دكتور ياسر جعفر يكتب: يا عزة الأمة حينما يكون الحاكم شجاعاً وأميناً!

نعم، حينما يكون الرئيس والملك والأمير شجاعاً وأميناً، تكون الأمة في قوة وعزة وكرامة. يا لقوة الأمة حينما يكون الحاكم شجاعاً وأميناً وعادلاً؛ إذ تجد الشعوب في سعادة وكرامة وقوة. وإذا كان الأمر على العكس، فتجد حالنا كما نحن فيه الآن: أمة ذليلة منكسرة يستهزئ بها الجميع، أمة تُقطع أشلاؤها وتُحرق وتُدمر؛ حتى لتكاد لا تجد أمة! .
لقد استخدمت فئات من المرتزقة أسلحة الخيانة لتدمير الأمة، فيا لها من أمة كأنها غير موجودة ولا يراها أحد، شعوبٌ ترزح تحت فقر الذل والهوان والضعف والانكسار، وغلاء أسعارٍ بلا مبرر.
فيا كرامة الأمة حينما يكون الحاكم شجاعاً وأميناً؛ إننا نريد حكاماً مثل سلمة بن الأكوع في شجاعته وأمانته.
ففي الحديث النبوي الشريف: عن سلمةَ بنِ الأكوعِ قالَ: «أغارَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عيينةَ علَى إبلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ فقتلَ راعيَها، فخرجَ يطردُها هوَ وأناسٌ معَه في خيلٍ، فجعلتُ وجهي قِبلَ المدينةِ ثمَّ ناديتُ ثلاثَ مرَّاتٍ: يا صباحاهُ! ثمَّ اتَّبعتُ القومَ فجعلتُ أرْمي وأعقرُهم، فإذا رجعَ إليَّ فارسٌ جلستُ في أصلِ شجرةٍ، حتَّى ما خلقَ اللَّهُ شيئًا من ظَهرِ النَّبيِّ ﷺ إلَّا جعلتُه وراءَ ظَهري، وحتَّى ألقَوا أكثرَ من ثلاثينَ رمحًا وثلاثينَ بُردةً يستخفُّونَ منها، ثمَّ أتاهم عيينةُ مَددًا فقالَ: ليَقم إليهِ نفرٌ منكم، فقامَ إليَّ أربعةٌ منهم فصعَدوا الجبلَ، فلمَّا أسمعتُهم قلتُ: أتعرفوني؟ قالوا: ومَن أنتَ؟ قلتُ: أنا ابنُ الأكوعِ، والَّذي كرَّمَ وجهَ محمَّدٍ ﷺ لا يطلبُني رجلٌ منكم فيدرِكني، ولا أطلبُه فيفوتُني.
فما بَرحتُ حتَّى نظرتُ إلى فوارسِ رسولِ اللَّهِ ﷺ يتخلَّلونَ الشَّجرَ، أوَّلُهمُ الأخرمُ الأسديُّ، فيلحقُ بعبدِ الرَّحمنِ بنِ عُيَينةَ، ويعطفُ عليهِ عبدُ الرَّحمنِ فاختلفا طعنتَينِ، فعقرَ الأخرمُ عبدَ الرَّحمنِ وطعنَه عبدُ الرَّحمنِ فقتلَه، فتحوَّلَ عبدُ الرَّحمنِ علَى فرسِ الأخرمِ، فيلحقُ أبو قتادةَ بعبدِ الرَّحمنِ فاختلفا طعنتَينِ، فعقرَ بأبي قتادةَ وقتلَه أبو قتادةَ، فتحوَّلَ أبو قتادةَ علَى فرسِ الأخرمِ، ثمَّ جئتُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وَهوَ علَى الماءِ الَّذي جلَّيتُهم عنهُ (ذو قردٍ)، فإذا نبيُّ اللَّهِ ﷺ في خمسِ مائةٍ، فأعطاني سَهمَ الفارسِ والرَّاجلِ». [خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح].
