(إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)

بقلم: د. ياسر جعفر

هذه آية من آيات الله، ومقولة سيدنا يعقوب حينما فارقه ابنه النبي يوسف -عليه السلام-؛ تيقن سيدنا يعقوب أن الشكوى لا تكون إلا لله وليست للبشر، وفيها مقولة: “الشكوى لغير الله مذلة”. الاحتياج للبشر منبع الذل، فينبغي على الإنسان ألا يشكو إلا لله. كثير من الناس تشكو للناس ضيق العيش ومشاكل الأسرة، بتشكي الخالق للمخلوق؟!
ربما تكون هناك أمور مرضية ممكن تبوح بها للعلاج، أو أمور روحانية كالسحر والحسد يباح أن تقول لتأخذ بأسباب العلاج، ولكن هناك أشخاص يشتكون ليل نهار ويسوّدون الحياة. ادعُ الله -سبحانه وتعالى- في كافة ظروفك كما اشتكى نبي الله يعقوب: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)، وكما اشتكى نبي الله أيوب -عليه السلام- إلى الله: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، وكما اشتكى نبي الله يونس -عليه السلام- إلى الله: (لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ). كل الأنبياء كانوا يشتكون إلى الله الخالق الضار النافع؛ اطلب من الله لكي تكون عزيزاً، وحينما تطلب من الناس ستكون ذليلاً.
(إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) [يوسف: 86]، هل تأملنا يوماً هذه الكلماتِ؟ هل غصنا في معانيها العظيماتِ؟ هل سألنا أنفسنا: لماذا يا تُرى حصرَ يعقوبُ -عليه السلام- الشكوى لرب الأرض والسماوات؟.. قد يكونُ لأنَّ هناكَ من الهمومِ والأحزانِ والبلاءِ، ما لا يفهمُه ولا يعرفُ قدرَه إلا عالمُ الخفاءِ، فبثُّها لغيرِ اللهِ إنَّما يُحزنُ الأحبابَ ويُسرُّ الأعداءَ؛ فأحياناً قد لا تستطيعُ الكلماتُ أن تُعبِّرَ عمَّا في قلبِكَ، ولا يمكنُ للحروفِ أن تُظهرَ حقيقةَ أمرِكَ، ولا يعلمُ مدى أحاسيسِكَ إلا ربُّكَ، عندَها.. دعْ ربَّكَ يتولى شأنَكَ أمامَ الآخرينَ. فهذه مريمُ تَلدُ من غيرِ زوجٍ فتقولُ بصوتٍ حزينٍ: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا) [مريم: 23]، فيأتيها الأمرُ من اللهِ بالسُّكوتِ والاتِّزانِ، وهو سيتولى براءَتها في تُهمةٍ لا ينفعُ فيها البيانُ: (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) [مريم: 26].
وقد تكونُ الشَّكوى للهِ أحياناً؛ لأنَّكَ قد تجدُ من الآلامِ والأوجاعِ ما تشعرُ معه بقُربِ ساعةِ الوداعِ، قد راجعتَ جميعَ الأطباءِ ووصفوا لكَ أنواعَ الدَّواءِ، فتعلمُ أنَّه ليسَ لها إلا مَن في السَّماءِ، فتُخلصُ لربِّكَ الدُّعاءَ. فها هو أيوبُ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- بعدَ سنينَ من الصَّبرِ وتحمُّلِ الآلامِ، يُنادي نِداءً يُسجَّلُ على مدى الأيامِ: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [الأنبياء: 83]، فماذا كانَ الجوابُ؟: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ) [الأنبياء: 84].
إِلى اللَهِ فيما نابَنا نَرفَعُ الشَكوى * فَفي يَدِهِ كَشفُ المَضرةِ وَالبَلوى .
وقد تكونُ الشَّكوى للهِ أحياناً؛ لأنَّكَ لم تجدِ الحلَّ عندَ البَشرِ، فَترفعُ رأسَكَ إلى السَّماءِ فتَنتصرُ؛ جاءَت خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ -رَضيَ اللهُ عنها- إلى رَسولِ اللهِ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- تستشيرُه في زوجِها الذي غَضبَ منها وقالَ لها: “أنتِ عليَّ كَظهرِ أمِّي”، فقَالتْ: “يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أَوسًا تَزوجني وأنا شَابةٌ مَرغوبٌ فِيَّ، فَلَمَّا كَبِرْتُ وَمَاتَ أَهْلِي، ظَاهَرَ مِنِّي”، فقَالَ لها رَسولُ اللهِ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ-: “يا خَولةُ، مَا أَرَاكِ إلاَّ وَقَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ”، فقالتْ: “يا رَسولَ اللهِ، إنَّ لي مِنْهُ صِبْيَةً صِغَارًا؛ إنْ ضَمَمْتُهُمْ إلَيْهِ ضَاعُوا، وَإنْ ضَمَمْتُهُمْ إليَّ جَاعُوا”، فقَالَ لها رَسولُ اللهِ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ-: “يا خَولةُ، مَا أَرَاكِ إلاَّ وَقَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ”، فَقَالَتْ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَفْعَلْ؛ فَإنِّي وَحِيدَةٌ لَيْسَ لِي أَهْلٌ سِوَاهُ”، فقَالَ: “يا خَولةُ، مَا أرَاكِ إلاَّ وَقَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ”، ثُمَّ رَفعتْ رأسَها إلى السَّماءِ وَراحتْ تَقولُ: “اللَّهُمَّ إَلَيْكَ أَشْكُو حَالِي وَانْفِرَادِي وَفَقْرِي”، ولسانُ حالِها:
- ما لي سِوى قَرْعِي لبابِك حِيلةٌ * فلئنْ رُدِدْتُ فأيَّ بَابٍ أَقرعُ
- ومَن الذي أدعُو وأهْتِفُ باسمِه * إن كانَ فَضْلُكَ عن فَقيرٍ يُمنعُ
تَقولُ عَائشةُ -رَضِيَ اللهُ عَنها-: “الحمدُ للهِ الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصواتِ، ولقد جَاءتْ المُجَادِلةُ إلى النَّبيِّ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- تُكلمُه وأنا في نَاحيةِ البيتِ لا أسمعُ ما تَقولُ، فأنزلَ اللهُ فَرَجَها بعدما اشتكتْ إليه: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [المجادلة: 1]”.
