذه الخيانة ليست خيانة في العِرض، بل هي إما في الدين، وإما خيانة في عدم حفظ الأسرار».

2- خيانة الحرورية للخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وانسحابهم من جيشه بعد التحكيم وبعد موقعة النهروان:

فإن الحرورية لما خرجت قالوا: «لا حكم إلا لله»، قال علي: «كلمة حق أريد بها باطل، إنَّ رسول الله ﷺ وصف ناساً، إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم -وأشار إلى حلقه- من أبغض خلق الله إليهم أسود، إحدى يديه طُبي شاة، أو حلمة ثدي»، فلما قتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: «انظروا»، فنظروا فلم يجدوا شيئاً، فقال: «ارجعوا، فوالله ما كذبت ولا كذبت»، مرتين أو ثلاثاً، ثم وجدوه في خربة، فأتوا به حتى وضعوه بين يديه.

3- تشردم الأمة الإسلامية في القرن السابع الهجري حتى جاء المغول التتار:

وعقدوا معاهدات خيانة مع بعض الأمراء المسلمين ضد الخلافة الإسلامية؛ فعقد هولاكو اتفاقية مع بدر الدين لؤلؤ أمير الموصل ليتحالف معه، كما عقد اتفاق تحالف آخر مع كيكاوس الثاني سلطان السلاجقة الأتراك، ثم مع قلج أرسلان الرابع، وهما في شمال العراق، وهذا التحالف أدى إلى حصار الخليفة العباسي في بغداد، كما رضخ أيضاً ووقع في الخيانة الناصر يوسف أمير حلب، وقدم فروض الطاعة لهولاكو!.

4- خيانة مؤيد الدين بن العلقمي وتسهيله الطريق أمام المغول لاحتلال بغداد وإسقاط الخلافة العباسية:

قال ابن تيمية: «ووزير بغداد ابن العلقمي الرافضي هو الذي خامر على المسلمين، وكاتب التتار حتى أدخلهم أرض العراق بالمكر والخديعة، ونهى الناس عن قتالهم» فسقطت بغداد.

وابنُ العلقميِّ هو محمد بن أحمد بن علي بن محمد العلقميُّ، استوزره الخليفة المستعصم بالله سنة اثنتين وأربعين وستمائة، ولم يكن وزير صدقٍ ولا مرضيَّ الطريقة؛ فإنه هو الذي أعان على المسلمين.

وكان الوزير ابن العلقمي يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريباً من مائة ألف مقاتل، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبقَ سوى عشرة آلاف، ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهّل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال؛ وذلك كله طمعاً منه أن يزيل السنة بالكلية، وأن يظهر البدعة الرافضة، وأن يقيم خليفة من الفاطميين، وأن يبيد العلماء والمفتين. وقد رُدَّ كيده في نحره، وأذله الله، واكتسب إثم من قُتل ببغداد من الرجال والنساء والأطفال.

5- خيانة الرافضة لأهل الإسلام:

كما قال ابن تيمية: «إنَّ أصل كل فتنة وبلية هم الشيعة ومن انضوى إليهم، وكثير من السيوف التي في الإسلام إنما كان من جهتهم، وبهم تسترت الزنادقة… وقد رآهم المسلمون بسواحل الشام وغيرها إذا اقتتل المسلمون والنصارى هواهم مع النصارى ينصرونهم بحسب الإمكان، ويكرهون فتح مدائنهم، كما كرهوا فتح عكا وغيرها، ويختارون إدالتهم على المسلمين، حتى إنهم لما انكسر المسلمون سنة غازان سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وخلت الشام من جيش المسلمين عاثوا في البلاد، وسعوا في أنواع من الفساد من القتل وأخذ الأموال، وحمل راية الصليب، وتفضيل النصارى على المسلمين، وحمل السبي والأموال والسلاح من المسلمين إلى النصارى بقبرص وغيرها، فهذا وأمثاله قد عاينه الناس، وتواتر عند من لم يعاينه».

