أخباردين

مفهوم البروتوكول

بقلم: د. ياسر جعفر

الإتيكيت والبروتوكول أسماء معروفة عالمياً، ولكن في الحقيقة هي في جوهر الدين الإسلامي، وجاء بها رسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم- ليعلم العالم معنى التعامل في جميع المجالات وعلى جميع الأصعدة، وفي الحقيقة هي معاملات إسلامية.

(ما هو البروتوكول؟)

هو مجموعة مرسومة ومكتوبة من القواعد والإجراءات الرسمية التي تنظم التفاعل بين المؤسسات والدول (زيارة رسمية، مؤتمر دولي، مقابلة قيادية، مراسم رسمية).

تتضمن هذه القواعد التحية بالمراتب، ترتيب الجلوس بحسب التسلسل الرسمي، آداب الإعلان عن الضيوف، استخدام الألقاب الرسمية، ومراعاة السياق الثقافي وفق ما تحدد كل منشأة أو هيئة (دولية أو محلية).

أهم العلامات على أن البروتوكول الذي تتعامل به فعّال واحترافي:

ترتيب الجلوس بحسب الأسبقية الإجرائية (Precedence): مثل ترتيب السفيرات والدبلوماسيين في الفعاليات الرسمية.
استخدام الألقاب والعناوين الرسمية: مثلاً أثناء الخطابات الرسمية والإعلانات.

التخطيط الفني والترتيب اللوجستي المُسبق للضيافة: بدءاً من مجالسة الحضور إلى توزيع الكتيبات والترقيم اللين لكل جلسة.

معرفة بروتوكول تقديم الهدايا الرسمية أو الرمزية: طرق قبولها رسمياً حسب الاتفاقيات الدبلوماسية.

وجود مسؤول بروتوكول (Chief of Protocol): وذلك للإشراف على التفاصيل الدقيقة للفعالية وتنسيقها مع الجهات الحكومية أو الرسمية.

استخدام علم الدولة أو شعار الجهة بطريقة دقيقة ومنسّقة: سواء في المنصات أو الصور الرسمية حسب قواعد محلية أو مؤسسية.

لباس رسمي محدد وواضح: يكون اللباس يتماشى مع الطبقة السياسية أو التمثيلية المعنيّة (زي رسمي، بدلة رسمية، ملابس موحدة) ويُميّز المكانة والمؤسسة.

التوقيت المُعد مسبقاً جدوليّاً للفعاليات: الالتزام بالدقائق القليلة التي تفصل بين كلمة الافتتاح أو التحية والبرنامج العام.

والشريعة الإسلامية علمت العالم فن واحتراف التعامل مع جميع المخلوقات، وسميت هذه المعاملات بـ”الإتيكيت والبروتوكول”.

(من محراب العبادة) والطاعة والمناجاة ومعاملة الخالق -سبحانه وتعالى- ينطلق المسلم إلى محراب الحياة وميدانها ليتعامل مع الخلق، وهذه سنة الله في خلقه؛ يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.

فكان من لوازم معاملة العبد لربه، وقيامه بواجباته التعبدية، والتزامه بشرعه، أن يحسن معاملة خلقه؛ فالسلوك الحسن، والمعاملة السليمة، عنوان على صاحبها، وبرهان على صدق إيمانه وعمق إسلامه، ومدى تخلُّقه بأخلاق الإسلام ومبادئه السمحة. ثم إن الغاية المنشودة من العبادات في الإسلام هي أن تُزكى النفس الإنسانية، وتوثق صلة الإنسان بخالقه وبالناس من حوله؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلا تعدٍ ولا ظلم ولا بغي؛ يقول الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}.

وبالزكاة تترعرع الألفة بين القلوب، وينمو الإحسان بين الناس، وتتطهر النفس، يقول جل وعلا: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، وبالصوم يتمرس الإنسان على الصبر وسائر خصال التقوى والبر.

وبالحج تتم سائر الفضائل الدينية التي تغرسها مناسكه في قلب المسلم، يقول تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}. وهكذا تثمر العبادات في الإسلام ثمرتها، وتؤتي أكلها إذا صدقت نية صاحبها، وارتوت منها أحاسيسه.

