إعجاز السنة في ترابط المسلمين

بقلم: د. ياسر جعفر

عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ؛ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».
يا له من حديثٍ عظيم يحث المجتمع على الترابط الاجتماعي والأخوة في جميع المعاملات، والإحسان لبعضهم بعضاً! ويا لها من سنةٍ نبوية عظيمة من رسولٍ عظيم! إنَّ هذا الحديث جامعٌ يحتوي على أسس الترابط على مستوى الأسرة والمجتمع والدول؛ ففي حال تطبيق هذا الحديث، تجد القوة والعظمة والسند والمحبة.
حينما يقول الرسول ﷺ: «المسلم أخو المسلم»؛ أي في الدين الإسلامي وجامعة العقيدة. وقوله: «لا يظلمه»؛ والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، والاعتداء على الناس بالباطل. وقوله: «ولا يسلمه»؛ يُقال: أسلمَ فلانٌ للعدو أي خذله، وأسلمَ أمره إلى الله أي سلّمه، وأسلمَ أي انقاد وصار مسلماً؛ والمراد هنا المعنى الأول، أي: لا يتركه مع من يؤذيه بل يحميه، ولا يسلمه في مصيبة نزلت به.
وقوله: «ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته»؛ وقد زاد مسلم من حديث أبي هريرة بعد ذلك: «واللهُ في عونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عونِ أخيهِ».
إنَّ الإسلام جامعةٌ كبرى، وصلةٌ وثيقة بين المسلمين ينتسبون إليها، وتقرّب بعضهم إلى بعض؛ فنعمَ الصلة ونعمت الجامعة! ومن هذا المنطلق، نأمل من “جامعة الدول العربية” أن تولي هذا الحديث الشريف اهتماماً بالغاً، وأن يُكتب على جدران قاعات مؤتمراتها؛ ليكون ميثاقاً للعمل المشترك.
وفي هذا الحديثِ يضع الرسولُ ﷺ للمسلمين دستوراً اجتماعياً حافلاً خالداً، ويوصيهم بوصيةٍ كريمةٍ عظيمةِ الأثر، ويرسمُ الآدابَ والمناهجَ التي لا يصحُّ لأحدٍ أن يتجاوزها في معاملةِ الناسِ بعضهم لبعض. وينبغي على كافةِ فئاتِ المجتمعِ والدولِ أن تطبقَ هذا المنهجَ العالميَّ الذي إذا نُفذ في الدولِ العربيةِ غدت الأمةُ أقوى الأمم؛ لأنها تشدُّ بعضها بعضاً.
فالمسلمون إخوةٌ، والمسلمُ أخو المسلمِ في الدينِ وعند الله؛ فجديرٌ بكلِّ مسلمٍ أن يقيمَ علاقتَه بإخوانِه المسلمين على أساسٍ من المودةِ الصادقةِ والمحبةِ الخالصةِ والإجلالِ العميق.
عليه أن يحترمهم ويجلَّهم ويخلصَ لهم، ويحبَّ لهم ما يحبه لنفسه، وينصرهم ولا يظلمهم، ولا يخذلهم في الشدائدِ ونوائبِ الحقِّ والمعروف، وفي مواقفِ الخيرِ والشرفِ والكرامة.
فينبغي على المجتمعِ أن يأخذَ بهذا الحديثِ، وكذلك الدول العربية؛ لكي تسودَ العالمَ وتجتمعَ على قولِ «لا إله إلا الله»، وتتجنبَ الشقاقَ والنزاعَ، وتحذرَ فتنَ الغربِ ومكرَهم وخبثَهم، وتتجنبَ مقولة بني صهيون: «فرِّق تسد»؛ إذ يريدون بالأمةِ العربيةِ أن تتفرقَ ليفترسوها ويذلوها. فنحن مسلمون، وعلينا تطبيقُ ما جاء به الرسولُ ﷺ في الكتابِ والسنةِ النبويةِ الشريفة.
وينبغي علينا أن ننحيَ جانباً الخلافاتِ والزعاماتِ، وأن نطبقَ هذا الحديثَ الشريف: «المسلمُ أخو المسلم»؛ وما أعظمها من أخوة، وما أروعها من صلات! لا يصحُّ لمسلمٍ أن يظلمَ مسلماً ولا أن يعتديَ عليه في دمه أو ماله أو عرضه؛ لأن الظلمَ حرامٌ، ولأنه بين الإخوةِ أشدُّ حرمةً، ولأن النفسَ الإنسانيةَ تأنفُ من أن تُوصمَ بوصمةِ الظلمِ للأخِ والشقيق.
ولا يصحُّ لمسلمٍ أن يخذلَ مسلماً في شدةٍ أو نائبةٍ أو يتركه لظالمٍ أو لعدو، بل عليه أن ينصرَه، ويعينَه بلسانه ويده وماله وبكلِّ ما يستطيع؛ كما حدثَ في وقوفِ مصرَ الحبيبةِ بجانبِ السودانِ وليبيا، وحمايتهم من الدخولِ في أنفاقٍ مظلمةٍ كما حدثَ لبعضِ الدول.
إنني لا أخوضُ في غمارِ السياسة، فللسياسةِ أهلُها وأصحابُ الخبرةِ بشؤونها وما يدورُ من أحداث، ولكنَّ مصرَ هي قلبُ ونبضُ الأخوةِ والأشقاءِ العرب؛ لأننا جسدٌ واحد. لقد آن الأوانُ أن نعرفَ من هو العدوُّ ومن هو الصديقُ، ونتكاتفَ للتصدي لخونةِ الأوطان، ونضربَ بيدٍ من حديدٍ على أيدي هؤلاءِ الخونة؛ تأكيداً لروابطِ الأخوةِ الإيمانية، وأواصرِ الحبِّ في الله، تلك الأخوةِ التي قد تكونُ أقوى من أخوةِ النسب؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. وعن أبي موسى الأشعريِّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، وشبك بين أصابعه (متفق عليه).
«بيان احتياج المسلمين إلى الائتلاف والاعتصام والتآخي»
فالمرءُ قليلٌ بنفسه كثيرٌ بإخوانه؛ يرى بأعينهم، ويتقوَّى بقوتهم، ويستنير ببصيرتهم. ولذا طلب موسى -عليه السلام- من ربه أن يعينه بأخيه هارون -عليه السلام-؛ كما في الآية الكريمة: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: 29 – 32]، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71].
ولأجل هذا، آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وأصلح ما كان بين الأوس والخزرج من رواسب الجاهلية؛ وذلك لضمان سلامة المجتمع من الداخل.
وقوله ﷺ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ» أسلوبٌ خبري يدل على الطلب؛ إما على سبيل الإيجاب أو الندب والاستحباب. ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103]، وقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
وقد أمر رسول الله ﷺ بالتآخي ومجانبة ما يخالف الأخوة؛ ففي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاغَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا؛ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ: لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَا هُنَا -وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» (رواه مسلم).
وختاماً، كل عام وأنتم بخير؛ فها هو شهر رمضان المبارك يحلُّ علينا ليمنحنا فرصةً ثمينة لتصفية الخلافات، ونبذ النزاعات بين المسلمين، وإحياء قيم المودة والتراحم.