6- خيانة بعض الأمراء بعد فتح صلاح الدين لبيت المقدس:

من صور الخيانة أنه بعد أن فتح صلاح الدين بيت المقدس، رتب على أبواب البلد في كل باب أميناً من الأمراء؛ ليأخذوا من أهله ما استقر عليهم من الفداء؛ لينجوا من الأسر أو العبودية، فاستعمل بعض من هؤلاء الأمراء الخيانة، ولم يؤدوا الأمانة، بل اقتسم “الأمناء” الأموال، وتفرقت أيدي سبأ، ولو أديت فيه الأمانة لملأ الخزائن، وعمَّ الناس؛ فإنه كان فيه على الضبط ستون ألف رجل ما بين فارس وراجل سوى من يتبعهم من النساء والولدان، ولا يعجب السامع من ذلك؛ فإن البلد كبير، واجتمع إليه من تلك النواحي من عسقلان وغيرها، والداروم، والرملة، وغزة وغيرها من القرى، بحيث امتلأت الطرق والكنائس، وكان الإنسان لا يقدر أن يمشي. ومن الدليل على كثرة الخلق أن أكثرهم وزن ما استقر من القطيعة، وأطلق باليان بن بيرزان ثمانية عشر ألف رجل وزن عنهم ثلاثين ألف دينار، وبقي بعد هذا جميعه من لم يكن معه ما يعطي، وأُخذ أسيراً ستة عشر ألف آدمي ما بين رجل وامرأة وصبي، هذا بالضبط واليقين.

ثم إن جماعة من الأمراء ادعى كل واحد منهم أن جماعة من رعية إقطاعه مقيمون ببيت المقدس، فيطلقهم ويأخذ هو قطيعتهم، وكان جماعة من الأمراء يلبسون الفرنج زي الجند المسلمين، ويخرجونهم، ويأخذون منهم قطيعة قرروها، واستوهب جماعة من صلاح الدين عدداً من الفرنج، فوهبهم لهم، فأخذوا قطيعتهم، وبالجملة فلم يصل إلى خزائنه إلا القليل.

(آثار الخيانة)

1- تُسخط الله عز وجل على العبد.
2- طريق موصل إلى العار في الدنيا، والنار في الآخرة.
3- انتشار الخيانة في المجتمع من علامات اضمحلاله.
4- انتشار الغلول والرشوة والمطل والغش؛ لأنها كلها من الخيانة.
5- فقدان الثقة بين أفراد المجتمع.
6- تفكك أواصر المحبة والتعاون بين أفراد المجتمع.
7- أنها تسبب المهانة والذل لصاحبها.
8- انتشار الفساد والمحسوبية، وضياع الحقوق.
9- تسلط الأعداء إذا كانت الخيانة للأوطان.
10- انتهاك الأعراض واختلاط الأنساب، وذلك في الخيانة الزوجية.

(صُوَرُ الخيانةِ)

1- خيانةُ اللهِ ورَسولِه:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 27 – 28].

قال ابن حجر الهيتمي: «أمَّا خيانةُ اللهِ ورَسولِه فمَعصيتُهما، وأمَّا خيانةُ الأماناتِ فكُلُّ أحدٍ مؤتَمَنٌ على ما كلَّفه اللهُ به، فهو سُبحانَه مُوقِفُه بَيْنَ يديه، ليس بَينَه وبَينَه تَرجمانٌ، وسائِلُه عن ذلك: هل حَفِظ أمانةَ اللهِ فيه أو ضَيَّعها؟ فلْيَستعِدَّ الإنسانُ بماذا يجيبُ اللهَ تعالى به إذا سأله عن ذلك؛ فإنَّه لا مساغَ للجَحدِ ولا للإنكارِ في ذلك اليومِ، وليتأمَّلْ قَولَه تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: 52]، أي: لا يرشِدُ كَيدَ من خان أمانتَه، بل يحرِمُه هدايتَه في الدُّنيا، ويفضَحُه على رُؤوسِ الأشهادِ في العُقبى، فالخيانةُ قبيحةٌ في كُلِّ شيءٍ».

