لعلكم تتقون

بقلم: د. ياسر جعفر

هذه في آية الصيام، وتبين أن جوهر الصيام {لعلكم تتقون}؛ ليس كما نعلم أن الصيام الامتناع عن الأكل والشرب، كلاً وألف كلا. الصيام عبادة من العبادات التي تكون بين العبد وربه، يعلم الله ما في نوايا العبد. الصيام تهذيب راقي للنفس، ويعلم الصبر والخُلق، وعبادة صحية من الطراز الأول لتجديد خلايا الجسم والأعضاء، وتنشيط مناعة الجسم -وفي مجال الصحة يحتاج لمجلد-.
ففي الآية الكريمة توجيه جوهري بأن الصيام ليس صياماً عن الأكل والشرب فقط، هو صيام عن جميع المعاصي التي تغضب الله سبحانه وتعالى، والغاية الأسمى {لعلكم تتقون}؛ تتقي الله في جميع أعمالك وفي تجنب المعاصي؛ صُم عن أكل أموال الناس بالباطل، وصُم عن لغو الحديث، وصُم عن الرشوة وعن الربا وعن عقوق الوالدين وعن شهادة الزور وقول الزور… إلخ من المعاصي والذنوب التي تغضب رب العباد.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة: «مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به والجَهْلَ، فليسَ لِلَّهِ حاجَةٌ أنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرابَهُ» (صحيح البخاري).
من حِكَمِ الصوم ومقاصده العظمى تحقيق التقوى، وكَسْر الشهوة، وتطويع النفس، وليس مقصوداً منه أن يمتنع المسلم عن الطعام والشراب فقط، بل المقصود تهذيب النفوس وتربيتها وإصلاحها.
وفي هذا الحديثِ يحذرُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مَن يقتصرُ صيامُه على الامتناعِ عن الأكلِ والشربِ فقط، ولم يتركِ الكذبَ، والميلَ عن الحقِّ، والعملَ بالباطلِ والتهمةِ؛ فمَن يفعلُ ذلك لا يريدُ اللهُ منه أن يتركَ الطعامَ والشرابَ.
وليس معنى ذلك أن يؤمرَ الصائمُ الذي تلبسَ بمعصيةٍ أن يتركَ صيامَه ويُفطرَ، وإنما معناه التحذيرُ من قولِ الزورِ أو العملِ به، وتعظيمُ التلبسِ بهذه المعاصي حالَ الصومِ؛ حيث إنه يكون سبباً في نقصانِ أجرِ عبادةٍ من أفضلِ العباداتِ؛ يتركُ الرجلُ طعامَه وشرابَه وشهوتَه، وينقصُ ثوابَه قولُ الزورِ والعملُ به! وفي سنن ابن ماجه: «رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلَّا الجوعُ».
وفي الحديثِ: حضُّ الصائمِ على تركِ المنكراتِ والمحرماتِ. وينبغي أن تكون تقوى الله على مدار السنة وليس شهر رمضان فقط، شهر رمضان قوة روحانية لجميع السنة، يخرج العبد من الصيام يكون طاهر القلب واللسان والجوارح، تلزم التقوى طول العام.
ينبغي على الصائم اجتنابُ المعاصي؛ فهي تجرحُ الصومَ، وتنقصُ الأجرَ؛ وذلك مثل الغيبةِ، والنميمةِ، والكذبِ، والغشِّ، والسخريةِ من الآخرين، وسماعِ المعازفِ، والنظرِ إلى المحرماتِ، وغيرِ ذلك من أنواعِ المعاصي والمنكرات.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن لم يدَعْ قولَ الزورِ والعملَ به، والجهلَ؛ فليس لله حاجةٌ أن يدعَ طعامَه وشرابَه».
فالصيامُ مدرسةٌ عظيمةٌ، فيها يكتسبُ الصائمون فضائلَ جليلةً، ويتخلصون من خصالٍ ذميمةٍ؛ يتعودون على تركِ المحرماتِ، ويُقلعون عن مقارفةِ السيئاتِ.
2- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «وإذا كان يومُ صَومِ أحَدِكم فلا يَرْفُثْ، ولا يصخَبْ؛ فإن سابَّه أحدٌ، أو قاتَلَه، فليقُلْ: إنِّي امْرؤٌ صائِمٌ».
وفي روايةٍ أخرى عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أيضاً أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا أصبَحَ أحدُكم يوماً صائماً فلا يرْفُثْ ولا يَجهَلْ؛ فإنِ امرؤٌ شاتَمَه أو قاتَلَه، فلْيَقلْ: إنِّي صائِمٌ، إنِّي صائِمٌ».
كما أنَّه حَرِيٌّ بالصَّائِم الذي امتنع عن المباحاتِ من المفطِّراتِ، وابتعد عن جميع المحرَّمات؛ أن يكون ديدنه الاشتغال بالطَّاعاتِ؛ كقراءة القرآن الكريم، وكثرة الذِّكر، والدعاء، والإحسان إلى الآخرين، وغير ذلك. إنك لتستشعر العمق الروحيَّ، والمدى التعبدي، والهدف الأسمى، والغاية العظمى للشهر الكريم، وتدرك أن عباداتنا ليست مجرد شعائر ظاهرة، وإنما العبرة في كل عبادة بالمقاصد والمعاني، قبل المظاهر والمباني.
وما يريده الله تعالى من تشريعه للعبادة أبعدُ من مجرد الحركات والسكنات، أو الامتناع عن المباحات، أو ترك الملذات؛ فرمضان دورة إيمانية مكثفة، يتقلب المسلم فيها بين أنواع العبادات، ويتنقل في ميادين القربات. ومتى صحَّت النية، وحصل الوعي بمقاصد العبادة، وتم الأداء على الوجه الصحيح، أثمرت ثمرتها في النفس، وتحقق أثرها في الحياة: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]؛ لعلكم تصلون إلى الغاية التي شُرعت من أجلها العبادات، وهي التقوى؛ فالتقوى أعظم مقصد، وبلوغها أظهر حكمة، والتحقق بها أسمى هدف لتشريع الصيام.
ولو أجَلْتَ فكرك في ختام أول آيات الصيام: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، وختام آخر آيات الصيام: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187]؛ لَبانَ لك جليل العناية بتحصيلها. لما كتب الله الصيام علينا كما كتبه على الذين من قبلنا، كانت الغاية من ذلك هي التقوى، وأوصانا الله بالتقوى كما أوصى مَن قبلنا؛ لأن الصيام يورث هذه التقوى؛ فقال: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131].
فينبغي على العبد أن يشحن جميع جوارحه من هذا الشهر لسنة كاملة لتجنب ما يغضب الله؛ فما أعظم أن يكون الإنسان تقيًّا! وما أكبره حين يستطيع أن يحصِّل مراد الله ووصيته للأولين والآخرين. إن تقوى الله نِعْمَ المراد، وزادها خير الزاد؛ {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197]. وكما جعل الله هذه الأمة {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، فقد جعل التقوى لها خير لباس؛ {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26].
كما جعل سبحانه معيار التفاضل بين الناس تقواه، وليس هنالك أبداً معيار سواه؛ فقال جل في علاه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. قال ابن مسعود في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102]: «أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفَر».

