لماذا استجاب الله نداء نبي الله زكريا؟

بقلم: د. ياسر جعفر

دعاء الأنبياء مستجاب من رب العالمين، وهناك أسباب لاستجابة الدعاء. وكثير من الأمة يدعون ولم يُستجب لهم، وهناك أسباب لذلك؛ منها: عدم الإخلاص في الإيمان، والتوكل على الله، والإخلاص في العمل، وعدم الخشوع في الدعاء والتضرع بإخلاص لله رب العالمين. ولكن استجاب الله هنا لنبي الله زكريا لأسباب ينبغي أن يعلمها الناس لكي يمتثلوا بها ويتعلموا الدروس المستفادة منها؛ فمن أسباب استجابة الدعاء لسيدنا زكريا:
أولاً: الإسراع في الخيرات.
ثانياً: الدعاء فيما عند الله من خيرات الدنيا والآخرة.
ثالثاً: الخشوع والإخلاص في العبادات.
فكانت نتيجة استجابة الدعاء أن وهب الله لسيدنا زكريا “يحيى”، وأصلح له زوجه، وفي إصلاح الزوجة خيرات الدنيا وإصلاح البيوت والمجتمعات وإصلاح الأمة.
قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90].
{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى}؛ النبي الكريم الذي لم يجعل الله له من قبل سمياً.
{وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} بعدما كانت عاقراً لا يصلح رحمها للولادة؛ فأصلح الله رحمها للحمل لأجل نبيه زكريا، وهذا من فوائد الجليس والقرين الصالح، أنه مبارك على قرينه؛ فصار “يحيى” مشتركاً بين الوالدين.
ولما ذكر هؤلاء الأنبياء والمرسلين كلاً على انفراده، أثنى عليهم عموماً فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: يبادرون إليها ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ويكملونها على الوجه اللائق الذي ينبغي، ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها إلا انتهزوا الفرصة فيها. ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾؛ أي: يسألوننا الأمور المرغوب فيها من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوذون بنا من الأمور المرهوب منها من مضار الدارين، وهم راغبون راهبون، لا غافلون لاهون ولا مُدلون. ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾؛ أي: خاضعين متذللين متضرعين، وهذا لكمال معرفتهم بربهم.
ففعل الخيرات من الأسلحة القوية ضد الشر، وضد الحسد والسحر، ويقهر جميع الأعداء؛ فينبغي للإنسان أن يتعلم من الأنبياء والمرسلين لأنهم صفوة خلقه -سبحانه وتعالى-. فإذا أردت أن تكون مستجاب الدعوات، فعليك بفعل الخيرات بإخلاص النية لله وحسن التوكل عليه، وإذا أردت قهر أعدائك فعليك بفعل الخيرات؛ وهذا على مستوى الفرد والمجتمع والأمة. فإذا أردت أن تكون قوياً على المستوى الفردي والأسري والمجتمعي، فعليك بالإسراع في عمل الخيرات بحسن نية وإخلاص لله وحسن التوكل على الله رب العالمين.
وهناك آيات عديدة في الاستجابة، منها:
﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء: ٧٦].
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤].
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨].
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢].
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ…﴾ [آل عمران: ١٩٥].
ولفعل الخيرات أبواب عديدة؛ ففي الحديث النبوي الشريف الذي رواه أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه-: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فقالوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، فمَن لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: يَعْمَلُ بيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ ويَتَصَدَّقُ قالوا: فإنْ لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: يُعِينُ ذا الحاجَةِ المَلْهُوفَ قالوا: فإنْ لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: فَلْيَعْمَلْ بالمَعروفِ، ولْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فإنَّها له صَدَقَةٌ) [صحيح البخاري].
إنَّ الصَّدقة التي يُخرجها الإنسان من ماله في وجوه البر والخير، تعد من أفضل الطاعات وأجلِّ القربات عند الله تعالى، ولها عواقب حميدة في الدنيا والآخرة. والصدقات لا تقتصر على المال فحسب، بل تكون بالمعاونة على الخير وكفِّ الشر كذلك، كما يُبين هذا الحديث؛ حيث يوضح النبي ﷺ أن على كل مسلم صدقة يتطوع بها. فإن الصدقة -غير الزكاة المفروضة- حق مطلوب من كل مسلم أن يؤديه ندباً واستحباباً، مهما كانت ظروفه وأحواله. فمن كان فقيراً لا يملك مالاً يتصدق منه، فليعمل بيده حتى يكون قادراً على الكسب لينفع نفسه، وذلك بالإنفاق عليها وعلى أهله ومَن يعولهم، وما زاد يتصدق به على غيره.