كان النَّبيُّ ﷺ يُوزِّعُ الغنائمَ على المقاتلين كما أمَرَهُ اللهُ سُبحانَهُ وفَوَّضَه، وكانَ الصَّحابيُّ الجليلُ سلَمةُ بنُ الأَكْوَعِ -رضي الله عنه- مِقداماً شجاعاً، يُدافعُ عَنْ حُرَمِ الإسلامِ بكلِّ قوَّتِه، وقدْ ظهرَ ذلك في مَواقِفَ كثيرةٍ.
وهذا الحديثُ يُوضِّحُ جانباً من ذلكَ؛ حيثُ يَحكِي سَلمةُ بنُ الأَكْوعِ -رضي الله عنه-: أنَّه «أَغارَ عَبدُ الرَّحمنِ بْنُ عُيينةَ»؛ أي: هَجَمَ، «على إِبِلِ رَسولِ اللهُ ﷺ فَقَتلَ راعِيَها وَخَرجَ يَطرُدُها»؛ أي: يَسوقُ الإبِلَ لِيأخُذَها، «هو وأُناسٌ معه في خَيلٍ»؛ أي: ومعه فرسانٌ بِخيولِهم. «فَجعَلتُ وَجْهي قِبَلَ المدينة ثُمَّ نَاديتُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ: يا صَباحاهُ!» وهي كلمةٌ يَقولها المُستَغيثُ للتَّحذيرِ من شَرٍّ أو عَدوٍّ.
«ثُمَّ اتَّبَعْتُ القَومَ فَجعلتُ أَرْمي وأعْقِرَهم»؛ أي: أَرْمي بِالسِّهامِ وأقْتُل مَركوبَهم وخُيولَهم، وأجْعَلهم راجِلينَ بِعَقْر دَوابِّهم. «فإذا رَجعَ إِليَّ فارِسٌ جَلستُ في أصْلِ شَجَرةٍ»؛ أي: مُتوارِيًا في جِذعِ شَجَرةٍ. «حتى ما خَلَقَ اللهُ شيئًا من ظَهْرِ النَّبيِّ ﷺ إلا جَعلْتُه وراءَ ظَهْرِي»؛ والظَّهرُ هي الإبِلُ التي أخَذوها، ويُريدُ أن جَميعَ ما أخَذوه من إبِلِ النَّبيِّ ﷺ أخَذْتُه منهم وتَركْتُه خَلْفي.
وجَعَل يَتتَبَّعهم «وحتى أَلْقَوا أكْثَرَ من ثَلاثينَ رُمحاً وثَلاثينَ بُردةً»، وهي كِساءٌ صَغيرٌ مُربَّعٌ، أو كِساءٌ أسودُ صَغيرٌ، «يستخفُّون منها»؛ أي: يطلبون الخِفَّة منها؛ ليكونوا أسرع في الفرار والهرب منه. «ثم أتاهم عُيينةُ مَدداً»؛ وهو عُيينة بن حصن، والد عبد الرحمن الذي أغار على الإبل، والمدد: هو مَن ينصرهم ويعينهم.
«فقال» أي عيينة: «ليقم إليه نفرٌ منكم، فقام إليَّ أربعةٌ منهم فصعدوا الجبل، فلما أسمعتُهم»؛ أي: قدرتُ على إسماعهم بقربهم مني، «قلت: أتعرفوني؟ قالوا: ومَن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع، والذي كرَّم وجه محمد ﷺ، لا يطلبني رجلٌ منكم»؛ أي: يطاردني ويريد قتلي، «فيدركني، ولا أطلبه فيفوتني»، وهذا تهديد لهم بأنهم لن يفوزوا به، بل هو مَن سيقتلهم.
قال: «فما برحتُ حتى نظرتُ إلى فوارس رسول الله ﷺ»؛ والفوارس جمع فارس وهم المقاتلون على الخيل، «يتخللون الشجر»؛ أي: يدخلون من بين الشجر، «أولهم الأخرم الأسدي، فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة، ويعطف عليه عبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر الأخرم عبد الرحمن»؛ أي: قتل الأخرم الأسدي دابة عبد الرحمن، «وطعنه عبد الرحمن فقتله»؛ أي: فقتل عبد الرحمن رئيس المشركين الأخرم الأسدي، «فتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم»؛ أي: أخذه ليفر به.
«فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة»؛ أي: قتل دابة أبي قتادة، «وقتله أبو قتادة، فتحول أبو قتادة على فرس الأخرم. ثم جئت إلى رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي جليتُهم عنه»؛ أي: طردتهم عنه، «ذو قرد»؛ وهو ماء بين المدينة وخيبر على مسافة يوم من المدينة، أي يقع على بُعد ثلاثين كيلومتراً تقريباً منها، «فإذا نبي الله ﷺ في خمس مئة»؛ أي وجد النبي ﷺ راكباً في خمس مئة رجل، كانوا يتجهزون للحوق بهم، «فأعطاني سهم الفارس والراجل»؛ والفارس له سهم لنفسه وسهم لفرسه، والراجل -وهو الذي قاتل على رجليه- له سهم واحد.
وقيل: يشبه أن يكون إنما أعطاه من الغنيمة سهم الراجل؛ لأن سلمة كان راجلاً في ذلك اليوم، وأعطاه الزيادة نفلاً لما كان من حسن بلائه.
وفي الحديث: بيان شجاعة سلمة بن الأكوع ومنقبته، حيث كان خير رجال المسلمين في هذه الواقعة. وفيه: أن للنبي ﷺ أن يوزع الغنائم كيف شاء على المقاتلين، وأن يزيد مَن كان له بلاء في القتال.
وفيه: بيانُ اختلافِ أسهم المحاربين في الجهاد؛ لاختلاف دور كلٍ منهم ولاختلاف جهده.
إن سلمة بن الأكوع -الشجاع الأمين- لم يرضَ بالاستيلاء على الإبل، واعترض الأعداء بكل قوة وشجاعة وأمانة.
فهل لو كان سلمة يعيش بيننا الآن، كان سيسمح للصهيونية الأمريكية والإسرائيلية بالاستيلاء على مقدرات الدول من البترول والغاز ومناجم الذهب وجميع المعادن؟ وهل كان سيسمح بالاستيلاء على مقدرات الشعوب لإنفاقها على أعداء الإسلام لضرب إخواننا في كل دول المسلمين؟! .
لقد كان سلمة لا يرضى بهذه المهانة والإذلال، ولا يرضى أن يأخذوا تراب الوطن! فحينما يكون الحاكم شجاعاً وأميناً، تكون الأمة في سعادة وقوة يخشاها كل متآمر وكل غاصب وظالم! .
يقول الله -تعالى- على لسان إحدى ابنتي شعيب -عليه السلام- لما اقترحت على أبيها أن يتخذ سيدنا موسى -عليه السلام- مسؤولاً بالأجر: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26].
قال الإمام الطبري -رحمه الله-: «تقول: إن خير من تستأجره للرعي، القويُّ على حفظ ماشيتك، والقيامِ عليها في إصلاحها وصلاحها، الأمينُ الذي لا تخاف خيانته فيما تأمنه عليه».
وقال ابن عباس -رضي الله عنه-: «أمين فيما وَلِيَ، أمين على ما استُودع».
إن الأمانة من أعظم الركائز التي قامت عليها السماوات والأرض، وأعلى أنواع الأمانة: حفظُ الدين، والذودُ من أجل إقامة فرائضه، وحدِّ حدوده. قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72].
قال قتادة: «الأمانة: الدين، والفرائض، والحدود».
وقال الطبري: «وقال آخرون: بل عُني بالأمانة في هذا الموضع: أماناتُ الناس».
وترتقي خطورة الأمانة في الإسلام إلى درجة تكون فيها علامة على الإيمان أو عدم الإيمان؛ قال نبينا ﷺ: «لا إيمانَ لِمَن لا أمانةَ له، ولا دِينَ لِمَن لا عهدَ له» [صحيح الجامع].
ومقعد الإنسان في الآخرة هو مقعده في الدنيا، هو يصنعه بيده، وهو يوجهه إلى ما اختار من جهته؛ فمن اتخذ مقعداً في الدنيا ليباهي به، أو يقضي مصالحه الخاصة، أو يعزف عن مصالح الناس التي عُلقت بعنقه، فقد خاب وخسر.
فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رجالاً من المنافقين في عهد رسول الله ﷺ كانوا إذا خرج النبي ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ، فإذا قدم النبي ﷺ اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا؛ فنزلت: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: 188].
وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قلتُ: يا رسول الله، ألا تستعملني -أي ألا تعطيني ولاية أو إمارة-؟ قال: فضرب بيده ﷺ على منكبي ثم قال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» [رواه مسلم].
ولما جاء أهل نجران إلى رسول الله ﷺ يلتمسون منه مسؤولاً أميناً، يقف على حاجاتهم، ويقضي مصالحهم، ويحسن إدارة شؤونهم، قال لهم: «لأبعثنَّ إليكم رجلاً أميناً حقَّ أمين». قال حذيفة: فاستشرف لها الناس؛ فبعث أبا عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه- [متفق عليه]؛ وهو الرجل المناسب في المكان المناسب، الذي قال فيه ﷺ: «لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» [متفق عليه].
فالأمة تحتاج لمثل هؤلاء الرجال الذين ملؤوا الأرض عدلاً وأمناً وأماناً وشجاعة ورجولة وكرامة! فالأمين يعلم أنه مُراقب في عمله، والرقيب هو الله، ومسؤول عن وظيفته ومسؤولياته، والسائل هو الله؛ قال تعالى: ﴿هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29]. وفي الحديث: «كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ» [متفق عليه].
إن الأمين يعلم أن الغش في الوظيفة يجر عليه ويلات الدنيا والآخرة؛ ففي الدنيا يفضحه الله، فيكتشف الناس كذبه وخيانته وتزويره، فيعيش بقية عمره ذليلاً مهيناً، مُشاراً إليه بأصابع المكر والخيانة. ويوم القيامة يفضحه الله على رؤوس الأشهاد خزياً وعاراً وشناراً؛ قال النبي ﷺ: «إنَّ الغادرَ يُنصَبُ له لِواءٌ يَومَ القِيامَةِ، فيُقالُ: هذه غَدْرَةُ فُلانِ بنِ فُلانٍ».
الأمين يجعل نفسه طوع يد من استأمنه، ذلك الذي ما اعتلى منصبه إلا بسبب ثقته فيه وحسن ظنه به؛ فيحرم عليه أن يشق على الناس، أو يتماطل في قضاء مصالحهم، أو يتأخر في مد يد العون إليهم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: 8]. قال ابن كثير -رحمه الله-: «أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا، وهذه صفات المؤمنين».
وقال النبي ﷺ: «اللهم مَن ولِيَ مِن أمرِ أُمَّتي شيئاً فشقَّ عليهم فاشقُقْ عليه، ومَن ولِيَ مِن أمرِ أُمَّتي شيئاً فرفقَ بهم فارفُقْ به» [رواه مسلم].
ومن مشين الشق على الناس: الاحتجاب عنهم، وإغلاق الباب في وجوههم، والخوف من ملاقاتهم بمصالحهم، ومواجهتهم بمآربهم وحاجاتهم. قال النبي ﷺ: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ، وَخَلَّتِهِمْ، وَفَقْرِهِمُ، احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ، وَخَلَّتِهِ، وَفَقْرِهِ» [صحيح سنن أبي داود].
إن الأمين يعلم أن في الاحتجاب إذلالاً للناس الذين قصدوا نفعه، واستضعافاً لأصحاب الحاجات الذين أمَّلوا معونته، وإضاعةً لحقوق من توسموا خدمته وإنصافه. خطب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ذات يوم في العمال فقال: «إني استعملتكم على أمة محمد ﷺ لتقيموا بهم الصلاة، وتقضوا بينهم بالحق، وتقسموا بينهم بالعدل؛ ولا تلدوا المسلمين فتذلوهم، ولا تضيعوا حقوقهم فتفتنوهم».