جاء الإسلام ليهذب السلوك والأخلاق، ويدعو المسلم إلى حسن التعامل مع من حوله بطريقة حسنة وراقية وحضارية، وجعل ذلك التعامل الحسن من العبادات العظيمة، ورتب عليها -سبحانه وتعالى- عظيم الأجر وجزيل الثواب؛ ففي جانب الكلمة أمر الله تعالى عباده أن يتخيروا من الألفاظ أحسنها، ومن الكلمات أجملها عند حديث بعضهم لبعض، حتى تشيع الألفة والمودة، وتندفع أسباب الهجر والقطيعة والعداوة، يقول الله تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً}. ولم يبح الله -عز وجل- لعباده الجهر بالسوء إلا في أحوال محددة كحالة التظلم، فقال: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً}.

وفي التعامل الأسري في البيت المسلم، أمر الإسلام عباده بالمودة والرحمة كأساس لبناء الحياة بين الزوجين والأبناء والآباء، يقول جل وعلا: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

وفي جانب التعامل في المجتمع المسلم بين الجيران والأقارب والضيوف والأرحام، جعل الإسلام المعاملة الحسنة علامة على قوة الإيمان وقرب العبد من ربه، يقول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ».

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «واللهِ لا يؤمِنُ، واللهِ لا يؤمِنُ، واللهِ لا يؤمِنُ، قالوا: وما ذاكَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: جارٌ لا يأمنُ جارُهُ بوائقَهُ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وما بوائقُهُ؟ قال: شرُّهُ».

هذه هي تعاليم الإسلام، وأخذوا منها المسميات “الإتيكيت والبروتوكول”، وفي الجوهر هي تعاملات إسلامية.

وفي جانب المعاملات المالية كانت دعوة الإسلام إلى التعامل الحسن من التسهيل والتيسير والأمانة والوضوح والصدق، يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَإِذَا رَأَى مُعْسِراً قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ؛ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ»، وفي رواية: «قال اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ».

يا الله! لقد تجاوز الله عنه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون لتعامله الحسن مع الخلق، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحِمَ اللهُ عبداً سَمْحاً إذا باعَ، سَمْحاً إذا اشْتَرى، سَمْحاً إذا قَضَى، سَمْحاً إذا اقْتَضَى».

هذا الإمام أبو حنيفة النعمان -رحمه الله- يوصي عماله وغلمانه في متجره بأن يبينوا للناس عيوب بضاعته إذا وجدت؛ لأن ذلك من الدين ومن المعاملة الحسنة التي أمر بها الإسلام، فالمسلم الذي يضع جبهته في المسجد ساجداً لله يستحي من الله أن يغش خلقه، والأمة التي يعيش أبناؤها على الخيانة والغش أمة معرضة للانهيار والسقوط.

وفي جانب إدارة الأعمال والوظائف، وتولي أمور الناس، غرس الإسلام في نفوس أتباعه الرقابة الذاتية، ودعاهم إلى معاملة الخلق بسهولة ويسر وإرادة الخير لهم، فقال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئاً فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِي مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ». فهذا الموظف أو المسؤول بمعاملته الحسنة دون محاباة أو ظلم أو تعدٍ قد يبلغ درجة عظيمة عند الله لا يصل إليها غيره، وإنها لمن مكارم الأخلاق؛ يقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ المؤمنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ».

فإذا تحولت المعاملة إلى استعلاء وتكبر وجفاء كان الجزاء من جنس العمل، يقول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ؛ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُوَن حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ يوم القيامة».
وفي جانب البلاغ والدعوة إلى دين الله، تخير الإسلام للتعامل مع المدعوين أفضل الطرق وأرأفها وأرحمها، فقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}.

