صُفِّدَتِ الشياطينُ

بقلم: د. ياسر جعفر

صُفدت الشياطين، وهذه منحة ربانية للعباد، وفرصة ذهبية ليغتنموا هذه المنح الربانية التي تساعدهم بقوة في التمكين بالعبادة، وعمل الخيرات، والالتزام في شهر الصيام بالأعمال الصالحة؛ ليخرج العبد من الصيام مغفوراً له جميع الذنوب والمعاصي. وتصفيد الشيطان هو “قرين الإنسان” الموكل له بالإغواء في المعاصي، وتزيين المحرمات، والصدود عن العبادات وعن الذكر، فهو في هذا الشهر مصفد -أي مقيد- عن الإغواء وتزيين المعاصي. بالفعل إنه متسلسل لا يستطيع إغواء العباد، فيكون الإنسان أمام نفسه وتكون حجة عليه يوم القيامة.
منحٌ من الله للعباد، ورحمات من الله للعباد لاغتنام هذا الشهر الكريم؛ شهر رمضان، شهر العتق من النار؛ ففي أول ليلة من هذا الشهر يصفد ويسلسل قرين الإنسان لعدم التعرض له في الصيام والقيام وقراءة القرآن وأعمال الخير، ومساعدة المساكين والفقراء والمحتاجين والضعفاء وجبر خواطر العباد.
وهنا ربما يسأل القارئ ويقول: “هل هناك دافع للمعاصي في رمضان يدفعني لعدم الصوم وارتكاب المعاصي!؟”. قلت لك: إنك أمام نفسك، إن كنت مخلصاً لله ستتغلب على شهواتك النفسية، (كدا كدا) القرين متسلسل وهذه حقيقة 100%، جاهد نفسك للتغلب على شهواتك.
وربما يسأل آخر ويقول: “أنا أشاهد خيالات وكوابيس”، وربما تقول بعض النساء: “إنني أرى أشباحاً أثناء الليل!؟”. نعم، ممكن يحصل هذا ولكن ليس للقرين علاقة، إلا إذا وقع سحر على القرين، ولكن الذي يحدث هذا بسبب سحر تجدد خاصة قبل رمضان. هناك عدة أسحار تجدد في شهر رجب وشعبان كبيرة جداً من سحرة الإنس والجن ليدخل المسحور في رمضان وعنده صدود عن الصيام والذكر، وضيق وخنقة وكوابيس وأحلام مزعجة؛ هذا بسبب الأسحار التي تنفذ في شهر رجب وشعبان، والقرينُ مُصفد.
وفي الحقيقة هناك أنواع من الجن لم تُصفد، ولذلك يكونون خُداماً للسحر، والشخص المسحور يرى بعض الأشباح والخيالات والأحلام والكوابيس، وآلاماً في الجسم، وصداعاً، وضيقاً وخنقة بسبب أنواع الجن التي لا تُصفد. ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: “إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ” (صحيح الجامع).
وفي رواية: “إذا كانت أولُ ليلةٍ من رمضانَ صُفِّدتِ الشياطينُ ومردةُ الجنِّ، وغلِّقت أبوابُ النارِ فلم يُفتحْ منها بابٌ، وفُتحت أبوابُ الجنَّةِ فلم يُغلقْ منها بابٌ، ونادى منادٍ: يا باغيَ الخيرِ أقبلْ، ويا باغيَ الشرِّ أقصِر، وللهِ عتقاءُ منَ النارِ، وذلك في كلِّ ليلةٍ” (صحيح ابن ماجه).
أنعم اللهُ عزَّ وجلَّ على عباده بمواسمَ من الخيرات يحصلون فيها -بسبب الأعمال الصالحة القليلة- على الثواب الكثير من عند الله عزَّ وجلَّ، ومن نعمه سبحانه أيضاً أن سخر الله لهم من الأسباب ما يعينهم على أدائها على الوجه الأكمل لها.
