وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ

بقلم: د. ياسر جعفر

سُورَةُ الْمَائِدَةِ مِنَ السَّبْعِ الطِّوَالِ، وَهِيَ جَامِعَةٌ لِتَفَاصِيلِ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ، حَتَّى قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: “سُورَةُ الْمَائِدَةِ أَجْمَعُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ لِفُرُوعِ الشَّرَائِعِ مِنَ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ”.
وَمِمَّا يَلْفِتُ انْتِبَاهَ قَارِئِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ؛ الْإِلْحَاحُ فِيهَا عَلَى الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ -تَعَالَى-، وَبَيَانُ الْفَسَادِ الَّذِي يَحِلُّ بِالْبَشَرِ إِذَا حَكَمُوا بِغَيْرِ شَرْعِهِ -سُبْحَانَهُ-. وَالْحُكْمُ بِشَرْعِ اللَّهِ -تَعَالَى- حُكْمٌ بِالْعَدْلِ، وَالْحُكْمُ بِغَيْرِ شَرْعِهِ حُكْمٌ بِالظُّلْمِ.
فالحكم بغير ما أنزل الله فساد وظلم واستبداد، وينبغي على الأمة أن تحكم بما أنزل الله؛ ليصبح المجتمع مليئًا بالعدل والمساواة. وحينما يتدخل حكم الله في كل شيء يمحو الفساد وانتشار الظلم، وكل إنسان يأخذ حقه، ويصبح المجتمع يسوده العدل والإنصاف، وتقوى الأمة الإسلامية. وحينما يُحكم بما أنزل الله يكون كل رجل في المكان المناسب؛ بعيدًا عن المحسوبية التي دمرت المجتمع ودمرت الأمة، وحكم الله يضع الرجل المناسب في المكان الذي يناسبه.
بمعنى؛ طلاب حصلوا على امتياز مع مرتبة الشرف سيكون لهم الأولوية بالتعيين في الجامعة، ولن تتدخل المحسوبية وتعين الطلبة الحاصلين على جيد وجيد جدًا بالغش، فيصبح المجتمع في انتكاسة كبيرة. الأمة تحتاج إلى أصحاب العلم لتتقدم الدول.
وَفِي السُّورَةِ دَعْوَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُقِيمُوا الْعَدْلَ مَعَ خُصُومِهِمْ وَأَعْدَائِهِمْ، وَأَنْ لَا تَحْمِلَهُمْ عَدَاوَتُهُمْ لَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: 8].
وَتَحَاكَمَ الْيَهُودُ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي يَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ زَنَيَا، فَحَكَمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ -تَعَالَى-؛ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: “مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: «هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: «أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟» قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ»، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: 41]”.
يَقُولُ: “ائْتُوا مُحَمَّدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا…” (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). وَالْآيَاتُ الَّتِي نَزَلَتْ فِي هَذَا الشَّأْنِ هِيَ قَوْلُهُ -تَعَالَى-: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: 42-44].
وَجَاءَ أَيْضًا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْيَهُودَ تَحَاكَمُوا إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي دِيَةِ قَتِيلٍ، وَكَانُوا يُفَرِّقُونَ فِي الدِّيَةِ بَيْنَ ذَلِيلٍ وَعَزِيزٍ، فَأَلْغَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَذِهِ التَّفْرِقَةَ. فَتَعَدَّدَتْ أَسْبَابُ النُّزُولِ فِي الْآيَاتِ؛ بِسَبَبِ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَحْكُمُونَ بِأَهْوَائِهِمْ لَا بِشَرْعِ اللَّهِ -تَعَالَى-، رَغْمَ أَنَّ التَّوْرَاةَ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ، وَكَانَ أَحْبَارُهُمْ يَأْخُذُونَ الرَّشْوَةَ عَلَى أَحْكَامِهِمْ، فَانْتَشَرَ الظُّلْمُ فِيهِمْ. وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَا قَضَى لَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: 45].
وَكَمَا فَرَضَ اللَّهُ -تَعَالَى- عَلَى الْيَهُودِ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا صَحَّ مِنْ تَوْرَاتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَإِنَّهُ -سُبْحَانَهُ- فَرَضَ عَلَى النَّصَارَى أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا صَحَّ مِنْ إِنْجِيلِهِمْ مِمَّا لَمْ تَعْبَثْ بِهِ أَيْدِي التَّحْرِيفِ، وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ النَّسْخُ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: 47].
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ بَيَّنَ اللَّهُ -تَعَالَى- أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَوْ تَمَسَّكُوا بِكِتَابِهِمْ، وَعَمِلُوا بِأَحْكَامِهِ، وَمِنْ ضِمْنِهَا الْإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَتَصْدِيقُ رِسَالَتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بُشِّرَ بِهِ فِي كُتُبِهِمْ.. لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَفَازُوا فِي الدُّنْيَا بِالْأَرْزَاقِ وَالْخَيْرَاتِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: 65-66].