فإن لم يجد المال ليتصدق به، فيعين صاحب الحاجة “الملهوف”، وهو العاجز أو المظلوم، وكذلك كل من وقعت له مصيبة واستغاث بسببها. «فإن لم يجد»، أي: إذا لم يستطع إعانة صاحب الحاجة على حاجته؛ فليعمل بالمعروف من الطاعات، فليأتِ بنوافل العبادات البدنية؛ من صلاة وصيام وقراءة قرآن وغير ذلك، وليمسك عن الشر، فيتجنب المحرمات من غيبة ونميمة وكذب، أو إيصال أي شر أو إيذاء للعباد؛ فإن فعل الخير والكف عن الشر له ثواب الصدقة.
وفي الحديث فوائد جليلة، منها:
أن الصدقة مطلوبة من كل مسلم؛ غنياً كان أو فقيراً، كلٌّ على قدر استطاعته.
أن أعمال الخير -إذا حسنت النيات فيها- تنزلت منزلة الصدقات في الأجور، ولا سيما في حق من لا يقدر على الصدقة المالية.
أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل من سائر الأعمال المقصورة على فاعلِها.
فيه حجة لمن جعل “الترك” عملاً وكسباً للعبد.
فضل التكسب؛ لما فيه من الإعانة وتقديم كفاية النفس على الغير
وفيه: أنَّ أبوابَ الخيرِ كثيرةٌ، والطريقَ إلى مرضاة الله غيرُ معدومة.
وفي الحديث النبوي الشريف الذي رواه معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: (احتُبِسَ عنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ذاتَ غداةٍ في صلاةِ الصُّبحِ حتَّى كِدنا نتراءى قرنَ الشَّمسِ، فخرجَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ سريعًا فثوِّبَ بالصَّلاةِ وصلَّى وتجوَّزَ في صلاتِهِ، فلمَّا سلَّمَ قالَ: كما أنتُمْ علَى مصافِّكم. ثمَّ أقبلَ إلَينا فقالَ: إنِّي سأحدِّثُكُم ما حبسَني عنكمُ الغداةَ؛ إنِّي قمتُ منَ اللَّيلِ فصلَّيتُ ما قُدِّرَ لي فنعستُ في صلاتي حتَّى استثقلت، فإذا أنا بربِّي عزَّ وجلَّ في أحسنِ صورةٍ، فقالَ: يا محمَّدُ فيمَ يختصمُ الملأُ الأعلى؟ قلتُ: لا أدري ربِّ. قالَ: يا محمَّدُ فيمَ يختصمُ الملأُ الأعلى؟ قلتُ: لا أدري ربِّ. فرأيتُهُ وضعَ كفَّهُ بينَ كتفيَّ حتَّى وجدتُ بَردَ أناملِهِ في صدري وتجلَّى لي كلُّ شيءٍ وعرَفتُ، فقالَ: يا محمَّدُ فيمَ يختصمُ الملأُ الأعلى؟ قلتُ: في الكفَّاراتِ والدَّرجاتِ. قالَ: وما الكفَّاراتُ؟ قُلتُ: نقلُ الأقدامِ إلى الجمُعاتِ، والجلوسُ في المساجدِ بعدَ الصَّلواتِ، وإسباغُ الوضوءِ علَى الكَريهاتِ. فقالَ: وما الدَّرجاتُ؟ قلتُ: إطعامُ الطَّعامِ، ولينُ الكلامِ، والصَّلاةُ والنَّاسُ نيامٌ. قالَ: سَلْ. قلتُ: اللَّهمَّ إنِّي أسالُك فِعلَ الخيراتِ، وتركَ المنكراتِ، وحبَّ المساكينِ، وأن تغفرَ لي وترحَمَني، وإذا أردتَ فتنةً في قومٍ فتوفَّني غيرَ مفتونٍ، وأسالك حبَّكَ وحبَّ من يحبُّكَ وحبَّ عملٍ يقرِّبُني إلى حُبِّكَ. وقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: إنَّها حقٌّ فادرُسوها وتعلَّموها) [أخرجه الترمذي].
