دين

 على مَن حُرِّمت النار؟!

بقلم: د. ياسر جعفر

وصف رسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم- على مَن حُرِّمت النار! وهذا توجيه للبشرية جمعاء من رسول الإنسانية ليتمسكوا بهذه التعليمات لتُطبق على أرض الواقع في جميع المعاملات؛ ففي الحديث الذي رواه عبدالله بن مسعود:
«أَلَا أُخْبِرُكم بمَن يَحْرُمُ على النَّارِ، وبمَن تَحْرُمُ عليه النَّارُ؟ على كلِّ قريبٍ هيِّنٍ سهْلٍ» (سنن الترمذي).

لقد حث الإسلام على الأخلاق الحسنة في معاملة الناس؛ فرغَّب في حسن معاشرتهم واللين معهم. وفي هذا الحديث يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: “ألا أخبركم بمن يحرم على النار”، أي: يُمنع ويُحجز عن دخولها فيُعافى منها، “وبمن تحرم عليه النار؟” أي: تصبح النار محرمة عليه فلا يدخلها، وهي من باب التأكيد فهي كالجملة السابقة. ثم أوضح النبي -صلى الله عليه وسلم- صفة المعافى من النار فقال: “على كل قريب”، أي: قريب إلى الناس، “هين”، أي: يتصف بالسكون والوقار واللين في تصرفاته مع الناس، “سهل”، أي: سهل المعاملة والخلق، ميسر على الناس.

وفي الحديث: الحث على لين الجانب في معاملة الناس.

الخلق الحسن يُذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيئ ليُفسد العمل كما يُفسد الخلُّ العسل، وقد تكون في الرجل أخلاق كثيرة صالحة كلها وخلق سيئ؛ فيُفسد الخلق السيئ الأخلاق الصالحة كلها. وفي هذا الحديث النبوي الكريم الذي بين أيدينا اليوم، يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ»، أي دخول نار جهنم يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ».

“كل هين”: والهَوْن -بفتح الهاء- هو السكينة والوقار.
“لين”: من اللين وهو ضد الخشونة.
“سهل”: أي يقضي حوائج الناس، وينقاد للشارع في أمره ونهيه، أو معناه: أنه سمح القضاء، سمح الاقتضاء، سمح البيع، سمح الشراء.
“قريب من الناس”: أي إلى الناس بمجالستهم في محافل الطاعة، وملاطفتهم قدر الطاعة.

قال الماوردي: بيَّن صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث أن حسن الخلق يُدخل صاحبه الجنة ويُحرمه على النار؛ فإن حسن الخلق عبارة عن كون الإنسان سهل العريكة، لين الجانب، طلق الوجه، قليل النفور، طيب الكلمة. ولكن لهذه الأوصاف حدود مقدرة في مواضع مستحقة؛ فإن تجاوز بها الخير صارت مَلَقاً، وإن عدل بها عن مواضعها صارت نفاقاً، والمَلَق ذل، والنفاق لؤم.

ولحُسن الخلق منزلة عالية في دين الإسلام العظيم، ومن يتمتع بحسن الخلق، ويتحلى بتطبيق المنهج الربَّاني في معاملة الآخرين، ويتمسك بسنَّة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في التعامل مع الناس؛ فقد فاز فوزاً عظيماً في الدنيا وفي الآخرة. ولقد وصف الله تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- في كتابه الحكيم فقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].

وقد كان كفار قريش -على عداوتهم للمسلمين وكفرهم- إلا أنهم كانوا يأتمنون الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما رأوه من حسن الخلق وطيب المعاملة وصدق التعامل. ولقد بيّن الله تعالى نهج المسلم في التعامل، فقال الله تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]. وروى الترمذي عن عبد الله -رضي الله تعالى عنه- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ».

ولحسن الخلق أجر عظيم؛ فقد روى الترمذي وصححه عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي ميزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ». وروى البخاري عن رَسُول اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا».

