دين

أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ

بقلم: د. ياسر جعفر


ربما تمر هذه الآية على القارئ مرور الكرام، ولا يعي معنى هذه الآية والتي ترشد البشرية إلى وقائي هام؛ لتجنب الأخطاء وأيضاً العمد في قتل النفس. وقتل النفس يكون في صور عديدة مباشرة وغير مباشرة؛ المباشر وهو القتل عن عمد، وغير المباشر منه الخطأ ومنه غير المباشر، مثال على ذلك للقتل غير المباشر: كالذي يحدث في المستشفيات، خاصة عند استقبال حالات الطوارئ في الحوادث الخطيرة، يتركون المريض ينزف من جميع الاتجاهات ويقولون لك: “خلص إجراءات الورق”، وهذا قتل للنفس؛ أسعف المريض وبعد كذا خلص الأوراق.

الإهمال قتل للنفس، ويشارك في هذا القتل المسؤولون في المستشفيات، وينبغي على الحكومة أن تتدخل لتعديل هذا الروتين المدمر، وكثيرٌ ماتوا وهم “بيخلصوا” إجراءات الورق. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، وينبغي على مدير المستشفى أن يهتم بهؤلاء المرضى المساكين؛ فينبغي إسعاف المريض قبل الإجراءات الورقية، وبعد ذلك كل الإجراءات تخلص وتهون بعد إسعاف المرضى.

وهناك أيضاً الإهمال القاتل على الطرق؛ حينما يحدث حادث يقوم فاعل الحادث بضرب الشخص ويفر هارباً، هذا قتل تعمد وغير مباشر؛ أنت ضربته ربما يكون خطأ، هربت وتركته أنت كذا في القتل العمد، ينبغي أن تنقذه على أقرب مستشفى، ولكن تتركه في دمه وتهرب، هذا قتل نفس وشروع في قتلها، وينبغي القصاص العادل فيها.

وهناك أيضاً سائقو السيارات أغلبهم يأخذون المخدرات، وهذا أمر خطير على النفس البشرية، وينبغي التحاليل لهؤلاء، وإذا ثبت بالتحاليل أنه يستعمل المخدرات تسحب منه الرخصة وتلغى رخصته نهائياً؛ أرواح العباد ليست هينة، قتل النفس من المحرمات الكبرى.

ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة: «مَن قتلَ نفسَهُ بحديدةٍ فحديدتُهُ في يدهِ يتوجَّأُ بها في بطنِهِ في نارِ جهنَّمَ خالدًا مُخلَّدًا فيها أبدًا، ومن قتَلَ نفسَهُ بسَمٍّ فسَمُّهُ في يدهِ يتحسَّاهُ في نارِ جهنَّمَ خالدًا مُخلَّدًا فيها أبدًا، من تردَّى من جبلٍ فقتلَ نفسَهُ فَهوَ يتردَّى في نارِ جَهنَّمَ خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا». وفي رواية أبي الدرداء: «كلُّ ذنبٍ عسى اللهُ أن يغفرَه؛ إلا الرجلَ يموتُ مشركًا، أو يَقتلُ مؤمنًا متعمِّدًا» (صحيح الترغيب).

ففي الحديث الذي رواه أبو الدرداء وعبادة بن الصامت: «كلُّ ذنْبٍ عسى اللهُ أن يغفِرَه، إلَّا مَن مات مُشركًا، أو مؤمِنٌ قتل مؤمِنًا مُتعمِّدًا». وعن عبادةَ بنِ الصامتِ رَضِيَ اللهُ عنه، عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ، أنه قال: «مَن قتَل مؤمنًا؛ فاغتبَطَ بقتلِهِ، لم يقبَلِ اللهُ منه صرْفًا ولا عدلًا». وعن أبي الدرداءِ رَضِيَ اللهُ عنه، عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ، أنه قال: «لا يَزالُ المؤمِنُ مُعْنِقًا صالحًا ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا، فإذا أصابَ دمًا حرامًا بَلَّحَ».

إن من المصائب التي آلمتنا وما زالت تؤلمنا تلك الجرائم الخطيرة التي تُرتكب في حق البشرية كافة، والتي أخبر عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذكر أنها من علامات قرب قيام الساعة: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلاَزِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الهَرْجُ ــ وَهُوَ القَتْلُ القَتْلُ ــ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ» (رواه البخاري ومسلم).
وما نشاهده في زماننا هذا من الأشكال الكثيرة لإزهاق الأرواح البريئة، عن طريق الأسلحة الفتاكة من طائرات، وصواريخ، ومدافع، ورشاشات، ومسدسات بأنواعها المختلفة، وكذا الأسلحة البيضاء، والخنق، والتعذيب، وأعمال السحر وغيرها؛ وهي تدل على صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما أخبر به قبل أربعة عشر قرناً من الزمان من انتشار الهرج وهو القتل.

ولقد قامت حروب عالمية وإقليمية راح ضحيتها ملايينُ البشر، وها نحن نرى بأعيننا ما يدور في بلاد كثيرة من دول العالم من القتل بشتى صوره، بل أفراد يقدمون على قتل أفراد مظلومين يأخذونهم على غرة دون خوف أو حياء، أو مراعاة لحرمة الدم المحرم الذي توعد الله عليه بأشد العقوبات.

إن القتل جريمة شنعاء توجب اللعنة، وتطرد من الرحمة، وتوصل إلى غضب الله وسخطه، والشيطان أشدُ ما يكون حرصاً عليها، وخاصة إذا كانت هذه النفس مؤمنة؛ قال -جل وعلا- محذراً من الوقوع في هذا الذنب العظيم: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء: 93].

وعن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور» (رواه البخاري).

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم» (رواه الترمذي والنسائي).

وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئل: أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ».

فأنزل الله -عز وجل- تصديق ذلك في قوله: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 68-70] (رواه البخاري ومسلم).

ولبيان عظم هذه الجريمة وهولها فقد قرن الله -سبحانه وتعالى- القتل بالشرك، فقال عز وجل: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} [الفرقان: 68]، وقال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» (متفق عليه).

وعَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» (رواه البخاري).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رضي الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» (رواه الترمذي والنسائي).

زر الذهاب إلى الأعلى