
بقلم: اللواء أشرف عبد العزيز الخبير الأمني والاستراتيجي

في زمنٍ مضى، كان المحامي يُعرف بحجم “الحقيبة” التي تئن من ثقل المجلدات القانونية، وبسواد الرداء الذي يرتديه وقاراً لا استعراضاً. كان صوت المحامي يزلزل جدران المحكمة، لا محرك طائرته الخاصة.
لكن، وبفضل موجة “السينما الواقعية” التي نراها مؤخراً، اكتشفنا أن المحاماة ليست مرافعة بليغة أو سهراً مع “السنهوري”، بل هي “فيلم أكشن” يحتاج لمخرج إضاءة، طائرة خاصة، وسيادته في دور العميل 007!
مهمة مستحيلة: البحث عن «المادة» في دخان السيجار!
المشهد يبدأ بكادر سينمائي يجعلك تتحسس جيبك لتتأكد أنك لم تدفع تذكرة سينما بالخطأ. سيارات سوداء فارهة، موكب يوحي بأننا بصدد تحرير رهائن في “قندهار”، وحراس يتحركون بجدية مفرطة كأنهم يحمون “السر الحربي”، لا مجرد ملف قضية جنائية.
ثم يأتي “البطل” في مشهد “Slow Motion”، يترجل من طائرته الخاصة نافثاً دخان سيجاره بثقة “بوندية” مطلقة، ليُعلن للعالم أنه ذاهب للدفاع عن موكله.
عذراً يا عزيزي، هل أنت ذاهب لتقديم “نقض” في قضية إعدام، أم ذاهب لتصوير الجزء القادم من “Mission Impossible”؟ وهل سيسأل القاضي عن “أدلة البراءة” أم عن “موديل الطائرة”؟ ,
«أنا أحترق.. في التكييف!»
شعار المرحلة مؤثر جداً: «يجب أن تحترق من أجل عملك».
عبارة عميقة كدنا نطلب المطافئ بسببها، لولا أن “الاحتراق” كان يتم بجوار طبق “سوشي” فاخر، داخل طائرة خاصة، وعلى مقعد جلدي مُكيّف.
يا لها من تضحية كبرى! أن تعاني “لفحات” التكييف على ارتفاع ثلاثين ألف قدم، وتجاهد “غصّة” السيجار الكوبي وأنت تفكر في موكلٍ يرتدي البدلة الحمراء وينتظر معجزة.
يبدو أن “الحرق” المقصود هو حرق وقود الطائرات، لا حرق خلايا المخ في البحث عن ثغرة قانونية تنقذ رقبة من المشنقة!
المحاماة بـ «الفلتر»: حين يكون «الكادر» أهم من «المادة»
المشكلة ليست في الثراء، فالمحاماة مهنة الشرف والمال، ولكن المشكلة في “تسليع الهيبة”.
لقد تحول الرداء الأسود من “حجاب للعدالة” إلى “إكسسوار” في عرض أزياء. الرسالة التي يبعثها هذا “التريند” لشباب المحامين مرعبة: «لا تذاكروا القانون.. بل استأجروا المصورين!»
• قديماً: كان المحامي يزلزل المنصة بـ “بناء الحجة”.
• حديثاً: المحامي يزلزل “الفيسبوك” بـ “بناء الكادر”.
فبدلاً من أن يسأل الموكل عن “الثغرة القانونية”، صار يسأل بفضول: «يا أستاذ، هي الطيارة دي إيجار ولا تمليك؟» .
بين «روب» الفرسان و«دخان» الأكشن
ستظل مهنة المحاماة هي “القضاء الواقف”، محرابٌ مقدس لا “بلاتوه” تصوير. هي مهنة الفرسان الذين لا يحتاجون لغير سلاح المنطق. تاريخياً، كان المحامي يهز القاعة بـ “كلمة”، ولم تكن عظمته تُقاس يوماً بحجم سيارته أو عدد حراسه، بل بحجم “الثقة” التي يزرعها في قلب المظلوم.
العدالة سيدة وقورة، لا تبهرها أضواء الكاميرات ولا دخان التبغ، بل تبهرها “مذكرة نقض” لا تخر منها المياه. قديماً، كان كبار المحامين يدخلون المحكمة بشنطة جلدية مهترئة، لكنها كانت تحتوي على “قنابل قانونية”.
اليوم، يخشى البعض أن تتحول “الشنطة الجلدية” إلى “شنطة مكياج” لتجهيز المحامي قبل ظهور الكاميرا!
كلمة لشباب الفرسان: اعتزوا بالروب لا بالركوب
يا شباب المحامين، أنتم حماة الحق. لا يغرنكم بريق “التريند” أو ضجيج المحركات. “سقراط” و”السنهوري” و”فريد الديب” لم يصنعهم “المونتاج”، بل صنعتهم “المرافعة”.
الخلطة السرية ليست في “الولاعة” الفاخرة، بل في “الشعلة” التي تسكن عقولكم لتنير ظلمات المظلومين.
ارحموا وقار “الرداء الأسود”، فقد شحب لونه خجلاً من ملاحقة “كاميرات الموبايل” ودخان الاستعراض الفج! عاشت المحاماة مهنة شامخة، تستمد هيبتها من جلال الحق، لا من ضجيج المحركات.
