أخبارمقالات

تحرير الإيجار ليس قسوة بل إنقاذ دولة

بقلم: اللواء أشرف عبد العزيز الخبير الأمني والاستراتيجي
«إنه ليس قانون طرد، بل قانون إنقاذ.. وليس خصومة بين مالك ومستأجر، بل تصفية حساب مع زمن العشوائية.. وما كان مؤجَّلًا لعقود، حُسم أخيرًا بقرار دولة تعرف ماذا تريد، وتصنع مستقبلًا واضحًا لمواطنيها».
بهذه القناعة يجب أن يُقرأ ملف الإيجار القديم، بعيدًا عن المزايدات العاطفية أو الاختزال الاجتماعي المُخلّ، لأن القضية في جوهرها لم تعد خلافًا تعاقديًا، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على حماية المجتمع، وضبط المجال العمراني، وصيانة الأمن القومي في أحد أكثر ملفاته حساسية.
من قانون اجتماعي إلى ثغرة أمنية
على مدار عقود، تحوّل الإيجار القديم من أداة حماية اجتماعية مؤقتة إلى واقع دائم مشوَّه، اختلطت فيه الملكية بالجهالة، والسكن بالهجر، والمسؤولية بالإعفاء.
نشأت مناطق كاملة بلا هوية واضحة، وحدات مغلقة بلا ساكن معلوم، وعقارات متهالكة لا يعرف أحد من يتحمل مسؤوليتها القانونية أو الجنائية.
من منظور أمني بحت، هذا الواقع لا يمكن اعتباره “استقرارًا اجتماعيًا”، بل هو فراغ أمني مقنن، صنعته قوانين استثنائية طالت أكثر مما ينبغي، حتى أصبحت الاستثناء هو القاعدة.
الأمن لا يُبنى على الغموض، ولا يحمي العشوائية، بل يقوم على الوضوح والانضباط والمسؤولية.
تحرير العلاقة الإيجارية: تصحيح أمني قبل أن يكون اقتصاديًا
تحرير القيمة الإيجارية ليس قسوة اجتماعية كما يُروَّج، بل تصحيح أمني وتنظيمي تأخر طويلًا.
حين تعود العلاقة الإيجارية إلى منطقها الطبيعي، تعود معها هوية المكان، ويصبح لكل وحدة شاغل معلوم، ومسؤول قانونيًا، وخاضع لرقابة الدولة.
هذا التحول يضرب في مقتل ما يمكن تسميته بـ«الجريمة الصامتة»؛
تلك التي لا تظهر في البلاغات اليومية، لكنها تتغذى على:
•شقق مغلقة بلا رقابة
•عناوين غير دقيقة
•مبانٍ بلا صيانة
•استخدامات غير مشروعة تحت ستار السكن
وهنا يصبح الخطر أمنيًا قبل أن يكون سكنيًا أو اجتماعيًا.
الأمن لا يحمي الفوضى… والدولة لا ترعاها
الدولة القوية لا تؤمّن الفوضى، بل تُنهيها.. والدولة العادلة لا تترك ملكية مُصادَرة، ولا مواطنًا محاصرًا داخل مبنى آيل للسقوط باسم “الاستقرار الاجتماعي”.
إن استمرار الإيجار القديم بصورته السابقة كان يمثل قنبلة موقوتة بسبب:
•مبانٍ مهددة بالانهيار
•كثافات سكانية غير منطقية
•ضغط خانق على المرافق
•غياب الصيانة والمسؤولية
•صعوبة السيطرة الأمنية
وكل ذلك شكّل تهديدًا مباشرًا لأمن المواطن قبل أمن الدولة.
دور الدولة: الحسم مع الرعاية.. لا أحد يُترك خلف القرار
وفي المقابل، يجب التأكيد بوضوح أن الدولة المصرية لا تُدير هذا الملف بمنطق الطرد أو القسوة أو الصدمة، فالدولة تتحرك بمنطق التحول الآمن، الذي يجمع بين الحسم القانوني والرعاية الاجتماعية.
رعاية المستأجر ليست شعارًا، بل سياسة دولة:
•بدائل سكنية مدعومة
•فترات انتقالية عادلة
•حماية كبار السن والحالات الإنسانية
•دعم حقيقي لغير القادرين
•منع استغلال التشوه القانوني باسم الفقر
فالعدالة لا تُبنى بانتهاك حق الملكية، كما لا تُبنى بترك المواطن بلا مظلة حماية.
حماية المستأجر… الدولة لا تُصلِح بهدم الإنسان
وفي خضم هذا التحول التشريعي، تظل حقيقة جوهرية لا يجوز القفز فوقها: الدولة المصرية لم تُلقِ بالمستأجر في مواجهة التغيير، ولم تتعامل مع الملف بعقلية الإخلاء أو الإقصاء، بل أدارت الإصلاح بمنطق الحماية الموازية للحسم.
فالدولة التي تُعيد الانضباط، هي ذاتها التي تتحمل مسؤولية الإنسان، وتدرك أن الاستقرار لا يُصنع بالقرارات الجافة، بل بإدارة ذكية للانتقال.
لقد حرصت الدولة على أن يكون تحرير العلاقة الإيجارية مصحوبًا بشبكة أمان اجتماعي واضحة، تقوم على:
•توفير بدائل سكنية آمنة ومخططة، خاصة لكبار السن والحالات الإنسانية
•إتاحة فترات انتقالية عادلة تمنع الصدمة الاجتماعية
•برامج دعم مباشر وغير مباشر لغير القادرين
•حصر دقيق للمستحقين الحقيقيين، لا للمستفيدين من تشوه القانون
وهنا يجب التأكيد أن حماية المستأجر لا تعني تجميد الخلل إلى الأبد، كما أن تصحيح المسار لا يعني التضحية بالإنسان.
إنها معادلة دولة تعرف أن العدل الحقيقي هو التوازن:
توازن بين حق الملكية، وحق السكن الآمن، وحق المجتمع في الانضباط.
الدولة لم تتخلَّ عن مواطنيها، بل نزعت فتيل الصدام المجتمعي، وأغلقت الباب أمام الاستثمار في العشوائية، وفتحت طريقًا واضحًا نحو سكن منظم، وأمن مستدام، وعدالة قابلة للاستمرار
الملكية الخاصة… صمام أمان الدولة
انتهاك حق الملكية ليس عدالة اجتماعية، بل فوضى مؤجلة.
حماية الملكية الخاصة هي الضمانة الأساسية لاستقرار الدولة، وجذب الاستثمار، وبعث رسالة طمأنة بأن القانون يحمي الحقوق ولا يصادرها تحت أي شعار.
الدولة التي تحمي ملكية مواطنيها:
•تحمي استثمارها
•تؤمّن مجتمعها
•وتؤكد أن القانون فوق الجميع
الخلاصة: معركة دولة لا نزاع أفراد
قانون الإيجار الجديد ليس معركة بين مالك ومستأجر، بل أحد أخطر معارك الدولة مع إرث العشوائية والتشوه المجتمعي.
هو أداة لإغلاق ثغرة، واستعادة انضباط، وبناء مستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا.
الأمن لا يحمي العشوائية.. والعدالة لا تُبنى على الاستثناء.. والدولة التي تحسم اليوم، تحمي الغد.
زر الذهاب إلى الأعلى