في هذا الحديثِ يُبيِّنُ النبيُّ ﷺ بعضاً ممَّا علَّمه ربُّه -سبحانه- من الأعمال الصالحة التي تكون سبباً لغفران الذنوب. فلا قيمة للحياة بدون فعل الخير، ولا نجاة للعبد في الآخرة بلا فعل الخير، ولا راحة نفسية ولا سعادة قلبية للعبد دون فعله الخير، ولا دخول للجنة دون فعل الخير، ولا فوز برضوان الله دون فعل الخير، ولا نور في القلب ولا في القبر ولا على الصراط دون فعل الخير.
وكُلُّ ما أمَرَنا اللهُ أن نفعله هو خير، وكل ما سَنَّ لنا رسولنا ﷺ فعله فهو خير.
فبعضنا فعل الخير في حياته كالنهر الجاري؛ يتدفق بقوة وغزارة من كل حدب وصوب؛ فمن هنا العبادات والأذكار والقرآن والنوافل والقربات، ومن هناك حسن الأخلاق وصلة الأرحام ومد يد العون للمحتاج، وعن يمينه الصدقات، وعن شماله أداء الأمانات؛ فحيثما ولَّى بوجهه ينال الخير ويفعل الطيب.
وبعضنا فعل الخير في حياته كالخيط الرفيع؛ لا يكاد يُرى ولا يقوى، ولا يكاد يُسمن ولا يُغني من جوع؛ فهو ضعيف شحيح قليل، فلا يمكن أن تربط به ما يثبت، ولا أن تجر به ما يثقل.
نعم، هذه حال بعضنا؛ فلو نظر نظرة العاقل في سيرته اليومية لوجدها حزينة قاتمة؛ إذ بالكاد يسطر له ملائكة اليمين في اليوم سطراً أو سطرين من فعل الخيرات، في حين يسطر له ملائكة الشمال في اليوم ثلاثاً وعشرين صفحة من فعل السيئات.
وبعضنا كأهل الأعراف؛ لا يفعل الخيرات ولا يفعل السيئات، فخيراته قليلة، وأوقاته الضائعة في المباحات كثيرة، ولكنه خسر وفاتته حسنات ورحمات. إن فعل الخيرات هو مطلب رباني، ودعوة إلهية، ونصيحة نبوية؛ فاقبلوها وخذوا بها وعظِّموها واعملوا بها؛ أفلا تستمعون إلى ما يقول ربكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]، {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. وقال رسولكم ﷺ كما في الصحيح: “لا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئاً”.
بفعل الخيرات تكون -أيها الإنسان- من المفلحين، وبغيره تكون من الخائبين؛ ومَن منا لا يحب أن يكون من المفلحين والفائزين والرابحين والناجين الذين يرفعون رؤوسهم؟ فإذا أردت ذلك، فإن ربك -سبحانه- يدلك على الطريق؛ إنه طريق فعل الخيرات والإكثار منها: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وفعل الخيرات يعلمه الله؛ قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وفعل الخيرات مقبولٌ ومباركٌ فيه، مضاعفٌ ومأجورٌ عليه، قلَّ أم كثر، صغُر أم عظم؛ فافعل الخير ولو كان حرفاً تنطق به، أو درهماً تتصدق به، أو يد عونٍ تمدها، أو بسمةً تظهرها، أو خطوةً تخطوها، أو ما هو أصغر من ذلك أو أكبر؛ فكله -يا عبد الله- ستجده في الكتاب مسطوراً، وعند ربك مأجوراً. اقرأ معي تلك الآية التي لا نظير لها، يقول فيها ربك -سبحانه-: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧].
وروى البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: (الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر؛ فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله فأطال طِيَلها في مرج أو روضة، فما أصابت في طِيَلها ذلك في المرج والروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعت طِيَلها فاستنَّت شَرَفاً أو شَرَفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي به كان ذلك حسنات له، وهي لذلك الرجل أجر. ورجل ربطها تغنياً وتعففاً، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر. ورجل ربطها فخراً ورئاءً ونواءً، فهي على ذلك وزر).
وروي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها تصدقت بـ “عنبة”، وقالت: “كم فيها من مثقال ذرة؟”. وقال ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨]؛ وذلك لما نزلت هذه الآية: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]، كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل الذي يُعطونه، فيجيء المسكين إلى أبوابهم فيستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة والجوزة ونحو ذلك، فيردونه ويقولون: “ليس هذا بشيء؛ إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه”.