وَفِي مَقَامٍ آخَرَ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ بَيَّنَ اللَّهُ -تَعَالَى- أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي ضَلَالٍ مَا لَمْ يَأْخُذُوا بِمَا فِي كُتُبِهِمْ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي مِنْهُ صِدْقُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَصِحَّةُ دِينِهِ، وَوُجُوبُ اتِّبَاعِهِ، وَأَنَّ دِينَهُ نَاسِخٌ لِمَا قَبْلَهُ، كَمَا أَنَّ الْقُرْآنَ نَاسِخٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ؛ وَذَلِكَ فِي قَوْلِ اللَّهِ -تَعَالَى-: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: 68].
وَقَدْ آمَنَ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَصَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوهُ؛ مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَتَمِيمٌ الدَّارِيُّ، وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَكَانَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ، وَيَقِينِهِمْ بِرِسَالَتِهِ، وَلَا سِيَّمَا الْأَحْبَارُ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَأْخُذُوا بِمَا فِي كُتُبِهِمْ، وَلَمْ يَحْكُمُوا بِأَحْكَامِهَا، بَلْ قَضَوْا فِي النَّاسِ بِأَهْوَائِهِمْ، قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [الْمَائِدَةِ: 68]
وينبغي أن يكون حكم الله في جميع أنحاء الحياة العملية، وفي القضاء؛ فلا يَجوزُ للقاضي أن يَحكُمَ بعِلمِه، وهو مَذهَبُ المالِكيَّةِ، والحَنابِلةِ، والمُعتَمَدُ عِندَ المتأخِّرينَ مِنَ الحَنَفيَّةِ، وقَولٌ عِندَ الشَّافِعيَّةِ، وهو قَولُ طائفةٍ مِنَ السَّلَفِ، واختيارُ ابنِ القَيِّمِ وابنِ عُثَيمين.
(الأدِلَّةُ)
أوَّلًا: من الكتابِ
قَولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4].
وَجهُ الدَّلالةِ:
أمَرَ اللهُ تَعالى في هذه الآيةِ بجَلدِ القاذِفِ إذا لم يَأتِ بأربَعةِ شُهَداءَ على الزِّنا، ولَم يُفَرِّقْ بَينَ أن يَكونَ الأمرُ مَعلومًا عِندَ القاضي أو لا.
(ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ)
1- عَن أُمِّ سَلَمةَ -رَضيَ اللهُ عنها-، أنَّ رَسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: «إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّكُم تَختَصِمونَ إليَّ، ولَعَلَّ بَعضَكُم أن يَكونَ ألحَنَ بحُجَّتِه مِن بَعضٍ، فأقضيَ على نَحوِ ما أسمَعُ، فمَن قَضَيتُ له من حَقِّ أخيه شَيئًا فلا يَأخُذْه؛ فإنَّما أقطَعُ له قِطعةً مِنَ النَّارِ» (صحيح البخاري).
وَجهُ الدَّلالةِ: دَلَّ هذا الحَديثُ على أنَّ القاضيَ إنَّما يَقضي بما يَسمَعُ لا بما يَعلَمُ؛ فجُعِلَ الحُكمُ مَبنيًّا على الأُمورِ الحِسِّيَّةِ الظَّاهِرةِ، والقاضِي يَحكُمُ ويَقضِي بيْن الخُصومِ بما يَسمَعُ منهم مِن إقرارٍ وإنكارٍ أو بَيِّناتٍ، وعلى حَسَبِ ما يَظهَرُ له مِن الأدلَّةِ.
2- عَن وائِلِ بنِ حُجْرٍ الحَضرَميِّ -رَضيَ اللهُ عنه- قال: «جاءَ رَجُلٌ مِن حَضْرَمَوتَ ورَجُلٌ مِن كِندةَ إلى رَسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، فقال الحَضرَميُّ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ هذا غَلَبَني على أرضٍ كانَت لأبي، فقال الكِنديُّ: هيَ أرضي في يَدي أزرَعُها ليس له فيها حَقٌّ، فقال النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- للحَضرَميِّ: ألَكَ بَيِّنةٌ؟ قال: لا، قال: فلَكَ يَمينُه، قال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّه فاجِرٌ لا يُبالي ما حَلَفَ عليه، ليس يَتَورَّعُ مِن شَيءٍ، فقال النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: ليس لَكَ منه إلَّا ذاكَ» (صحيح مسلم).
