لقاء سويدان.. حين انتصر الرضا على الألم

بقلم: الدكتورة إيناس عبد العزيز خبيرة الأمن الرقمي
ليس كل الألم صاخباً؛ فبعضه يأتي هادئاً، يتسلل إلى الجسد دون إنذار، ويترك رسالته في تفاصيل صغيرة لم نكن ننتبه لها يوماً. وفي لحظة فاصلة، يكتشف الإنسان أن الحياة لا تختبره بالقوة وحدها، بل بالقدرة على “القبول”، وأن الرضا ليس رفاهية روحية، بل ضرورة حقيقية للنجاة.
يقول الحكماء: “الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين”، وهي ليست مجرد حكمة تُقال، بل مقام لا يُبلَغ إلا بعد صبر وفهم، ووجع يُهذّب الروح.
ففي لحظات الشدة، لا تُقاس المعادن بالنجاح ولا بالأضواء، بل بكيفية الوقوف حين يختبر الله القلب والجسد معاً، وحين تُسحب بعض النِعم مؤقتًا؛ لا عقاباً، بل تنبيهاً، ولا كسرًا، بل إعادة ترتيب للداخل.
لقد قدمت الفنانة لقاء سويدان نموذجاً حياً لهذا الرضا، متجاوزةً مرارة الألم بوعي وإيمان، لتثبت أن الانتصار الحقيقي يبدأ من التصالح مع المحنة، وتحويل الوجع إلى طاقة صمود تلهم الآخرين.

لقاء سويدان.. إنسانة شجاعة تحوّل المحنة إلى رسالة عمق إنساني
لقاء سويدان ليست فقط فنانة موهوبة عرفها الجمهور وأحب حضورها، ولا إعلامية واعية تعرف وزن الكلمة ومسؤوليتها، بل هي إنسانة شجاعة، صادقة مع نفسها، وقوية بإيمانها؛ تعرف كيف تواجه الألم بكرامة، وكيف تحوّل المحنة إلى رسالة، والضعف العابر إلى عمق إنساني نادر.
وكصديقة، رأيت منها ما لا تلتقطه الكاميرات ولا تصنعه الأضواء: قلباً نقياً لا يعرف القسوة، وابتسامة ثابتة لا تخونها حتى في أقسى اللحظات، وروحاً مطمئنة تعرف معنى التسليم لا الانكسار، والثقة في الله لا الشكوى من القضاء.
حين أصابها “العصب السابع”، لم يكن الألم في ملامح الوجه فقط، بل في تلك التفاصيل الصغيرة التي لا نشعر بقيمتها إلا حين نفقدها: رمشة عين، نظرة طبيعية، ونوم هادئ بلا خوف أو قلق. إنه وجع صامت لا يصرخ، لكنه يعلّم ويُعيد الإنسان إلى جوهره الأول.
لقد قالت لي – دون شكوى أو تذمّر – إنها كانت تحمل أكثر مما ينبغي، وتأخذ الأمور على أعصابها، وتحاسب نفسها والناس والدنيا دفعة واحدة، حتى قال الجسد كلمته الأخيرة: “توقّفي.. فقد آن أوان الرحمة”. وهنا تتجلى الحكمة التي لا تخطئ: “إذا لم يُحسن الإنسان الإصغاء إلى روحه، نطق جسده بالألم”.
فالضغط النفسي ليس ضعفاً في الإيمان ولا قلة صبر، بل هو اختبار دقيق للاتزان. والزعل حين يطول لا يبقى إحساساً عابراً، بل يتحول إلى مرض، وإنذار صامت بأن الروح قد أُنهكت. لكن ما يبعث على الإعجاب، وما يليق بامرأة بقيمة لقاء سويدان، أنها لم تقف عند الألم، بل ارتقت فوقه واختارت طريق العارفين: “الرضا”.
وهو رضا لا يعني الاستسلام، بل فهماً عميقاً لحكمة الله، ولا يعني الصمت، بل سلاماً داخلياً أقوى من أي وجع. قالت: “أنا راضية بقضاء الله”، وكأنها تُعيد إلى الذاكرة قول ابن عطاء الله السكندري: “من لم يرضَ بقضاء الله، فاته باب الطمأنينة”.
إن الرضا علّمها – وعلّمنا معها – أن النِعم لا تُقاس بالكثرة بل بالاستمرار، وأن الصحة لا تُدرك قيمتها إلا حين تهتز، وأن الله لا يمنع ليعذّب بل يمنع ليعلّم، ويؤخر ليحمي، ويبتلي ليقرّب. وهذه المحنة لم تُنقص من لقاء سويدان شيئاً، بل زادتها عمقاً، وهدوءاً، ونضجاً إنسانياً يُحترم، وثقة صافية في الله تليق بالقويات.
ستعود لقاء أجمل وأنقى وأقرب إلى القلب، لتُزيّن الساحة بحضورها، لا فقط بملامحها، بل بتجربتها ووعيها ونورها الإنساني؛ ففي زمن يصرخ فيه الجميع، اختارت هي الهمس مع الله، وفي عالم يقدّس القسوة، اختارت اللين مع نفسها.
ورسالتي من القلب كصديقة قبل أي شيء: خفّفوا عن أنفسكم، لا تجعلوا الزعل بطولة ولا التحمل الزائد فضيلة، فكما قال الحكماء: “من رضي عاش ملكاً وإن قلّ ما يملك”.
أسأل الله أن يمنّ على لقاء سويدان بالشفاء التام، وأن يعيد إليها عافيتها كاملة غير منقوصة، وأن يجعل ما مرّت به رفعة لا وجعاً، ونوراً لا أثراً، وحكمة تُروى لا ذكرى مؤلمة، وأن يعلّمنا جميعاً معنى الرضا.. قبل أن نتعلمه بالألم.