وكان آخرون يرون أنهم لا يُلامون على الذنب اليسير؛ كالكذبة، والنظرة، والغيبة، وأشباه ذلك، ويقولون: “إنما وعد الله النار على الكبائر”، فرغبهم الله في القليل من الخير أن يعملوه، فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر فإنه يوشك أن يكثر؛ فنزلت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، يعني: وزن أصغر النمل، ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾، يعني: في كتابه، ويسرُّه ذلك.
إن فعل الخيرات مردودٌ على فاعله، فهنيئاً لمَن وفق لذلك. وتذكر دائماً أنك إن فعلت الخير فإنما يوضع في ميزان أعمالك أنت لا أحد غيرك؛ قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦]؛ أي: لنفسه وحده، فأنت الكاسب الوحيد.
وهل هناك مَن هو أعزُّ عليك من نفسك؟ وسوف ترى ذلك، وسوف تشاهد هذه الخيرات التي عملتها في دنياك؛ نعم، سوف تشاهدها هناك في الآخرة مدونة، ومكتوباً لك أجرها؛ قال تعالى: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾. وسوف تشهد لك هذه الأرض، وتشهد لك الطرقات والمساجد والأمكنة والبيوت والأسواق بأنك فعلت ذلك الخير وتلك القربات؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]؛ أي: تخبر بما عمله العاملون على ظهرها.
روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، ثم قال: (أتدرون ما أخبارها؟). قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عَمِل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها). [قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح].
فلنفتح صفحات من الخير، ولنستنشق نفحة من نفحات ربنا الكريم، وبركة من بركات ربنا الرحيم، وعطية من عطايا نبينا الرؤوف ﷺ.
تستطيع يا عبد الله أن تُؤجر حتى لو عجزت وضعفت عن فعل الخير وضاقت عليك سبله؛ كيف ذلك؟ كما ورد في الصحيح عن أبي ذر جُنْدبِ بنِ جُنَادَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله، أيُّ الأعمالِ أفْضَلُ؟ قَالَ: “الإيمانُ باللهِ وَالجِهادُ في سَبيلِهِ”.
قُلْتُ: أيُّ الرِّقَابِ أفْضَلُ؟ قَالَ: “أنْفَسُهَا -أجودها- عِنْدَ أهلِهَا وَأكثَرهَا ثَمَناً”. قُلْتُ: فإنْ لَمْ أفْعَلْ؟ قَالَ: “تُعِينُ صَانِعاً أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ -مَن لا يتقن ما يحاول فعله-“. قُلْتُ: يَا رَسُول الله، أرأيْتَ إنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ العَمَلِ؟ قَالَ: “تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ؛ فإنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ”.
وفي الصحيح كذلك عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: “عَلَى كلّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ”، قَالَ: أرأيتَ إنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: “يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ”، قَالَ: أرأيتَ إن لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: “يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ”، قَالَ: أرأيتَ إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: “يَأمُرُ بِالمعْرُوفِ أوِ الخَيْرِ”، قَالَ: أرَأيْتَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: “يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ”.
يا الله! ما أعظمه من كرمٍ إلهي، وما أرحمه من هديٍ نبوي! حينما تقف عاجزاً عن فعل الخير فتظن أن الأجر قد انقطع من دربك، فإذا برسولك ﷺ يبشرك ويدلك ويجعل الأمل بين يديك؛ فيقول لك: كفَّ شرَّك عن الناس فحسب! أبعد أذاك عنهم فحسب، يكن ذلك من فعل الخير، ويكون صدقةً وأجراً وحسناتٍ تُكتب لك ولنفسك! ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾.
أدِّ الدَّين الذي عليك، لا بالمال وحده بل بفعل الخيرات؛ فكما في الصحيح عن أبي ذر -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: “يُصْبحُ عَلَى كُلِّ سُلامَى -مفصل- منْ أَحَدِكُمْ صَدَقةٌ: فَكُلُّ تَسبيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحمِيدةٍ صَدَقَة، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكبيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأمْرٌ بِالمعرُوفِ صَدَقةٌ، ونَهيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقةٌ، وَيُجزِىءُ مِنْ ذلِكَ رَكْعَتَانِ يَركَعُهُما مِنَ الضُّحَى”.
