دكتور ياسر جعفر يكتب: مفهوم الإتيكيت

يضم الإتيكيت مجموعة القواعد والمبادئ المكتوبة وغير المكتوبة، والتي تنظم المجاملات والأسبقية، ومختلف المناسبات والحفلات والمآدب الرسمية والاجتماعية؛ وهذه القواعد والمبادئ تدل على الخُلق القويم الذي يجمع بين الرقي، والبساطة، والجمال.
(ببساطة) هو ليس ما تقول، بل كيف تقوله، وكيف تبدو، وكيف تُشعر من حولك بالراحة والاحترام، وكل ذلك بدون تصنع، بل كجزء طبيعي من هويتك الإنسانية المهنية والاجتماعية.
هو التعامل في جميع المعاملات بالمستويات الرفيعة والرائدة والتي يعلوها الخُلق الرفيع في جميع المعاملات، وهذه هي المعاملات التي أوصى بها الدين الإسلامي في جميع المعاملات بالتعامل الرفيع والذوق الرفيع والأدب والاحترام والتقدير واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة؛ فمن أرقى عناصر الحضارة عنصر الآداب الرفيعة، الذي يسميه البعض بـ “الإتيكيت”، وهي كلمة فرنسية الأصل: (Etiquette).
وكل ما يتحدث به روّاد فنون الإتيكيت نجد له أصولاً في الشريعة الإسلامية وبمستويات راقية من دون إفراط أو تفريط، وهذه المعادلة لا يضبطها إلا منهج ربّ السماوات والأرض.
(عناصر الآداب الرفيعة)
(الأناقة الشخصية)
أنت كونك إنساناً سوف تُشاهَد من قِبَل الآخرين، الذين سيسمعون صوتك أيضاً ويشمّون رائحتك؛ فاحرص كل الحرص على أن تظهر أمامهم بأرقى صورة، وإليك بعض التفاصيل:
1- الشكل: احرص على التزام أرقى وسيلة لتهذيب الأظافر والشعر (الرأس، الشارب، اللحية)؛ فقد كان للمصطفى ﷺ مشط عاج يسافر به، ومعه المرآة والدهن والمكحل والسواك، كما جاء في “الطبقات الكبرى” لابن سعد، وقد صحَّ في “المستدرك” وغيره أنه رأى رجلاً شعثاً فقال: “أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ؟” (رواه الترمذي).
2- التطيّب: انتبه لرائحة الفم وخاصة في الصباح، فلا تجلس قريباً جداً ممن تحادثه، ويمكن معالجة الرائحة بعلكة النعناع. وانتبه لروائح الإبط والتجشؤ؛ فقد كان المصطفى ﷺ يتطيّب بأطيب ما يجد، كما جاء في “صحيح البخاري”.
3- النظافة الشخصية: هل يوجد دين في العالم يجعل أتباعه يغسلون أطرافهم 5 مرّات في اليوم غير الإسلام؟ وحين علم المصطفى ﷺ عن أناسٍ لا يغتسلون قال مستنكراً: “أَوَ لا يَغْتَسِلُونَ؟” (كما صححه الألباني).
4- الملبس: إن الله جميل يحبّ الجمال؛ فيستحسن من المسلم أن يلبس النظيف والجميل من الثياب ذات الألوان المتناسقة؛ فقد نبّه المصطفى ﷺ رجلاً متسخاً: “أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَاءً يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ؟” (أخرجه النسائي). وكم هو رائع أن تحتفظ بشنطة جميلة وقلم راقٍ ومحارم ورقية في جيبك.
(المعاملة)
1- المواعدة: كُن على الموعد، لا قبله ولا بعده، ولا تصطحب معك أحداً إلا بعلم صاحب البيت حتى وإن كان صديقاً له، وإن اضطررت للاعتذار فاعتذر فوراً لا في الساعة الأخيرة، أو أبلغه بالتأخير مبكراً.
2- الاستئذان: اطرق الباب ثلاثاً وقف متجنباً مشاهدة عورة البيت، ولا تجلس في المجلس مواجهاً للباب.
3- الترحيب: قابل صاحبك بمنتهى البشاشة والمصافحة والمعانقة وبأيدٍ نظيفة جداً، ونادِهِ بأحب الأسماء إليه.
