بلغوا عني ولو آية

بقلم: د. ياسر جعفر

“بلغوا عني ولو آية”؛ قالها رسول الإنسانية، وهذا توجيه عام لكل مسلم في أنحاء العالم، ليس شرطاً أن يكون عالماً في الأزهر ولا من رجال الدين؛ كل إنسان يبلغ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو آية في جميع المجالات، بدلاً من أن نترك الساحة للسفهاء والتافهين. ينبغي على كل موظف في عمله، على جميع التخصصات المختلفة، أن يبلغ عن رسول الله ولو آية أو حديثاً لكي يعم الخير في المجتمع. إن القرآن والسنة النبوية التمسك بهما لا يضل الإنسان وتغمر حياته النور، ففي الحديث الذي رواه عبدالله بن عمرو: «بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً، وَحَدِّثُوا عن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (صحيح البخاري).
وفي هذا الحديث يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بَلِّغوا عنِّي ولو آيةً»، أي: أخبروا الناس وعلموهم بكل ما جاء عني وبلغتكم به، من قرآن أو سنة، واقتصر هنا على الآية؛ ليسارع كل سامع إلى تبليغ ما وقع له من الآيات والعلم، ولو كان قليلاً، ولو آية واحدة؛ بشرط أن يبلغ الآية صحيحة على وجهها. وقوله: «آيةً» يشمل القرآن المتواتر والحديث النبوي الصحيح؛ لأن الحديث في حكم الآية القرآنية من حيث إنه وحي من الله -عز وجل-؛ قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
ثم قال صلى الله عليه وسلم: «وحَدِّثوا عن بني إسرائيلَ»، أي: وأخبروا بما حدثكم به بنو إسرائيل، واسمعوا لما يحدثونكم به مما لا يتعارض مع الشرع، وبما لا تعلمون كذبه، «ولا حَرَجَ»، أي: لا يقع عليكم شيء من الإثم والذنب في الحديث عنهم.
وليس المقصود من قوله: «لا حَرَجَ» إباحة الكذب في أخبارهم، ورفع الإثم عن نقل الكذب عنهم، بل هذا ترخيص في الحديث عنهم على البلاغ وإن لم يتحقق ذلك بنقل الإسناد؛ لتعذره بطول المدة، بخلاف أحكام شريعة الإسلام؛ فإن الأصل فيها التحديث بالاتصال.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: «ومَن كَذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا»، أي: مَن قصد الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعمّد ذلك، لا مَن أخطأ، فليتهيأ وليستعد إلى دخوله النار وإلى مقعده الذي فيها، الذي قد أوجبه هو على نفسه بكذبه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعمُّد الكذب عليه، وهذا وعيد شديد دالٌّ على كِبر هذه المعصية. وخص النبي -صلى الله عليه وسلم- الكذب عليه بالتحذير -وإن كان الكذب كله حراماً-؛ لأن كلامه -صلى الله عليه وسلم- تشريع، وكلام غيره ليس كذلك؛ فالكذب على الرسول -صلى الله عليه وسلم- أعظم مَضرَّةً، وأعظم إثماً.
وفي الحديث: الترهيب والتحذير من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن فضائلها ومنزلتها الرفيعة: أن الله -تعالى- مدح هذه الأمة وأخبر بأنها خير الأمم التي أخرجها للناس، وذلك بتكميلهم لأنفسهم بالإيمان المستلزم للقيام بكل ما أمر الله به، وبتكميلهم لغيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتضمن دعوة الخلق إلى الله وجهادهم على ذلك، وبذل المستطاع في ردهم عن ضلالهم وغيهم وعصيانهم، فبهذا كانوا خير أمة أخرجت للناس. وبرهان ذلك قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
وقبلها قال في نفس السورة عن الدعاة بأنهم أهل الفلاح الفائزون بالمطلوب، الناجون من المرهوب؛ فقال الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
ومن فضائلها أن أجرها مستمر ومثوبتها دائمة؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا» (رواه مسلم).
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» (رواه مسلم).
والمعنى: أن مَن أرشد الناس إلى فعل خير ودعاهم لفعله، سواء كان الخير عظيماً وكثيراً أو قليلاً؛ فتبعه أناس على ذلك فإن له مثل أجورهم، أو أرشدهم لترك محظور فتبعه أناس على ذلك فإن له مثل أجور تركهم. فهل فكرنا بهذا الفضل العظيم، والجزاء الضخم من الكريم؟ .
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ لِعَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَوْمَ خَيْبَرَ عِنْدَمَا أَعْطَاهُ الرَّايَةَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (رواه البخاري ومسلم).
و”حُمْرُ النَّعَمِ” هي الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء، وأنه ليس هناك أعظم منه. والمعنى: قيل “لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا” خيرٌ لك من أن تكون لك إبل حمر كثيرة فتتصدق بها، وقيل: “لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا” خيرٌ لك من أن تقتني الإبل الحمر وتملكها؛ وكانت مما تتفاخر العرب بها فهي أنفس أموالهم، وما زال هذا النوع من الإبل من أنفس ما يُملك.
إذا كان الأمر كذلك؛ فلننطلق في مضمار الدعوة إلى الله مخلصين صادقين، لنحظى بالأجر العظيم، والرفعة والكرامة في مقعد صدق عند مليك مقتدر، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
والدعوة إلى الله ليست منصباً اعتبارياً، ولا وظيفة خاصة لا يجيدها إلا المتخصصون، ولا يتقنها إلا المدربون. الدعوة إلى الله لها مراتب كثيرة: منها ما لا يتقنه إلا العلماء المتخصصون، ومنها التوجيه البسيط للآخرين بعمل مشروع؛ كما لو قلت لمسلم: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-) فقالها؛ فلك مثل أجره.
وبين هذين مراتب كثيرة، وأعمال متنوعة من الدعوة إلى الله يستطيع كل مسلم أن يأخذ منها بطرف، المهم أن يشعر المسلم بفضل الدعوة إلى الله وأهميتها ونفعها له الدنيوي والأخروي، وينطلق من حث النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عندما قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» (رواه البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-)، أَيْ: لِيُسَارِعْ كُلُّ سَامِعٍ إِلَى تَبْلِيغِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْآيِ وَلَوْ قَلَّ؛ لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ نَقْلُ جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.


