أخباردين

احذروا التجسس والتنصت!!

بقلم: د. ياسر جعفر

للأسف نعيش في هذا الزمن والكل يتجسس ويتنصت! على بعضهم البعض بسبب الشك الشيطاني والمرض النفسي على المستوى الفردي والمجتمعي والدولي! ووصل الأمر لتسجيل المكالمات الهاتفية! وهذا أمر غير مرغوب فيه شرعاً والشرع يرفض هذا تماماً؛ لأنها صور قبيحة!؟ نهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن التجسس في آية محكمة وصريحة تدلُّ على حرمة هذا الفعل المشين، والخصلة المذمومة، وأقر الشرع بعدم التعدي على خصوصيات الناس إلا في حالة إذا كان التنصت على أشخاص ضد الأمن القومي للدولة؛ لأن حرمة الدولة تهم كل مواطن يحب وطنه وبلده، فقال تبارك وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ)) [الحجرات: 12].

قال ابن جرير وهو يتحدث عن تفسير قوله: (وَلا تَجَسَّسُوا) يقول: (“ولا يتتبع بعضكم عورة بعض، ولا يبحث عن سرائره، يبتغي بذلك الظهور على عيوبه، ولكن اقنعوا بما ظهر لكم من أمره، وبه فاحمدوا أو ذموا، لا على ما لا تعلمونه من سرائره…”). ثم ذكر أثر ابن عباس: (“نهى الله المؤمن من أن يتتبع عورات المؤمن”).

وقال البغوي: (نهى الله تعالى عن البحث عن المستور من أمور الناس وتتبع عوراتهم؛ حتى لا يظهر على ما ستره الله منها). ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
وأي إيذاء أكبر من تتبع عورات الناس، والبحث عن سوءاتهم، والتجسس عليهم، وإظهار ما ستره الله من ذنوبهم.

قال ابن عثيمين: (التجسس أذية، يتأذى به المتجَسس عليه، ويؤدي إلى البغضاء والعداوة ويؤدي إلى تكليف الإنسان نفسه ما لم يلزمه، فإنك تجد المتجسس والعياذ بالله، مرة هنا ومرة هنا، ومرة هنا، ومرة ينظر إلى هذا ومرة ينظر إلى هذا، فقد أتعب نفسه في أذية عباد الله).

وقال تعالى وهو يتحدث عن المنافقين وعن صفاتهم: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 47]. قال مجاهد: (معناه وفيكم محبون لهم، يؤدون إليهم ما يسمعون منكم، وهم الجواسيس).

وقال القرطبي: (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ أي: عيون لهم، ينقلون إليهم الأخبار منكم).

لقد شدَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي عن التجسس والتحذير منه، وبيَّن أنَّه مفسد للأخوة، وسبب في تقطيع الأواصر والصلات، وسبيل إلى إفساد الناس؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إيَّاكم والظنَّ، فإنَّ الظنَّ أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا)).

وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته)).

قوله: ((يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه)): (فيه تنبيه على أنَّ غيبة المسلم من شعار المنافق لا المؤمن. ((ولا تتبعوا عوراتهم)) أي: لا تجسسوا عيوبهم ومساويهم… ((يتبع الله عورته)) ذكره على سبيل المشاكلة، أي: يكشف عيوبه، وهذا في الآخرة. وقيل: معناه يجازيه بسوء صنيعه. يفضحه. أي: يكشف مساويه. ((في بيته)) أي: ولو كان في بيته مخفيًّا من الناس).

وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنَّك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم)). وقال أبو الدرداء عن هذه الكلمة: (كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها).

قال المناوي: (أي ولوا عن الناس، ولا تتبعوا أحوالهم، ولا تبحثوا عن عوراتهم… ألم تعلم أنك إن اتبعت التهمة فيهم لتعلمها وتظهرها؛ أوقعتهم في الفساد، أو قاربت أن تفسدهم؛ لوقوع بعضهم في بعض بنحو غيبة، أو لحصول تهمة لا أصل لها، أو هتك عرض ذوي الهيئات المأمور بإقالة عثراتهم، وقد يترتب على التفتيش من المفاسد ما يربو على تلك المفسدة التي يُراد إزالتها، والحاصل أنَّ الشارع ناظر إلى الستر مهما أمكن، والخطاب لولاة الأمور ومن في معناهم).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، أو يفرون منه، صُبَّ في أذنه الآنك يوم القيامة)).

وعن جبير بن نفير وكثير بن مرة، وعمرو بن الأسود، والمقدام بن معدي كرب، وأبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم)).

يقول المناوي: (إن الأمير إذا ابتغى الريبة، أي: طلب الريبة، أي: التهمة في الناس بنية فضائحهم؛ أفسدهم. وما أمهلهم، وجاهرهم بسوء الظن فيها، فيؤديهم ذلك إلى ارتكاب ما ظنَّ بهم ورموا به ففسدوا، ومقصود الحديث حثُّ الإمام على التغافل، وعدم تتبع العورات، فإنَّ بذلك يقوم النظام، ويحصل الانتظام، والإنسان قلَّ ما يسلم من عيبه، فلو عاملهم بكلِّ ما قالوه أو فعلوه اشتدت عليهم الأوجاع، واتسع المجال، بل يستر عيوبهم، ويتغافل، ويصفح، ولا يتبع عوراتهم، ولا يتجسس عليهم).
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].

قال ابن منظور: (وقيل: التجسس -بالجيم- أن يطلبه لغيره، وبالحاء أن يطلبه لنفسه، وقيل -بالجيم-: البحث عن العورات، وبالحاء الاستماع، وقيل: معناهما واحد في تطلب معرفة الأخبار).

