
بقلم: د. ياسر جعفر

كتاب الله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، في هذه العبر والدروس “لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ”؛ يحذرنا ربنا -سبحانه وتعالى- ويعلم الأمة التربية الصالحة والأخلاق الحميدة: عدم الجهر بالسوء، فلا يحب الله الجهر بالقبح. يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول -أي: يبغض ذلك ويمقته ويعاقب عليه- ويشمل ذلك جميع الأقوال السيئة التي تسوء وتحزن، كالشتم والقذف والسب ونحو ذلك؛ فإن ذلك كله من المنهي عنه الذي يبغضه الله.
“إلا من ظلم”: وهنا إبداع في مطلق الحرية لكل مظلوم يدافع عن نفسه، ويجهر بالقول في ظلمه، ويفضح ظلمة؛ ولا يجوز لأحد أن يصده عن شكواه في أي مكان؛ أماكن الأعمال الخاصة ولا العامة، ومن حقه أن ينشر مظلمته في أي وزارة من الوزارات مهما كانت. هذا هو ديننا؛ يدافع عن المظلوم، وينبغي على الجهات المسؤولة أن تنفذ وبقوة، وأن تستجيب لله ولرسوله، ففي الاستجابة لله ولرسوله حياة للناس؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [الأنفال: 24].
فيجوز للمظلوم أن يخبر عن ظلم الظالم وأن يدعو عليه، قال الله تعالى: “وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ” [الشورى: 41]. قال الحسن: “دعاؤه عليه أن يقول: اللهم أعني عليه، اللهم استخرج حقي منه”. وقيل: “إن شُتم؛ جاز أن يشتم بمثله لا يزيد عليه”.
أخبرنا أبو عبد الله الخرقي، أنا أبو الحسن الطيسفوني، أنا عبد الله بن عمر الجوهري، أنا أحمد بن علي الكشميهني، أنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم”.
إن الإسلام يحمي سمعة الناس -ما لم يُظلموا- فإذا ظُلموا لم يستحقوا هذه الحماية، وأَذِنَ للمظلوم أن يجهر بكلمة السوء في ظالمه، وكان هذا هو الاستثناء الوحيد من كف الألسنة عن كلمة السوء.
وهكذا يوفق الإسلام بين حرصه على العدل الذي لا يطيق معه الظلم، وحرصه على الأخلاق الذي لا يطيق معه خدشاً للحياء النفسي والاجتماعي.
ويعقب السياق القرآني على ذلك البيان هذا التعقيب الموحي: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} [النساء: 148].
ليربط الأمر في النهاية بالله، بعد ما ربطه في البداية بحب الله وكرهه: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ} [النساء: 148].
وليشعر القلب البشري أن مردّ تقدير النية والباعث، وتقدير القول والاتهام، لله، السميع لما يقال، العليم بما وراءه مما تنطوي عليه الصدور.
ثم لا يقف السياق القرآني عند الحد السلبي في النهي عن الجهر بالسوء، إنما يوجه إلى الخير الإيجابي عامة، ويوجه إلى العفو عن السوء، ويلوّح بصفة الله -سبحانه- في العفو وهو قادر على الأخذ؛ ليتخلق المؤمنون بأخلاق الله -سبحانه- فيما يملكون وما يستطيعون: {إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 148].
وهكذا يرتفع المنهج التربوي بالنفس المؤمنة والجماعة المسلمة درجة أخرى: في أول درجة يحدثهم عن كراهة الله-سبحانه- للجهر بالسوء، ويرخص لمن وقع عليه الظلم أن ينتصف أو يطلب النَّصَف بالجهر بالسوء فيمن ظلمه، ومما وقع عليه من الظلم.
وفي الدرجة الثانية يرتفع بهم جميعاً إلى فعل الخير، ويرتفع بالنفس التي ظُلمت –وهي تملك أن تنتصف من الظلم بالجهر– أن تعفو وتصفح عن مقدرة، فلا عفو بغير مقدرة، فترتفع على الرغبة في الانتصاف إلى الرغبة في السماحة، وهي أرفع وأصفى.
عندئذ يشيع الخير في المجتمع المسلم إذا أبدوه.