4- الزيارة: اطمئن على أهل البيت، لا تنتقد صاحب الضيافة ولا بيته، وقبّل أبناءه، واخرج قبل أن يملوا منك.
5- المجالسات: إذا استعرت شيئاً فردّه بأحسن مما كان عليه، وأَنزل الناس منازلهم، وبالذات كبار السن والعلماء.
6- الطعام: أَكثر من مدح طعام صاحب الضيافة، لا تسأله أثناء مضغ الطعام، وادعُ له عند الانتهاء.
(إتيكيت خارج المنزل)
تختلف عادات الشعوب حسب اختلاف ثقافاتها، ولا بأس باتباع أنظمة تناول الطعام في مطعم فاخر أو ركوب طائرة أو البروتوكولات السياسية ما دامت متوافقة مع الشريعة الإسلامية.
1- إتيكيت المطاعم: تحفل المطاعم الراقية، وخاصة تلك التي تقدم “البوفيه”، بالعديد من أنظمة الإتيكيت التي يستحسن مراعاتها وخاصة في حضور الأجانب، وإتيكيت المطاعم ليس محصوراً فقط في طريقة إحضار الطعام 3 مرات (المقبلات Starter ثم الوجبة الرئيسية Main Course ثم المُحَليات Dessert)، بل في طريقة الوصول للطاولة ووقت الجلوس ومن يبدأ بالجلوس، وتوقيت استخدام الأدوات على الطاولة..
2- ذوقيات حضور الحفلات والأعياد والأسواق والعزاء ومناسبات العمل والزيارات الرسمية.
3- ذوقيات استعمال الهاتف والرسائل البريدية ورسائل الطلب والدعوات والتواصل مع الـ VIP’s.
أتمنى أن أكون قد فتحتُ باباً ذكرت فيه – وفق التصنيف الذي أوجدته – أغلب مواضيع الآداب الرفيعة والأذواق السامية عسى أن نكون قد وضعنا أساساً لحضارة رائعة.
والإسلام دين الكمال والجمال والإحسان، جاء بشرائع في غاية الجودة والإتقان؛ لتنظيم الحياة الاجتماعية، وتنظيم الروابط الإنسانية بين المسلمين، وبينهم وبين غير المسلمين أيضاً.
(والتوجيهات الشرعية: الشاملة، والعامة) لتنظيم الحياة الاجتماعية، وحسن التعامل مع الآخرين -كثيرة جدًّا-؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: 90، 91]، وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: 83]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: 53]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من غشَّ فليس مني)).
إن من الأمور العظيمة التي ندبت إليها الشريعة الإسلامية، وحثت على فعلها والعناية بها، لزوم الأدب وتكميله، وتحسين الخلق وتهذيبه؛ إذ إن ذلك هو عنوان سعادة المرء وفلاحه في الدنيا والآخرة، فما استُجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استُجلب حرمانهما بمثل تضييع الأدب وإهماله.
وحقيقة الأدب: استخراج الكامن في الإنسان من الكمال من حيز القوة إلى حيز الفعل؛ فإن الله سبحانه قد هيأ الإنسان لقبول الكمال بما أعطاه من الأهلية والاستعدادات التي جعلها فيه كامنة، فألهمه ومكَّنه وعرَّفه وأرشده، وأرسل إليه رسله، وأنزل إليه كتبه، لاستخراج تلك القوة التي أهله بها؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7 – 10]؛ فأخبر سبحانه عن قبول النفس للفجور والتقوى، وأن ذلك نالها منه امتحانًا واختبارًا، ثم خصَّ بالفلاح مَنْ زكَّاها؛ فنمَّاها وعلاَّها ورفعها بآدابها التي أدب الله -عز وجل- بها رسله وأنبياءه وأولياءه، ثم حكم بالشقاء على من دسَّ نفسه، فأخفاها وحقّرها وصغّرها وقمعها بالخِسة والفجور.
أدب الإتيكيت من الآداب الرفيعة، والأدب كلمة عظيمة ذات دلالاتٍ عميقة، وهي تعني اجتماعَ خصال الخير في العبد؛ في هيئته ومظهره، وقومته وقعدته، وحركته وسكونه، وحديثه وسكوته، وحله وارتحاله، وجميع شؤونه، وهو إصلاح للمنطق واللسان، والجوارح والجنان، وصيانة كاملة للإنسان، به تتهذّب النفوس وتزكو، ويتجمل الظاهر والباطن، وبه تبتعد النفوس عن رعونتها، والقلوب عن شرورها، والجوارح عن آفاتها، والأخلاق عن منغصاتها وخوارمها.