قال القرطبي: (اختلف هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؛ فقال الأخفش: ليس تبعد إحداهما من الأخرى؛ لأن التجسس البحث عما يكتم عنك، والتحسس -بالحاء- طلب الأخبار والبحث عنها. وقيل: إن التجسس -بالجيم- هو البحث، ومنه قيل: رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور، وبالحاء: هو ما أدركه الإنسان ببعض حواسه. وقول ثان في الفرق: أنه بالحاء تطلبه لنفسه، وبالجيم أن يكون رسولاً لغيره، قاله ثعلب. والأول أعرف. جسست الأخبار وتجسستها أي: تفحصت عنها، ومنه الجاسوس.

ومعنى الآية: خذوا ما ظهر ولا تتبعوا عورات المسلمين، أي: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع عليه بعد أن ستره الله).

قال أبو هلال العسكري: (الفرق بين التحسس والتجسس: التحسس -بالحاء المهملة-: طلب الشيء بالحاسة، والتجسس -بالجيم- مثله. وفي الحديث: “لا تحسسوا، ولا تجسسوا”، قيل: معناهما واحد، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظين كقول الشاعر: متى أدن منه ينأ عني ويبعد. وقيل: التجسس -بالجيم- البحث عن عورات النساء، وبالحاء: الاستماع لحديث القوم).

ويروى أن ابن عباس سُئل عن الفرق بينهما فقال: (لا يبعد أحدهما عن الآخر: التحسس في الخير، والتجسس في الشر).

فقد جاءَت الشريعةُ المُكرَّمة بصَون هذا الحقِّ، وسدَّت كلَّ ذريعةٍ لاختراقِه بأيَّة وسيلةٍ؛ تجلَّى ذلك في نهيِ الله -عز وجل- المؤمنين عن خُلُق التجسُّس، وحقيقتُه: ألا يترُك المُتخلِّقُ به عبادَ الله تحت سِتر الله؛ بل يسعَى إلى معرفة ما خفِيَ عليه من خاصِّ أحوالِهم -كما قال أهلُ العلم- حتى ينكشِفَ له ما لو كان مستورًا عنه كان أسلمَ لقلبِه ودينِه.

وجاء النهيُ عنه تاليًا للنهي عن سُوء الظنِّ بالمُسلِم؛ لأنه من ثمراتِه، فإن قلبَه -أي: قلب هذا المُتجسِّس- لا يكتفِي بالظنِّ؛ بل يحمِلُه ذلك إلى التحقُّق مما ظنَّ، فيشتغِلُ بالتجسُّس، فيحمِلُ وِزرَهما معًا.

ومما يدخلُ في التجسُّس أيضًا -يا عباد الله-: أن يستمِعَ إلى حديثِ قومٍ بغير إذنٍ ولا رِضًا منهم بذلك؛ فقد توعَّدَ النبي -صلى الله عليه وسلم- فاعِلَه بقولِه: “من تحلَّم بحلمٍ لم يرَه كُلِّفَ أن يعقِدَ بين شعيرتَيْن، ولن يفعَل، ومن استمعَ إلى حديثِ قومٍ وهم له كارِهون أو يفِرُّون منه صُبَّ في أُذنِه الآنُك -أي: الرَّصاص المُذاب- يوم القيامة”. الحديث. أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-، واللفظُ للبخاري .

وشرعَ اللهُ الاستِئذانَ عند دُخولِ البيوتِ حمايةً لهذا الحقِّ أيضًا، وصِيانةً وسترًا لعوراتِها، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 27].

وبيَّن رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حكمةَ هذا الاستِئذان والغايةَ من تشريعِه؛ فقال للذي اطَّلَع من جُحرٍ في حُجَر النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومعه -صلوات الله عليه وسلامه- مِدرَى يحُكُّ بها رأسَه: “لو أعلمُ أنك تنظُر لطعنتُ به في عينِك، إنما جُعِل الاستِئذانُ من أجل البصر”. أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث سهل بن سعدٍ -رضي الله عنه-.

وهذا ينطبق على التجسس على التليفونات واختراقها من “شوية” مرتزقة معهم برامج “هكر” ولينكات “هكر” للتجسس وسرقة معلومات وخصوصيات التليفون؛ كل هذه الأمور غير شرعية. إنه إذا كان إيمانُ المرء لا يكمُلُ حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسِه، وحتى يكرَهَ له ما يكرَهُ لنفسِه؛ فإن أدنَى درجات ذلك: أن يُعامِلَ أخاه بما يُحبُّ أن يُعامِلَه به، ولا ريبَ أنه ينتظِرُ من أخيه أن يستُرَ عورتَه، ولا يكشِفَ عيبَه، وأن يتجاوزَ عن زلَّتِه.

فإذا كان على الضدِّ من ذلك -أي: لم يفعَل ذلك- لم يكُن مُنصِفًا لأخيه ولا مُحِبًّا للخير له، فيُوجِبُ ذلك ويُحدِثُ لرابِطة الأُخُوَّة فسادًا بيِّنًا لما صلَحَ من شُؤون الناس، وما استقامَ من ظاهر أحوالِهم، وتجرِئةً لهم على الإيغال في القبائِح بترك الحياء، ولذا حذَّر منه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقولِه لمُعاوية -رضي الله عنه-: “إنك إن اتَّبَعتَ عورات الناس أفسدتَّهم، أو كِدتَ أن تُفسِدَهم”. أخرجه أبو داود في سُننه بإسنادٍ صحيحٍ.

زر الذهاب إلى الأعلى