2- (خيانةُ النَّفسِ):

وهي أن يفعَلَ المرءُ من الذُّنوبِ ما لا يَطَّلِعُ عليه إلَّا اللهُ، ويخونَ به أمرَ اللهِ تعالى بألَّا يفعَلَ، مثلَما وقع من بعض المُسلِمين من الرَّفَثِ إلى النِّساءِ ليلةَ الصِّيامِ؛ فعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: «كان المُسلِمون في شهرِ رمَضانَ إذا صلَّوا العِشاءَ حَرُم عليهم النِّساءُ والطَّعامُ في شَهرِ رمَضانَ بعدَ العِشاءِ؛ منهم عُمَرُ بنُ الخطَّابِ، فشَكَوا ذلك إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: 187]»، وقولُه تعالى: ﴿تَخْتَانُونَ﴾ من الاختيانِ، وهو أبلَغُ من الخيانةِ، كالاكتِسابِ من الكَسْبِ.

3- خيانة الناس، وهي أنواع:

(الخيانة في الأموال): وتتمثل في أكل المال الذي يؤتمن عليه الإنسان، ومن ذلك مال الوديعة؛ قال ابن عثيمين في قوله ﷺ: «إذا اؤتمن خان»: «إذا ائتمنه إنسان على شيء خانه؛ فمثلاً إذا أُعطي وديعة، وقيل له: خذها احفظها، دراهم أو ساعة أو قلم أو متاع أو غير ذلك، فيستعملها لنفسه، أو يتركها فلا يحفظها في مكانها، أو يخبر بها من يتسلط عليه ويأخذها، المهم أنه لا يؤدي الأمانة فيها».

ومن ذلك الخيانة (بالتطفيف في الميزان)، فقال سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 1- 6].
وقال تعالى حاكياً قول شعيب عليه السلام لقومه: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: 181-182]. ومن ذلك خيانة الشريك لشريكه.

– (إفشاء السر):

وقد تكون خيانة الناس بإفشاء السر الذي يؤتمن عليه الإنسان. وأكثر ما تكون الخيانة في إفشاء الأسرار الخاصة؛ مثل عورات البيوت، وأسرار العائلات، والأزواج… فليتقِ الله من يطلع على شيء من ذلك إذا ائتمنه عليه أصحاب الشأن؛ لاستشارة، أو لقيام بينهم بصلح.
كما يكون ذلك الإفشاء وخيانة الأمانة ممن يطلعون بحكم علمهم على أسرار الناس، كالأطباء والممرضات؛ فهؤلاء يعلمون من أسرار المرضى ما لا ينبغي أن يُذاع. وكذلك من يقومون بغسل الموتى، وتكفينهم ودفنهم؛ فقد وجب عليهم ألا يخونوا أماناتهم، وأن يحفظوا ما علموا سراً.

وقال الحسن: «إنَّ من الخيانة أن تحدث بسر أخيك». ويروى أنَّ معاوية رضي الله عنه أسرَّ إلى الوليد بن عتبة حديثاً، فقال لأبيه: يا أبتِ، إنَّ أمير المؤمنين أسرَّ إليَّ حديثاً، وما أراه يطوي عنك ما بسطه إلى غيرك. قال: «فلا تحدثني به؛ فإنَّ من كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشاه كان الخيار عليه». قال: فقلت: يا أبتِ، وإنَّ هذا ليدخل بين الرجل وبين ابنه؟! فقال: «لا واللهِ يا بنيَّ، ولكن أحب ألا تذلّل لسانك بأحاديث السر»، قال: فأتيت معاوية فأخبرته. فقال: «يا وليد، أعتقك أخي من رق الخطأ».

(الخيانة في النصيحة):

ومن صور خيانة الناس كذلك الخيانة في النصيحة، كمن يزكي فاسقاً، أو يخفي مالاً مسروقاً، أو يؤوي مجرماً، أو يعين قاطع طريق، أو من ينصح غيره بما يؤذيه في الدنيا أو الآخرة من الإفساد وقطيعة الرحم.

(الخيانة الزوجية):

وهي من أبشع صور الخيانة: خيانة الزوجة لزوجها في ماله وعرضه، بالسرقة والزنا، وخيانة الرجل لزوجته بالسرقة والزنا كذلك.

(الخيانة في الولايات):

كأن يكون الإنسان ولياً على يتيم؛ على ماله وحضانته وتربيته، فيُهمل ماله، ولا يقوم بالواجب، أو يأكل ماله، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10].
ومن صور الخيانة أيضاً: عدم القيام بواجب التربية في الأهل والأولاد، وقد ائتمنه الله عليهم؛ قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].

زر الذهاب إلى الأعلى