(وَجهُ الدَّلالةِ):
أنَّ سُؤالَ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- عَنِ البَيِّنةِ وبَيانَ استِحقاقِه ليَمينِ الخَصمِ، يَقتَضي أنَّه لا يَجوزُ الحُكمُ بغَيرِ ذلك.
وعَن عائِشةَ -رَضيَ اللهُ عنها- أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بَعَثَ أبا جَهمِ بنَ حُذَيفةَ مُصَدِّقًا، فلاجَّه رَجُلٌ في صَدَقَتِه، فضَرَبَه أبو جَهمٍ فشَجَّه، فأتَوا النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- فقالوا: القَوَدَ يا رَسولَ اللهِ، فقال النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «لَكُم كَذا وكَذا»، فلَم يَرضَوا، فقال: «لَكُم كَذا وكَذا»، فلَم يَرضَوا، فقال: «لَكُم كَذا وكَذا»، فرَضُوا، فقال النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «إنِّي خاطِبٌ العَشيَّةَ على النَّاسِ ومُخبِرُهم برِضاكُم»، فقالوا: نَعَم. فخَطَبَ رَسولُ اللهِ فقال -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «إنَّ هؤلاء اللَّيثيِّينَ أتَوني يُريدونَ القَوَدَ، فعَرَضتُ عليهم كَذا وكَذا فرَضوا، أرَضيتُم؟»، قالوا: لا، فهَمَّ المُهاجِرونَ بهِم، فأمَرَهم رَسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أن يَكُفُّوا عنهم فكَفُّوا، ثُمَّ دَعاهم فزادَهم، فقال: «أرَضيتُم؟»، فقالوا: نَعَم، قال: «إنِّي خاطِبٌ على النَّاسِ ومُخبِرُهم برِضاكُم»، قالوا: نَعَم، فخَطَبَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- فقال: «أرَضيتُم؟»، قالوا: نَعَم.
(وَجهُ الدَّلالةِ):
دَلَّ هذا الحَديثُ على أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- لم يَحكُمْ عليهم بعِلمِه لَمَّا جَحَدوا أن يَكونوا رَضوا بما عَرَضَ عليهم -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-.
وفي الحديث الذي رواه جابر بن عبدالله، يُروى أنَّ رجلًا من المهاجرين دافع رجلًا من الأنصار بقدمه خلال غزوة [1]. غضب الأنصاري بشدة ودعا إلى نصرة الأنصار، ودعا المهاجر كذلك إلى نصرة المهاجرين [1]. خرج النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وعبّر عن استيائه من دعوات الجاهلية [1]. وعندما أُخبر بما حدث، قال النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «دَعُوهَا؛ فإنَّهَا خَبِيثَةٌ» [1].
على إثر ذلك، قال عبد الله بن أُبيّ ابن سَلُول: «أقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا؟ لَئِنْ رَجَعْنَا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ» [1]. اقترح عمر على النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قتل عبد الله بن أُبيّ، لكن النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- رفض، قائلاً: «لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّه كانَ يَقْتُلُ أصْحَابَهُ» [1]. يُمكنك الاطلاع على نص الحديث كاملاً في صحيح البخاري [1].
جاءَ الإسْلامُ ليَقْضيَ على كلِّ سُنَنِ الجاهِليَّةِ، وكلِّ دَعْوى باطِلةٍ لها، ومِن هذه الدَّعاوى العَصبيَّةُ القَبَليَّةُ، وإنَّما جعَلَ الوَلاءَ للمُسلِمينَ جَميعًا؛ عرَبًا كانوا أو عجَمًا، وجعَلَ البَراءَ مِنَ المُشرِكينَ جَميعًا؛ عرَبًا كانوا أو عجَمًا.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ -رَضيَ اللهُ عنهما- بواقِعةٍ ظهَرَتْ فيها دَعْوى الجاهِليَّةِ والتَّعصُّبِ القَبَليِّ، فيَرْوي أنَّهم خَرَجوا في غَزْوةٍ معَ رَسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، قيلَ: هي غَزْوةُ المُرَيْسيعِ (بَني المُصطَلِقِ) سَنةَ ستٍّ منَ الهِجرةِ، وقدْ خَرَج المُنافِقونَ مع النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- في هذه الغَزْوةِ؛ لأنَّ السَّفرَ كان قَريبًا، فطَمِعوا في الغَنيمةِ.
(وَجهُ الدَّلالةِ):
أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- كانَ يَعلَمُ مِنَ المُنافِقينَ ما يُبيحُ دِماءَهم وأموالَهم، ويَتَحَقَّقُ ذلك، ومَعَ ذلك لا يَحكُمُ فيهم بعِلمِه، مَعَ بَراءَتِه عِندَ اللهِ ومَلائِكَتِه وعِبادِه المُؤمِنينَ مِن كُلِّ تُهمةٍ.