وفي جانب الحروب والعلاقات الدولية دعا الإسلام أتباعه إلى المعاملة الحسنة؛ فأسس الإسلام مبادئ، ووضع آداباً وضوابط للعلاقات وللحروب والغزوات لم تعرفها الأمم مسبقاً، من الرحمة بالأسير، وعدم التمثيل بالمقتول، وقبول الفداء، وعدم قطع الأشجار، وعدم قتل الشيوخ والنساء والأطفال، وعدم هدم الصوامع والمعابد؛ فقد كان الأسير عند المسلمين يظل له كيانه الإنساني، وحقوقه الفطرية، من الأمان والطعام والكساء والدواء؛ لأن أبناء الإسلام منقذون ومصلحون لا مفسدون ومخربون، وصانعون للحياة السعيدة لا مدمرون ومتلفون لها.

فهذا السلطان المظفر صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- يسير ذات يوم في بعض طرقات مدينة بيت المقدس وقد نصره الله، فقابله شيخ مسيحي كبير السن، وقال له: “أيها القائد العظيم: لقد كُتب لك النصر على أعدائك، فلماذا لم تنتقم منهم، وتفعل معهم مثل ما فعلوا معك؟ فقد قتلوا نساءكم وأطفالكم وشيوخكم عندما غزوا بيت المقدس”، فقال له صلاح الدين: “أيها الشيخ: يمنعني من ذلك ديني الذي يأمرني بالرحمة بالضعفاء، ويحرم علي قتل الأطفال والشيوخ والنساء”، فقال له الشيخ: “وهل دينكم يمنعكم من الانتقام من قوم أذاقوكم سوء العذاب؟” فأجابه صلاح الدين: “نعم! إن ديننا يأمرنا بالعفو والإحسان، وأن نقابل السيئة بالحسنة، وأن نكون أوفياء بعهودنا، وأن نصفح عند المقدرة عمن أذنب وأخطأ”. فقال الشيخ: “نِعْمَ الدين دينكم، وإن ديناً فيه مثل هذه الأخلاق يعلو ولا يعلى عليه”، وأسلم الرجل وحسن إسلامه، وأسلم معه كثير من أبناء قومه.

الله أكبر يا عباد الله! أين هذه الأخلاق والقيم مما يفعله الظلمة والمستبدون ومدّعو حقوق الإنسان اليوم من العربدة والقتل للأطفال والنساء والشيوخ، وهدم المباني والبيوت والمساجد والمدارس، وحصار الأبرياء براً وبحراً وجواً، دون أن يكون لديهم وازع أخلاقي أو إنساني، وفي ظل صمت إسلامي وعالمي رهيب لمجازرهم إلا من رحم الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقدم الدكتور رفعت الضبع -أستاذ الإعلام والبروتوكول والمستشار البرلماني الدولي ومدرب المدربين عالمياً والوزير المفوض للإتيكيت بالمنظمات الدولية- بتأليف موسوعة البروتوكول، وتشمل على: بروتوكول التعامل مع الزوجة، وبروتوكول التعامل مع الأبناء والآباء والأحفاد والأجداد والأهل والجيران والخصم والسائح والمستثمر والزملاء في العمل والرئيس والقائد والتجار وذوي القدرات الخاصة والشيخ المسن والخصم والزرع والحشرات والحيوانات الأليفة والمرافق وأصحاب الشرائع الأخرى. كما قدم العديد من البرامج والحلقات التلفزيونية والإذاعية والكتابات الصحفية، ونظم المؤتمرات والندوات الدولية، وقام بتدريب السادة أصحاب السمو الأمراء والشيوخ والوزراء والمحافظين ونجوم العالم والبعثات الدبلوماسية العربية والأجنبية وأعضاء البرلمانات، واقترح باستحداث علوم الإتيكيت والبروتوكول والمراسم ضمن متطلبات الجامعة كمنهج علمي يُدرس بمؤسسات التعليم المختلفة، وهو أول من أصل علوم الإتيكيت والبروتوكول والمراسم علمياً.

هذا هو ديننا العظيم الذي يجب علينا أن نلتزم به، وهذه هي المعاملة التي ينبغي أن نطبقها سلوكاً في واقع حياتنا إذا أردنا سعادة الدنيا والآخرة… اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

زر الذهاب إلى الأعلى