أخبارمقالات

دكتور ياسر جعفر يكتب: المراقبة والانضباط في ارتفاع الأسعار

تتسم حياة كثير منا بالمزاجية والعشوائية وقلة الانضباط أو انعدامه، وربما يرى بعضنا أن الانضباط هو نوع من معاقبة النفس وحرمانها، ويرى أنه عندما يعيش حياته بغير انضباط أو تقييد فهو خير له وأفضل.

وهذا بلا شك تصور خاطئ وجهل مركب؛ فالحياة كلها قائمة على الانضباط، ومسيّرة على النظام المنضبط القائم على سنن كونية ونواميس إلهية وضعها الرب الحكيم العليم -جل جلاله-.

وهناك نماذج سبق تكلمنا عنها لضبط الأسعار وضبط السلوكيات العشوائية، ومن النماذج المشرفة وهو محافظ الدقهلية “اللواء طارق مرزوق” نموذجاً مشرفاً لضبط الخارجين عن القانون في جميع المجالات؛ وليلة النصف من شعبان كان يتفقد الدراسات وضبط الشراء والبيع للباعة وتجنب العشوائية التي تعطل الطريق وتسبب الازدحام.

ونود أن نلفت نظر اللواء طارق إلى “داخلة ميدان سندوب”، وأيضاً هناك أمر هام في الأبراج والعمارات التي يكون بها “البدروم” والذي يكون خصيصاً للسيارات، وللأسف يستعملونه أصحاب العقارات للايجار في مشاريع أخرى؛

ونطلب من سعادة اللواء أن يشدد على أصحاب العقارات باستخدام “البدروم” لركنة السيارات لتجنب الزحام، ونود أن تكون على مستوى الجمهورية.

لو تأمل المسلم في دينه العظيم، دين الإسلام، لوجد أن الإسلام في كل تعاليمه وأنظمته يدعو المسلم إلى الانضباط التام والتقيد الكامل؛ فلهذا وضع لكل شيء حدوداً مرسومة، وكيفيات معينة، وتعليمات واضحة، وتفاصيل محددة؛ حتى يُعلّم الناس على الانضباط بها، والالتزام بتعاليمها؛ ليكونوا بعيدين عن العشوائية والمزاجية.

إن ديننا الإسلامي الحنيف لم يقل لنا: “صلوا فقط”، وإنما أمرنا بالصلاة وبيّن لنا أوقاتها، وأحكامها، وتعاليمها، وعدد ركعاتها، وتفاصيل أركانها وواجباتها ومستحباتها؛ حتى ننضبط في كل تفاصيلها، ونؤدي كل حقوقها وتعليماتها بشكل منتظم ومنضبط.
ولهذا لم يأتِ الأمر بالصلاة أمراً عاماً دون تفصيلات مضبوطة وأحكام مقيدة؛ إذ لو كان الأمر كذلك، فإن كل فرد سيشرع لنفسه ما يريد، ويفعل من الأحكام ما يشاء، وتكون الصلاة تؤدى بغير نظام ولا أحكام، ولكانت صلوات عديدة ومتنوعة وليست صلاة واحدة؛ لكل قوم صلاة ولكل بلد صلاة.

وهكذا إذا نظرنا في كل العبادات والشعائر الأخرى لوجدنا أنها كلها تعلمنا الانضباط وتربينا على النظام؛ فلكل عبادة مواقيت تؤدى فيها، وكيفيات تؤدى بها، وأحكام تنظمها وتربي النفوس على الالتزام بالانضباط بمحدداتها، بل إن دقيقة واحدة تقديماً أو تأخيراً قد يتوقف عليها صحة العبادة وبطلانها، أو يتوقف عليها اتباع السنة أو مخالفتها.

إن من العقوبات التي يسلطها الله على بعض خلقه ويرسلها عليهم: غلاءَ الأسعار وارتفاعَ قيم الأشياء وزيادتَها عن المعتاد، ولأجل ذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو على المشركين بغلاء الأسعار وقحط الأمطار كما جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في “صحيح البخاري” -رحمه الله- أن من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- في القنوت: “اللهم أنجِ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، اللهم سنين كسني يوسف”. قال العلماء كما في “عمدة القاري” (14/204): “اشدد وطأتك عليهم بالهزيمة والزلزلة وغير ذلك من الشدائد، كالغلاء العظيم والموت الذريع ونحوهما، والمراد بالسنين جمعُ سنةٍ وهي الغلاء”.