فإنَّ الأصلَ أنَّ الشكوى إلى المخلوقِ تنافي كمالَ الصبرِ؛ لأنَّ فيها رجاءً للمخلوقِ، وقد يكونُ فيها شيءٌ من التسخُّطِ من قدرِ اللهِ، فالمشروعُ للعبدِ أن يجعلَ شكواهُ إلى اللهِ وحدَه؛ قال ابنُ تيميةَ: “والصبرُ الجميلُ صبرٌ بلا شكوى؛ قال يعقوبُ -عليه الصلاةُ والسلامُ-: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) مع قوله: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ)؛ فالشكوى إلى اللهِ لا تنافي الصبرَ الجميلَ”. ويُروى عن موسى -عليه الصلاةُ والسلامُ- أنَّه كان يقولُ: “اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ، وَبِكَ الْمُسْتَغَاثُ، وَعَلَيْكَ التُّكْلَانُ”.
وقال ابنُ القيمِ: “لما كان الصبرُ حبسَ اللسانِ عن الشكوى إلى غيرِ اللهِ، والقلبَ عن التسخطِ، والجوارحَ عن اللطمِ وشقِّ الثيابِ ونحوِها، كان ما يضادُّه واقعاً على هذه الجملةِ؛ فمنه الشكوى إلى المخلوقِ، فإذا شكا العبدُ ربَّه إلى مخلوقٍ مثلِه فقد شكا مَن يرحمُه إلى مَن لا يرحمُه، ولا تضادُّه الشكوى إلى اللهِ كما تقدَّم في شكايةِ يعقوبَ إلى اللهِ مع قولِه: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ). وأما إخبارُ المخلوقِ بالحالِ؛ فإن كان للاستعانةِ بإرشادِه أو معاونتِه والتوصلِ إلى زوالِ ضررِه لم يقدحْ ذلك في الصبرِ؛ كإخبارِ المريضِ للطبيبِ بشكايتِه، وإخبارِ المظلومِ لمَن ينتصرُ به بحالِه، وإخبارِ المبتلى ببلائِه لمَن كان يرجو أن يكونَ فرجُه على يديه”.
وقد كان النبيُّ ﷺ إذا دخلَ على المريضِ يسألُه عن حالِه، ويقولُ: “كيف تجدُك؟”، وهذا استخبارٌ منه واستعلامٌ بحالِه. وأما الأنينُ فهل يقدحُ في الصبرِ؟ فيه روايتانِ عن الإمامِ أحمدَ، والتحقيقُ أنَّ الأنينَ على قسمينِ: أنينُ شكوى فيُكرَه، وأنينُ استراحةٍ وتفريجٍ فلا يُكرَه. وقد رُوي في أثرٍ: “أنَّ المريضَ إذا بدأَ بحمدِ اللهِ ثم أخبرَ بحالِه لم يكن شكوى”. وقال شقيقٌ البلخيُّ: “مَن شكا من مصيبةٍ نزلتْ به إلى غيرِ اللهِ لم يجدْ في قلبِه حلاوةً لطاعةِ اللهِ أبداً”. (اهـ من “عدة الصابرين” باختصار).
وفي “الآداب الشرعية” لابن مفلح: قال الشيخ مجد الدين في “شرح الهداية”: “ولا بأس أن يخبر بما يجده من ألم ووجع لغرض صحيح، لا لقصد الشكوى”، واحتج أحمد بقول النبي ﷺ لعائشة لما قالت: «وارأساه»، قال: «بل أنا وارأساه». واحتج ابن المبارك بقول ابن مسعود للنبي ﷺ: «إنك لتوعك وعكاً شديداً»، فقال: «أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» (متفق عليه).
وقال ابن عقيل في “الفنون”: “قوله تعالى: (لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً) [الكهف: 62] يدل على جواز الاستراحة إلى نوع من الشكوى عند إمساس البلوى، ونظيره: (يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ) [يوسف: 84]، و(مَسَّنِيَ الضُّرُّ) [الأنبياء: 83]، و«ما زالت أكلة خيبر تعاودني»” (انتهى كلام ابن عقيل).
وقال رجل للإمام أحمد: “كيف تجدك يا أبا عبد الله؟”، قال: “بخير في عافية”، فقال: “حممت البارحة؟”، قال: “إذا قلت لك: أنا في عافية فحسبك، لا تخرجني إلى ما أكره”.
وقال ابن الجوزي: “إذا كانت المصيبة مما يمكن كتمانها فكتمانها من أعمال الله الخفية”. وقال ابن الجوزي في موضع آخر: “شكوى المريض مخرجة من التوكل، وقد كانوا يكرهون أنين المريض لأنه يترجم عن الشكوى”، وذكر هذا النص عن أحمد وقال: “فأما وصف المريض للطبيب ما يجده، فإنه لا يضره” (انتهى كلامه).
وقال عبد الله: “إنَّ أخت بشر بن الحارث قالت للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، أنين المريض شكوى؟”، قال: “أرجو أنه لا يكون شكوى، ولكنه اشتكى إلى الله”. وذكر غير واحد في كراهة الأنين في المرض روايتين، ورويت الكراهة عن طاوس. (اهـ).