بالأدب -عباد الله- تعلو منارات الدين، وتتسع رقعته، ويعظم إقبال الناس عليه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، وقال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، قال الحسن البصري -رحمه الله-: “هو آداب القرآن”.
لقد تأدَّب ﷺ بآداب القرآن فكمَّلها، وتحلى بتوجيهاته وإرشاداته فتممها، فكان خلقه ﷺ الذي يتخلق به، وأدبه الذي يتأدب به، هو القرآن الكريم، كما في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- لما سئلت عن خلقه ﷺ قالت: “كان خلقه القرآن”. أي أنه ﷺ كان متأدبًا بآداب القرآن، متخلقًا بأخلاقه، واقفًا عند حدوده، عاملاً بأوامره، منتهيًا عن نواهيه، بحيث لا ترى في القرآن من خلق ولا أدب إلا وهو متمسك به وملازم له على أتم وجه وأحسن حال، فكان بذلك أسوة لأمته، وقدوة في كل خير: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
والأدب ثلاثة أنواع:
أدب مع الله سبحانه، وأدب مع رسول الله ﷺ وشرعه، وأدب مع الخلق. أما الأدب مع الله -عز وجل- فيكون بالحياء منه سبحانه، وتعظيم أمره ونهيه، والوقوف عند حدوده، والإقبال عليه وحده رغبًا ورهبًا وخوفًا وطمعًا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: 57]. إن الأدب مع الله هو القيام بدينه، والتأدب بآدابه ظاهرًا وباطنًا، ولا يستقيم لأحد قطُّ الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء: معرفته سبحانه بأسمائه وصفاته، ومعرفته بدينه وشرعه وما يحب ويكره، وثالث ذلك: نفسٌ مستعدة قابلة لينة متهيئة لقبول الحق علمًا وعملاً.
وأما الأدب مع الرسول ﷺ فالقرآن مملوء به، ورأس ذلك -عباد الله- التسليم له، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، وأن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، ولا إذنٍ ولا تصرف حتى يأمر هو وينهى ويأذن، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]، تعاملٌ بالإتيكيت على مستوى رفيع، أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر، وهذا باقٍ إلى يوم القيامة؛ فالتقدم بين يدي سنته ﷺ بعد وفاته كالتقدمِ بين يديه ﷺ في حياته.
وأما الأدب مع الخَلْقِ، فهو معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم، فلكلٍّ مرتبته من الأدب؛ فمع الوالدين أدب وإتيكيت خاص، ومع العالِم أدب خاص، ومع الأقران أدب وهكذا، ولكل حال من الأحوال أدب؛ فللأكل آدابه، وللشرب آدابه، وللركوب والدخول والخروج والسفر والإقامة والنوم آدابها، ولقضاء الحاجة آدابه، وللكلام آدابه، وللسكوت والاستماع آدابه. والأدب هو الدين كله؛ إذ الدين -عباد الله- هو دين الأدب الرفيع في أوامره الحكيمة، وإرشاداته القويمة، وتوجيهاته العظيمة.
ونحن في هذا المقال لا ننسى الدكتور رفعت الضبع، الوزير المفوض للأمم المتحدة في هذا المجال الكبير، وله عدة مؤلفات، ومؤلفات د. الضبع مؤلفات محكمةٌ ومؤصلة ومنشورة بدور النشر الدولية تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور/ أحمد الطيب، شيخ الأزهر رئيس مجلس حكماء المسلمين في العالم، وأيضاً المؤسسات الدينية العالمية؛ وشملت تلك الموسوعات على 230 مؤلفاً، وهي: موسوعة الإتيكيت (13 مؤلفاً)، وموسوعة البروتوكول (48 مؤلفاً)، وموسوعة الإعلام النوعي (87 مؤلفاً)، وموسوعة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني (بقية المؤلفات). وتم استحداث أول نقابة في مصر والعالم تحمل اسم “نقابة البروتوكول”، وتم استحداث أول اتحاد عالمي للإتيكيت وأول منظمة دولية للإتيكيت.