وحسن الخلق والكلمة الطيبة زاد لكل مسلم يسعى لمرضاة الله تعالى، وطيب المعاملة سبب لكي يشهد الناس للمسلم بحسن الخلق يوم القيامة، ويكون سبباً -بفضل الله تعالى- في دخول جنات النعيم ومصاحبة الصالحين. فقد سئل بعض العلماء عن علامات حسن الخلق، فقال: (هو أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، براً وصولاً، وقوراً صبوراً شكوراً رضياً، حكيماً رفيقاً، عفيفاً شفيقاً، لا لعاناً ولا سباباً، ولا نماماً ولا مغتاباً، ولا عجولاً ولا حقوداً، ولا بخيلاً ولا حسوداً، بشاشاً هشاشاً، يحب في الله، ويبغض في الله، ويرضى في الله، ويغضب في الله).

ويقول السفاريني: “حسن الخلق القيام بحقوق المسلمين، وهي كثيرة منها: أن يحب لهم ما يحب لنفسه، وأن يتواضع لهم، ولا يفخر عليهم، ولا يختال؛ فإن الله لا يحب كل مختال فخور، ولا يتكبر، ولا يعجب؛ فإن ذلك من عظائم الأمور. وأن يوقر الشيخ الكبير، ويرحم الطفل الصغير، ويعرف لكل ذي حق حقه، مع طلاقة الوجه، وحسن التلقي، ودوام البشر، ولين الجانب، وحسن المصاحبة، وسهولة الكلمة، مع إصلاح ذات بين إخوانه، وتفقد أقرانه وإخوانه، وأن لا يسمع كلام الناس بعضهم في بعض، وأن يبذل معروفه لهم لوجه الله لا لأجل غرض، مع ستر عوراتهم، وإقالة عثراتهم، وإجابة دعواتهم، وأن يحلم عمن جهل عليه، ويعفو عمن ظلم…”.

وقال الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: “معالي الأخلاق للمؤمن: قوة في لين، وحزم في دين، وإيمان في يقين، وحرص على العلم، واقتصاد في النفقة، وبذل في السعة، وقناعة في الفاقة، ورحمة للمجهود، وإعطاء في كرم، وبر في سعة”.

وانظر إلى تعاليم الله لسيدنا موسى وهو ينصح فرعون، وهو كان طاغية وكان يقول: “أنا ربكم الأعلى”؛ التوجيه الإلهي لسيدنا موسى ناصحاً أكبر طاغية: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44].

توجيه ربانيٌّ كريمٌ لرسولينِ كريمين، بُعِثا إلى شخصيَّة طاغيةٍ، إلى فرعون؛ لقد أُمِرَا بالقول اللين، واللين في أصله من صفات الأجسام، وهو عبارةٌ عن رطوبة ملمس الجسم، وسهولة ليّه، ثم استعير لسهولة المعاملة والتلطُّف في القول. واللين مطلوب في ذاته؛ لأنه مِن شعائر الدَّعوة إلى الحق، وقد أُمِر به الرَّسول محمد -صلى الله عليه وسلم-: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159].

إنَّ اللين في الدعوة يُعين على التذكُّر، ويحمل على الخَشْية؛ ولهذا كان غاية ووسيلة في آنٍ واحد، فهو لا يتوقَّف على الخشية منَ المدعو؛ بمعنى: أنَّ الداعية إذا خاف منَ المدعو لَانَ له في القولِ، وإذا أمنه أغلظ له، فهذا المفهوم يرده سياق الآيات التي أمر الله بها موسى وهارون -عليهما السلام- بهذا الأمر؛ ذلك أنَّ الله -تعالى- قال لهما: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]، فقد ضمن لهما السلامة -سبحانه- بعد أن قالا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: 45]؛ أي: نخاف أن يعجل بعقابنا بالقتْل أو بغيره من العقوبات قبل أن نبلغه الدعوة، ومع هذا الأمن الذي وعد الله به الرسولين، بقي الأمر بالقول اللين قائماً، لطاغية تجرأ فقال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]، وقال لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38].

إن القول اللين في الدعوة إلى الله لا يعني بحال من الأحوال تجاوز الثوابت، ولا يعني التهاون في أمور الدين؛ فإن الله لما أمر موسى وهارون بالقول اللين، قال لهما -سبحانه- أن يبلغا فرعون الدعوة بكل وضوح، بدون مداهنة أو تمييع؛ ﴿ فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾ [طه: 47 – 48].

زر الذهاب إلى الأعلى