ويؤدي دوره في تربية النفوس وتزكيتها إذا أخفوه -فالخير طيب في السر، طيب في العلن- وعندئذ يشيع العفو بين الناس، فلا يكون للجهر بالسوء مجال.
على أن يكون عفو القادر الذي يصدر عن سماحة النفس لا عن مذلة العجز، وعلى أن يكون تخلقاً بأخلاق الله، الذي يقدر ويعفو: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 148].
كثير ممن وقع عليهم الظلم في جميع أنحاء الأعمال، وعلى رأي المثل: “ياما في السجن مظاليم”، وكذلك ياما في جميع الوزارات مظاليم، وفي جميع الأعمال على جميع الأصعدة مظاليم، وكذلك في الأسر من وقع عليهم الظلم وأكل الحقوق وأكل الميراث. نداء إلى من يظلمون العباد: احذروا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وما نراه في هذا الزمان من انتشار الظلم بين أوساط المسلمين لهو -والله- شيءٌ يدمي القلب، ويدمع العين؛ فلقد انتشر الظلم في هذا الزمان، وأصبحنا نراه في كل مكان. انتشر الظلم في بيوتنا، فكم من أبٍ يظلم أولاده وأهله ومن يعول! انتشر الظلم بين الجيران، كم من جارٍ يظلم جاره، ويؤذيه في عرضه، ويأخذ من حقه، ويقتطع من أرضه! انتشر الظلم في محاكمنا، كم من رجلٍ يُحكم عليه ظلماً، ويُشهد عليه زوراً، ويُدخل في السجن قهراً، وليس له من ناصرٍ إلا الله ناصر المستضعفين: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42].
ومع هذا الظلم الذي نعيشه، وتعيشه الأمة الإسلامية؛ فقد جعل الله للظالم والمظلوم يوماً، يأخذ كل واحدٍ مظلمته ممن ظلمه. نعم -والله- سيقيم الله عدله، ويعطي كل ذي حقٍّ حقه، ولا يظلم ربك أحداً، حتى إن البهيمة ستقتص من أختها التي نطحتها وكسرت قرنها، أو استقوت على أختها التي بلا قرون فنطحتها، كما روى الإمام مسلمٌ -رحمه الله- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لتؤدنَّ الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة، حتى إنه ليُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء!».
حذرنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- من الظلم، وأن يظلم بعضنا بعضاً؛ فقد روى الإمام مسلمٌ -رحمه الله- عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة!».
وقال رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- وهو يودع أمته في حجة الوداع -كما روى البخاري رحمه الله-: «ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد، اللهم اشهد (ثلاثاً)، ويلكم -أو ويحكم- انظروا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض».
وروى البخاري -رحمه الله- عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102].
وروى البخاري ومسلمٌ -أيضاً- عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من ظلم قيد شبرٍ من الأرض طُوِّقه من سبع أراضين يوم القيامة».
فلماذا لا تفتح أبواب المظالم في جميع الوزارات لسماع شكوى المظلومين؟! ولماذا لا تفتح أبواب المظالم في الرئاسة والديوان الملكي لسماع شكاوي الذين وقع عليهم الظلم؟ .
وروى البخاري -رحمه الله- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من كان عنده لأخيه مظلمة من عِرضه أو من شيء، فليتحلل منه اليوم، قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم، إن كان له عملٌ صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه».
وروى الإمام مسلمٌ -رحمه الله- عن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من اقتطع حق امرئٍ مسلمٍ بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة»، فقال رجلٌ: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟! قال: «وإن كان قضيباً من أراك».
وروى أحمد في مسنده، والنسائي في سننه، وابن ماجه، وصححه الألباني -رحمه الله- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «تعوذوا بالله من الفقر، والقلة، والذلة، وأن تَظلم، أو تُظلم».
الظلم أيها الناس، ذلكم الاسم الذي يجمع الرذائل، ويدل على القبائح. الظلم أيها الناس، ذلكم الاسم الذي تمجه الأسماع، وتستثقله الألسن. الظلم يا عباد الله: له ظلمةٌ تقلب الأحوال، وتغير الدول.



