دين

يجب على أهل المناصب أن يكونوا من أهل العلم والدين!!

بقلم: د. ياسر جعفر

في مختلف القطاعات والمستويات، غالباً ما يتسابق الأفراد على المناصب، سواء كانوا حكاماً، وزراء، أو موظفين. هذا التنافس على تولي المسؤوليات قد يكون شديداً، وقد يثير تساؤلات حول مدى استحقاق بعض الأفراد للمناصب التي يتولونها.

يُطرح غالباً تساؤل حول مدى أهمية توافر العلم والكفاءة في من يتولى المناصب. قد يرى البعض أن تولي المناصب من قبل أشخاص يفتقرون إلى المعرفة اللازمة أو الخبرة قد يؤدي إلى نتائج سلبية وتخبط في القرارات، مما قد يؤثر على أداء المؤسسات والدولة بشكل عام.

يعتبر الاختيار الصحيح للأفراد لتولي المناصب أمراً حيوياً لضمان سير العمل بكفاءة وتحقيق الأهداف المرجوة. فالقيادات الكفؤة والمؤهلة يمكن أن تساهم في تعزيز التنمية والاستقرار، في حين أن الاختيارات غير الموفقة قد تؤدي إلى تدهور الأوضاع في مختلف المجالات، بما في ذلك الاقتصاد.

تسلط بعض النصوص الدينية الضوء على أهمية الاختيار بناءً على العلم والكفاءة. على سبيل المثال، في قصة اختيار طالوت ملكاً، يُذكر أنه تم اختياره بناءً على اصطفاء إلهي وزيادة في العلم والجسم، مما يشير إلى أهمية هذه الصفات في القيادة.

(المعنى) وقال لهم نبيهم: إن الله قد أرسل إليكم طالوت مَلِكًا إجابة لطلبكم، يقودكم لقتال عدوكم كما طلبتم. قال كبراء بني إسرائيل: كيف يكون طالوت مَلِكًا علينا، وهو لا يستحق ذلك؟ لأنه ليس من سبط الملوك، ولا من بيت النبوة، ولم يُعْطَ كثرة في الأموال يستعين بها في ملكه، فنحن أحق بالملك منه؛ لأننا من سبط الملوك ومن بيت النبوة. قال لهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم وهو سبحانه أعلم بأمور عباده، وزاده سعة في العلم وقوة في الجسم ليجاهد العدو. والله مالك الملك يعطي ملكه مَن يشاء من عباده، والله واسع الفضل والعطاء، عليم بحقائق الأمور، لا يخفى عليه شيء.

كان الاختيار لأهل العلم وقوة في الجسم لكي يجاهد العدو في القتال، وليس مطلوباً هذا الزمان قوة الجسم؛ لأن الحرب بالأسلحة المتقدمة والطائرات والصواريخ والنووي، ولكن الاختيار لأهل العلم والدين هام جداً لأنهم أصحاب حكمة في القرارات واختيار أصحاب المناصب. والكل شاهد أيام الانتخابات التزاحم من أصحاب الأموال، وهذا من المؤشرات التي تكون سيئة لعدم تنصيب الرجل المناسب في المكان المناسب. هذه مسؤولية وأمانة كبيرة؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (صحيح البخاري).

“فالأمانة في الإسلام فضيلة ضخمة وفريضة كبرى، وقد ضرب الله المثل لضخامتها بصورة ذات دلالات مؤثرة ومعبرة لكي لا يستهين الناس بها، فقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]. يسعى الشخص للمنصب متخلياً عن قيمه ومبادئه، وطمعاً فيه من أجل تحقيق أهداف وغايات غير نبيلة خاصة به وبأهله والمقربين منه، متناسياً ما قد أطلقه قبل توليه للمنصب من وعود وآمال كثيرة، وانتقادات حادة لمن سبقه من مسؤولين.

لقد وضع الإسلام أسساً وقواعد متينة لتولي وتقلد المناصب والأعمال، من بينها الأمانة والعلم والكفاءة والمقدرة، فلا يجوز عند تولي المناصب أن يكون الاختيار قائماً على أساس من اللون أو الجنس أو انتماءات معينة أو صلة القرابة والصداقة والمعرفة والعلاقات والأهواء الشخصية، بل يكون الأساس في اختيار الأصلح والأقدر على تولي مسؤولية المنصب، قائماً على أسس متينة من الأمانة والعلم والمقدرة والكفاءة؛ فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ -أي ألا تجعلني والياً أو أميراً على إحدى المدن- قال أبو ذر: فضرب بيده -صلى الله عليه وسلم- على منكبي، ثم قال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» (أخرجه مسلم).”

“وعندما تولى أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- الخلافة، قال: «أيها الناس: إني وُليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه».

وبعد تولي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الخلافة قال: «اللهم إني شديد فليني، وإني ضعيف فقوني، وإني بخيل فسخني». وقال أيضاً: «إذا رأيتم فيَّ اعوجاجاً فقوموني». فقام رجل وقال لعمر: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناك بسيوفنا، فقال عمر: «الحمد لله الذي جعل في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- من يُقوم عمر بسيفه». كما أن لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قولاً مأثوراً، حيث قال: «ويحك يا ابن الخطاب، لو عثرت دابة على شاطئ الفرات لسألك الله عنها لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا عمر؟».

ولما وُلي عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- الخلافة، قُدمت إليه مراكب الخلافة، فقال: «ما لي ولها؟ نحوها عني وقدموا لي دابتي، فقُربت إليه، فجاء صاحب الشرطة يسير بين يديه بالحربة، فقال: تنحَّ عني، ما لي ولك؟ إنما أنا رجل من المسلمين. وأمر بالستور فرُفعت، والثياب التي كانت تُبسط للخلفاء فأمر ببيعها وإدخال ثمنها بيت المال».”

“لقد حرم الإسلام استغلال المناصب لتحقيق أهداف ومصالح شخصية، وأوجب أداء الأمانة بمختلف أشكالها وصورها، وشدد على أهمية العناية بأمانة المناصب صغرت أم كبرت، بالعديد من الأوامر والنواهي التي إن روعيت فسوف تتحقق مصالح العباد والبلاد، من جلب للمصالح والمنافع ودرء للمفاسد والكوارث والمصائب التي تقع بسبب الخيانة وتضييع الأمانة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة الأنفال، آية 27). وجاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن رجلاً سأله عن الساعة، فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قال: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وُسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (رواه البخاري).

فالأمة التي لا أمانة فيها هي التي تهمل أصحاب الكفاءات والخبرات في تقلد المناصب، حيث تولي عليها من ليسوا أهلاً لها، الذين يستحوذون ويتهافتون عليها لتحقيق آمال وطموحات ومصالح ومنافع ومكتسبات ذاتية أو شخصية أو أسرية، وتكون النتيجة أن تتسبب هذه المناصب في جلب المصائب لهم ولشعوبهم وأوطانهم، حيث تعم الفوضى.”

زر الذهاب إلى الأعلى