وفي هذا الحديث يخبر أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إذا كانت أولُ ليلةٍ من رمضانَ”، أي: إنه مع بدء شهر رمضان تحدث علامات على دخوله، وهدايا من الله لعباده؛ فأولى هذه العلامات والهدايا هي ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: “صُفِّدتِ الشياطينُ“، أي: شُدَّت عليهم الأغلال والسلاسل، “ومردةُ الجنِّ”، وكذلك تُشدُّ الأغلال والسلاسل على مردة الجن، وهم رؤساء الشياطين المتجردون للشر، أو هم العُتاة الشداد من الجن.
والحكمة في تغليلهم حتى لا يعملوا بالوساوس للصائمين ويفسدوا عليهم صومهم، وقيل: يعني كثرة الأجر والثواب والمغفرة بأن يقلَّ إضلال مردة الشياطين للمسلمين، فتصير الشياطين كأنها مسلسلة عن الإغواء والوسوسة. وقيل: إن الشياطين إنما تُغلُّ عن الذين يعرفون حق الصيام المعظمين له، ويقومون به على وجهه الأكمل، ويحققون شروطه وأخلاقه وآدابه، أما الذي امتنع عن الطعام والشراب ولم يعرف للصيام حقه، ولم يأتِ بآدابه على وجه التمام، فليس ذلك بأهلٍ لتُغلَّ الشياطين عنه؛ فيكون تصفيدهم عن أشياء دون أشياء ولناس دون ناس. ويحتمل أن يكون المراد: أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غير شهر رمضان؛ لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن والذكر.
والهدية الثانية: “وغُلِّقت أبوابُ النارِ فلم يُفتحْ منها بابٌ، وفُتِّحت أبوابُ الجنَّةِ فلم يُغلقْ منها بابٌ”، وهذا كالتأكيد لما سبق من أن غلق أبواب النار هو مزيد لغلق كل مسلك من مسالك الشر، وأن فتح أبواب الجنة هو مزيد لفتح كل مسلك من مسالك الخير، وقيل: الفتح والغلق المذكوران هما على الحقيقة؛ إكراماً من الله لعباده في هذا الشهر.
والهديةُ الثالثةُ: “ونادى منادٍ”، أي: من عند الله عزَّ وجلَّ: “يا باغيَ الخيرِ أقبلْ”، أي: إن هذا الشهر يُرغِّب في أعمال الخير وخاصةً عند أصحابها؛ لما فيه من الأسباب التي تعينه على ذلك؛ فأقبلوا على الله وعلى طاعته، “ويا باغيَ الشرِّ أقصِرْ”، أي: أمسك عنه وامتنع؛ فإنه وقت تَرِقُّ فيه القلوب للتوبة.
والهدية الرابعة: “وللهِ عتقاءُ منَ النارِ”، أي: ولله عتقاء كثيرون من النار؛ فليحرص كل لبيب على أن يكون من زمرتهم، “وذلِك في كلِّ ليلةٍ”، أي: وإن من مزيد رحمة الله لعباده أن يعتق من النار عباداً له في كل ليلة من ليالي رمضان، وهذا للحثِّ على الاجتهاد في هذا الشهر الفضيل؛ حتى يكون العبد من هؤلاء العتقاء، ويُرزق النجاة من النيران، والفوز بالجنان.
وفي الحديث: الحثُّ على اغتنام أوقات الفضل والخير بعمل الطاعات والبعد عن المنكرات.
وفيه: إثبات الجنة والنار، وأنهما الآن موجودتان، وأن لهما أبواباً تُفتح وتُغلق.
وفيه: بيان عظمة لطف الله تعالى، وكثرة كرمه وإحسانه على عباده، حيث يحفظ لهم صيامهم، ويدفع عنهم أذى المردة من الشياطين.
وفي رواية: “إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ” (صحيح البخاري).