وإنه لا يخفى -يا عباد الله- ما يعاينه الناس في هذه الأيام من استعار الأسعار واشتعالها وغلاء الأثمان وارتفاعِها، حتى غدا بعض الفقراء والمعدمين لا يستطيعون الحصول على الأشياء الضرورية إلا بمشقة فادحة. فما أسبابُ ارتفاع الأسعار؟! وما الموقفُ الصحيحُ حيالَ ذلك؟!

إن الشريعة الإسلامية أولت التجارة والتُجار عناية كبيرة، فبينت ضوابط وأحكام البيع والشراء، وأباحت الربح الحلال، وجعلت السعي في الأرض وطلب المال الحلال مع النية الصالحة عملاً صالحاً، وحذرت من التعسف والجور والظلم والجشع والأنانية واستغلال حاجات الناس، قال صلى الله عليه وسلم: “يا معشر التجار، إنكم تبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبرَّ وصدق”. وقال صلى الله عليه وسلم: “البيعان بالخيار ما لم يتفرقا؛ فإن صدقا وبينا بورك لهما؛ وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما” (أخرجه مسلم).

وأمرت الشريعة بالتيسير والتسهيل وطلب الربح اليسير دون العنت والمشقة على الناس، بل جعلت هذا باباً عظيماً من أبواب الرحمة والإحسان، قال صلى الله عليه وسلم: “رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى” (أخرجه البخاري).

إن الشريعة الإسلامية لم تسع لتحدد الأسعار إذا لم يكن سبَبَها جشعُ التجار، وإنما كان ارتفاعها بسبب تقلبات العرض والطلب وقلة السلعة وشحها؛ ولذلك لما غلت الأسعار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: “يا رسول الله؛ سعر لنا”، قال: “إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو الله أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال” (أخرجه أبو داود). وأما إذا وُجد ضرر على الناس بسبب جشع التجار فقال أهل العلم: لا بأس بالتسعير؛ بسبب أن هناك تجاراً ملأت قلوبهم الجشع والطمع ويقومون بغلاء الأسعار بدون داعٍ، تجد أن فلاناً يبيع بسعر وفلاناً آخر يبيع بسعرٍ لنفس السلعة! ويكون الفرق بينهما كبيراً، لماذا الجشع والطمع؟ اتقِ الله في الفقراء والمحتاجين والضعفاء.

وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم التجار من غلاء الأسعار لمجرد جشعٍ منهم، فعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليُغْلِيَه عليهم فإن حقاً على الله أن يقذفه في جهنم” (أخرجه البيهقي). وحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من أكل الحرام، وقد يأتي المالُ الحرام بسبب المغالاة التي منطلقها الجشع، قال صلى الله عليه وسلم: “كل لحم نبت على سحت فالنار أولى به”.

ومما حرمته الشريعة مما يكون حماية للمستهلك “النجش” وهو الزيادة في قيمة السلعة ممن لا يريد شراءها، وكذلك حرمت الشريعة “تلقي الركبان” خارج الأسواق؛ لأن ذلك مآله إلى غلاء الأسعار، ومما حرمته الشريعة إنفاق السلعة بالحلف الكاذب، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ممحقة للبركة.

ومما حرمته الشريعة الإسلامية مما قد يكون سبباً في رفع الأسعار “الاحتكار”، وهو حبس السلع عند حاجة الناس إليها لتشحَّ من الأسواق فيغلو ثمنُها، يقول عليه الصلاة والسلام: “لا يحتكر إلا خاطئ” -يعني آثم- (أخرجه مسلم).

فاتقوا الله أيها المسلمون، وراقبوه سبحانه فيما تأتون وتذرون، وتراحموا فيما بينكم؛ فالرحماء يرحمهم الرحمن. اللهم اجعلنا من الرحماء، وارحمنا برحمتك، ولا نهلك وأنت رجاؤنا.

زر الذهاب إلى الأعلى