دكتور ياسر جعفر يكتب: سماحة الإسلام في الاهتمام بالمرضى

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله -عز وجل- يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب، كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب، كيف أسقيك، وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي» (رواه مسلم).
سماحة الإسلام تعم بالخير على جميع البشر في جميع المعاملات وعلى جميع الأصعدة كافة، كما دعا الإسلام المسلمين إلى التحلي بخلق السَّمَاحَة؛ فإنَّ السَّمَاحَة من خلق الإسلام نفسه، فمن السَّمَاحَة عفو الله ومغفرته للمذنبين من عباده، وحلمه -تبارك وتعالى- على عباده، وتيسير الشريعة عليهم، وتخفيف التكاليف عنهم، ونهيهم عن الغلو في الدين، ونهيهم عن التشديد في الدين على عباد الله؛ قال تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
لقد جاء الإسلام ليكون رحمة للعالمين وهداية للبشر أجمعين؛ وقد وصف الله تعالى رسالة نبيه بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، ووصف النبي نفسه بقوله: «إني بُعثت رحمةً ولم أُبْعَث لعّاناً».
وبنظرة يسيرة على حال الشرائع المغايرة لشريعة الإسلام، يكتشف المسلم أنّ شريعة الإسلام تسامت إلى أبعد حدّ عن النقائص، ولم تُثقل كواهل الناس بشرائع ثقيلة ولا متطلبات تكليفية صعبة، كما يحدث في الشرائع الوضعيّة التي تُزيد الهموم على البشر لا أن تخففها وتعمل على رفع الحرج عنهم. وتأتي كلمة السماحة في القاموس الإنسانيّ بمعنى اللين في التعامل والمساهلة، والعطاء بلا حدود ودون انتظار مقابل؛ هذا هو الدين الإسلامي العظيم.
وكيف يهتم بأمر الناس كافة؟ ونحن بصدد عيادة المريض والاهتمام به والاعتناء به في مرضه، ولا ينبغي أن نهمله مهما كان حال هذا المريض سواء في فقره أو غناه، ولا تتدخل المحسوبية للغني ونترك الفقير، ولا نمنعه من دخول المستشفيات ونرميه على الأرصفة؛ فهي رسالة من الله موجهة إلى كل الناس بالاهتمام الشامل للمرضى.
ولا نهضم حقه في التأمين العلاجي، ولا نقفل في وجهه باب المستشفيات ويكون خاصاً لأصحاب الأموال؛ الويل كل الويل والعذاب كل العذاب لمن يقف ضد المريض! ولا نتركهم في استقبال المستشفيات بالساعات ينزفون ويصرخون من الألم والوجع، أين الرحمة بالعباد؟ أين النخوة والمروءة؟ احترموا المرضى واحذروا إهمالهم! .
انظر إلى بلاغة الحديث في الاهتمام بالمريض: “كيف أعودك؟”؛ في الكلام حذف، والأصل: “كيف تمرض فأعودك؟”، وهكذا في الإطعام والسقي؛ أي: كيف تجوع فأطعمك؟ وكيف تظمأ فأسقيك؟! أما الاستفهام فهو للإنكار التعجبي.
“مرضتُ، واستطعمتُ، واستسقيتُ”؛ قال العلماء: إنما أضافها إليه -سبحانه وتعالى- تشريفاً للعبد ولعظمة تكريم المريض، وتقريباً له. ومعنى “وجدتني عنده”: أي وجدت ثوابي وكرامتي، ويدل عليه قوله -تبارك وتعالى- في تمام الحديث: “لو أطعمته لوجدت ذلك عندي”، “لو أسقيته لوجدت ذلك عندي”، أي ثوابه. والله أعلم.
يُقال للعبد: إن حق هذا المريض حقي، والتفريط في جنبه تفريط في جنبي، وإنك في قسوتك عليه وقطيعتك له وإعراضك؛ بالحال التي لو استطعت معها أن تنالني بالقسوة والقطيعة والإعراض لفعلت! والغرض من ذلك تعظيم جُرمه وتعظيم إثمه، وتخييل أنه كالخصيم لربه وخالقه، وكالقاطع لمولاه ورازقه، إنشاءً للتحسير والتخسير وتأهيلاً للعذاب الكبير، كما سُبق نحوه في بيان الغرض من مخاطبة المولى لهذا العبد. وعلى هذه الطريقة في التمثيل جاء كثير من الآيات والأحاديث مما يسمونه “المتشابهات” أو “آيات وأحاديث الصفات”.
مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، ومثل حديث: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل».
يا لقسوة الإنسان على أخيه الإنسان! إنه ليغدو ويروح مرحاً مختالاً بما ألبسه الله من ثياب العافية، وأخوه يتململ على فراش الأوجاع والضنى، وإنه ليبيت بَشِماً ممتلئاً من الطعام وجاره يتلوى من المسغبة والطوى، وإنه ليصبح ريان بما علّ ونهل من عذب الشراب وجاره صديان يحترق من الظمأ والجوع! وربما من نقص في بعض الأدوية كالسكر والفشل الكلوي! هل هذا يصح للمسلمين؟! .
فيا لسوء ما فعل، وما أقبح ما أتى، ويا له من قاسٍ ظلوم وقاطع غشوم! لا، بل إن ليس غاية أمره في القطيعة والجفوة، ولا منتهى حاله في الفظاظة والغلظة؛ فإن الأشبه بحاله أنه لو استطاع أن ينال مولاه بسوء ما فعل لفعل وما تأثم، ولو أمكن له أن يعامله بمثل ما عمل لعمل وما تذمم.
ولو علم أن الخلق بيد الخلاق العظيم يبلوهم بما يشاء من النقص في الأموال والأنفس والثمرات، ويقضي فيهم بما لا تثبت عليه الجبال الراسيات؛ لخشع وجهه لله، فلم يطمئن إلى حال من السلامة والغنى، ولم يغتر بشيء من متاع الدنيا، ولآمن بأن الباقيات الصالحات خير عند ربه ثواباً وخير أملاً!! .
فالحذر كل الحذر من الإهمال للمرضى وتدخل المحسوبيات، والحذر من الإهمال للفقراء والمحتاجين والضعفاء والمساكين؛ فالويل لمن بيده يد العون ولم يساعد! .
المرض مظهر آخر من مظاهر الضعف البشري، فمهما اشتد المرض أو ضعف فإن النفس البشرية تكون عاجزة أمامه، فترضخ، وتسقط إعياءً، ووقتئذ يحتاج الإنسان من يقف بجانبه: علاجاً ورعاية وزيارة ومؤانسة.
والمعلوم أن مَن يزور المريض وقت مرضه تظل آثار الزيارة راسخة في نفس المريض؛ فكما نتذكر مَن يشاركوننا أفراحنا، نتذكر مَن يواسوننا في أحزاننا ومرضنا!!.. عوّد نفسك على عمل الخير، وسارع واسعَ وراء الضعفاء والمساكين والفقراء والمرضى، سارع في أعمال الخيرات؛ نحن في آخر الزمان، وأنجِ نفسك وعائلتك من الفتن والمحن والكوارث التي ستحدث، قوِّ نفسك واحفظ نفسك وأهلك بعمل الخير وعيادة المرضى والفقراء، وكل عام وأنتم بخير.