والأمين عفيف عن أخذ الرشاوى والهدايا؛ ينظر إلى ما في يده، ولا يتطاول إلى ما في أيدي الناس، ويقنع بحلال رزقه، ولا يلتفت إلى مال غيره. ومَن فعل غير ذلك، فقد صدق عليه قول رسول الله ﷺ: «ليأتيَنَّ على الناس زمان، لا يُبالي المرء بما أخذ المال، أمِنْ حلال أم من حرام» [رواه البخاري]. ذلك أن «هدايا العمال غلول» -كما قال النبي ﷺ- [صحيح الجامع]. وقال ﷺ: «مَن استعملناه على عمل، فرزقناه رزقاً، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» [صحيح سنن أبي داود].
وورد في الصحيح: «أنَّ أوَّل ما ينتن من الإنسان بطنه؛ فمَن استطاع أن لا يأكل إلاَّ طيباً فليفعل» [رواه البخاري].
فاحذر -يا رعاك الله- أن يأتي المظلوم يوم القيامة آخذاً بتلابيبك، مطالباً إياك بحقوقه التي ضيعتها، وبحاجاته التي نسيتها؛ يوم لا يكون المقابل درهماً ولا ديناراً، ولا ملكاً ولا عقاراً، إنما هي الحسنات والسيئات. واللبيب مَن عرف قدره، وأدى الذي عليه.
فما أهلك المجتمعات الإسلامية مثل ضياع الأمانات، وما قوَّى من أطماع غيرنا فيها مثل تسابقنا إلى الدنيا، واقتناص مناصبها، والفرح بملذاتها؛ حين صار هَمُّ كثيرٍ منا احتواشَ الدرهم والدينار، بحق أو بغير حق، بكفاءة أو بغير كفاءة، باقتدار أو باحتيال؛ مما لا يبقى معه إلا انتظار الساعة.
ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث. فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذ قضى حديثه قال: «أين -أراه- السائل عن الساعة؟». قال: ها أنا يا رسول الله. قال: «فإذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة».
قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».
وذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» أن رجلاً جاء إلى أبي شجاع (وزير الخليفة المقتدي العباسي)، وقال له: إلى جانبنا أرملة لها أربعة أولاد، وهم عراة جياع. فما كان منه إلا أن بعث إليهم مع رجل من خاصته نفقةً، وكسوةً، وطعاماً، ونزع ثيابه في البرد الشديد وقال: «والله لا ألبَسها حتى ترجع إليَّ بخبرهم». فذهب الرجل مسرعاً، فأدى إلى الأرملة وأولادها ما حمله إليهم؛ فلما رجع، أخبره أنهم فرحوا بذلك ودعوا للوزير، فسُرَّ بذلك ولبس ثيابه.
وأكبر أمانة هي الشعوب؛ فينبغي على الحكام أن يراعوا الشعوب، وأن يضعوا الرجل المناسب في المكان المناسب، ونتجنب المحسوبيات التي ضيعت الأمانة. نحن نريد أن نكون أمة قوية أُخرجت للناس جميعاً، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
فمتى سيختفي من مجتمعاتنا الجياع والمحرومون؟ متى تغتني الأرملة ويكتفي اليتيم؟ متى تنطفئ جذوة الصراخ والشكوى من شبه غياب أيسر وسائل العيش الكريم؛ من تعليم جيد، وصحة ميسورة، وإدارة هينة؟ .
وفي الحديث: «يُبايَعُ لِرجُلٍ بيْنَ الرُّكنِ والمَقامِ، ولنْ يستحِلَّ هذا البيتَ إلَّا أهلُه، فإذا استحَلُّوه فلا تَسَلْ عن هلَكةِ العرَبِ، ثمَّ تظهَرُ الحبَشةُ فيُخرِبونَه خَرابًا لا يعمُرُ بعدَه أبدًا، وهم الَّذينَ يستخرِجونَ كَنْزَه» [رواه ابن حبان].
وفي رواية لأبي هريرة -رضي الله عنه-: «يُبايعُ لرجلٍ بين الركنِ والمقامِ، ولن يستحِلَّ هذا البيتَ إلا أهلُهُ، فإذا استحلُّوهُ، فلا تسألْ عن هلكةِ العربِ، ثم تظهرُ الحَبَشَةُ، فيخرِّبونَهُ خراباً لا يَعْمُرُ بعدَهُ أبداً، وهم الذين يستخرجونَ كنزَهُ»… اللهم احفظ أمة العرب من الهلاك.