مَن يستطيع أن يدفع كل يوم مقابل نعمة مفاصل جسمه صدقات مالية بعددها البالغ ثلاثمائة وستين مفصلاً؟ ولكن رحمات الله وبركاته وكرمه على عباده جعلت فعل الخيرات من الصدقات، وجعل صلاة ركعتي الضحى تعدل هذا المطلوب الكبير من الصدقات، وتكون وفاءً للدين الواقع عليك في صبيحة كل يوم، وما وفاء هذا الدين إلا من فعل الخيرات الذي تؤجر عليه.
يا أيها المؤمنون: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾؛ مهما دقَّ في أعينكم، ومهما قلَّ أو صغر عندكم، فإنه عند الكريم -سبحانه- مضاعف كبير، يجزيك ربك بأحسن منه؛ قَالَ نبينا وحبيبنا ﷺ كما في الصحيح: “عُرِضَتْ عَلَيَّ أعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا فَوَجَدْتُ في مَحَاسِنِ أعْمَالِهَا الأذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّريقِ، وَوَجَدْتُ في مَسَاوِىءِ أعمَالِهَا النُّخَاعَةُ تَكُونُ في المَسْجِدِ لا تُدْفَنُ”.
وقال ﷺ كذلك -كما في الصحيح-: “لا تَحْقِرنَّ مِنَ المَعرُوفِ شَيئاً وَلَوْ أنْ تَلقَى أخَاكَ بِوَجْهٍ طَليقٍ”. وقَالَ ﷺ -كما في الصحيح-: “يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لاَ تَحْقِرنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شاةٍ”.
فإياك ثم إياك أن يُلبّس عليك الشيطان، أو تخدعك نفسك الأمّارة بأن هذا العمل صغير وهذا الخير قليل لا داعي لعمله؛ بدعوى أنه لا أجر كبيراً عليه؛ بل افعل الخير مهما قلَّ كما ينصحك نبيك ﷺ، واترك كتابة الأجر وتقدير الفضل لربك الكريم -سبحانه-؛ فقد قال ﷺ -كما في الصحيح-: “من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلوَّه حتى تكون مثل الجبل”.
ومن فعل الخيرات ذهابك إلى المسجد؛ فكما في الصحيح عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: “مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِد أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ في الجَنَّةِ نُزُلاً كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ”. ومن فعل الخيرات الإحسان إلى الإنسان، بل والإحسان حتى إلى الحيوان؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فقد تُقدم خيراً وإحساناً إلى إنسان أو حيوان فيكون سبباً في أن يحلَّ عليك رضوان الله؛ قال رَسُول الله ﷺ -كما في الصحيح-: “بَينَما رَجُلٌ يَمشي بِطَريقٍ اشْتَدَّ عَلَيهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشربَ، ثُمَّ خَرَجَ فإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يأكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبُ مِنَ العَطَشِ مِثلُ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ أمْسَكَهُ بفيهِ حَتَّى رَقِيَ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ الله لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ”. وفي رواية: “فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ، فأدْخَلَهُ الجَنَّةَ”.
وفي رواية صحيحة قال رَسُول الله ﷺ: “بَيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ -بئر- قَدْ كَادَ يقتلهُ العَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إسْرَائيل، فَنَزَعَتْ مُوقَها -خفها- فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ فَسَقَتْهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ”.
وقد يعمل المؤمن خيراً يسيراً سهلاً لا يظن أنه سيبلغ به المنازل العليا، ولكنه يبلغها بفضل الله وكرمه؛ ففي الصحيح عن النَّبيّ ﷺ أنه قَالَ: “لَقدْ رَأيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ في الجَنَّةِ في شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَرِيقِ كَانَتْ تُؤذِي المُسْلِمِينَ”.
وفي رواية: “بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ”.
وأنت تغرس -أيها المؤمن- شجراً حول بيتك، أو تزرع زرعاً في أرضك، تذكر أن هذا من فعل الخيرات؛ ففي الصحيح، قال نبينا ﷺ: “لاَ يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْساً، وَلاَ يَزْرَعُ زَرْعاً، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلاَ دَابَّةٌ وَلاَ شَيْءٌ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً”.
وفي رواية مسلم قَالَ ﷺ: “مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَلاَ يَرْزَؤُهُ -أَيْ يَنْقُصُهُ- أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً”.
﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.




