دين

 دكتور ياسر جعفر يكتب: شهر رمضان وباب الريان

باب الريان، من ضمن أبواب الجنة الثمانية، مفتاح من مفاتيح الجنة، وهذا المفتاح للصائمين؛ مفتاح الريان لا يدخل من هذا الباب إلا الصائمون، وهذه منح ربانية لعباد الله. والجنة لها عدة مفاتيح اسمها مفاتيح العبادة لأبواب الجنة؛ ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: «مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِن أبْوَابِ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هذا خَيْرٌ، فمَن كانَ مِن أهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِن بَابِ الصَّلَاةِ، ومَن كانَ مِن أهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِن بَابِ الجِهَادِ، ومَن كانَ مِن أهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِن بَابِ الرَّيَّانِ، ومَن كانَ مِن أهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِن بَابِ الصَّدَقَةِ». فَقالَ أبو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: «بأَبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسولَ اللَّهِ، ما علَى مَن دُعِيَ مِن تِلكَ الأبْوَابِ مِن ضَرُورَةٍ، فَهلْ يُدْعَى أحَدٌ مِن تِلكَ الأبْوَابِ كُلِّهَا؟»، قالَ: «نَعَمْ وأَرْجُو أنْ تَكُونَ منهمْ» (صحيح البخاري).

حَثَّ اللهُ عزَّ وجلَّ عِبادَه على المُسارَعةِ إلى الخَيراتِ، ووَعَدَ عليها بالثَّوابِ الجَزيلِ في الدُّنيا والآخِرةِ. وفي هذا الحَديثِ يَحْكي أبو هُرَيرةَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخبَرَ أنَّ مَن تَصدَّقَ بعَدَدِ اثنَينِ مِن أيِّ شَيءٍ كان؛ صِنفَين أو مُتشابِهَينِ، كبَقَرَتينِ، أو دِرهمَينِ، أو رَغيفَينِ، أو ثَوبينِ، ويَحتمِلُ أنْ يُرادَ به الإنفاقُ مرَّةً بعْدَ أُخرى، أي: جاعلاً الإنفاقَ عادةً له.

وقولُه: «في سَبيلِ اللهِ»، أي: في طَلَبِ ثَوابِه، وهو أعمُّ مِن الجِهادِ وغيرِه مِن العِباداتِ؛ فمَن فَعَلَ ذلك نادَتْه الملائكةُ يومَ القِيامةِ مِن أبوابِ الجنَّةِ مُرحِّبةً بقُدومِه إليها، وهي تَقولُ: «يا عبدَ اللهِ، هذا خَيرٌ»، أي: هذا العمَلُ الَّذي عَمِلْتَه خَيرٌ مِن الخَيراتِ، والتَّنوينُ في «خيرٌ» للتَّعظيمِ، أي: خَيرٌ عَظيمٌ؛ فلَفْظُ «خَيرٌ» بمعْنى فاضِلٍ، لا بمعْنى أفضَلَ، وإنْ كان اللَّفظُ قدْ يُوهِمُ ذلك؛ ففائدتُه زِيادةُ تَرغيبِ السامعِ في طَلَبِ الدُّخولِ مِن ذلك البابِ، أو المرادُ: هذا البابُ الَّذي تُدْعى إليه لِتَدخُلَ منه خَيرٌ، أي: فيه خَيرٌ كثيرٌ، وإنَّما قِيل له هذا تَعظيماً له وتَشريفاً.

وقدْ جعَل اللهُ عزَّ وجلَّ لكلِّ عِبادةٍ باباً مَخصوصاً في الجنَّةِ؛ فالمُكثِرون مِن الصَّلاةِ النافلةِ بعْدَ أداءِ الفرائضِ يُنادَون مِن بابِ الصَّلاةِ ويَدخُلون منه، وهكذا الأمرُ بالنِّسبةِ إلى سائرِ العباداتِ مِن جِهادٍ وصَدَقةٍ.

والمُكثِرون مِن الصَّومِ تَستقبِلُهم الملائكةُ عندَ بابِ الرَّيَّانِ داعيةً لهم بالدُّخولِ منه. والرَّيَّانُ: مِن الرِّيِّ، وهو نَقيضُ العَطَشِ؛ وسُمِّي بذلك لأنَّه مَن دخَله لم يَظمَأْ أبدًا. وفي تَسميةِ البابِ بذلك مُناسَبةٌ حَسَنةٌ؛ لأنَّه جَزاءُ الصَّائِمينَ على عَطَشِهم وجُوعِهم، واكتُفِيَ بذِكرِ الرِّيِّ عن الشِّبَعِ لأنَّه يَستلزِمُه، أو لكونِه أشقَّ على الصَّائمِ مِن الجُوعِ.

وقولُه: «ومَن كانَ مِن أهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِن بَابِ الصَّدَقَةِ» ليس تَكراراً لِقولِه: «مَن أنفَقَ زَوجَينِ»؛ لأنَّ الإنفاقَ ولو بالقَليلِ خَيرٌ مِن الخَيراتِ العَظيمةِ، وذاك حاصِلٌ مِن كلِّ أبوابِ الجنَّةِ، أمَّا هذا فهو استِدعاءٌ خاصٌّ.

فقال أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه: «أفْدِيك بأبِي وأُمِّي يا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ليس على الشَّخصِ الَّذي يُدْعى مِن أيِّ بابٍ مِن تلك الأبوابِ ضَرَرٌ يَلحَقُه أبدًا»؛ لأنَّ مآلَهُ الفوزُ بنَعيمِ الجنَّةِ. ويَحتمِلُ أنْ يكونَ المعْنى: أنَّ مَن دُعِيَ مِن بابٍ مِن تلك الأبوابِ لَيستْ له حاجةٌ إلى أنْ يُدْعى مِن جَميعِ الأبوابِ؛ إذ البابُ الواحِدُ يَكفي لدُخولِه الجنَّةَ.

ثمَّ سَأَلَ أبو بكرٍ -رضي الله عنه- رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-: «هلْ يُدْعَى أحدٌ مِن تلك الأبوابِ كلِّها؟»، فأجابَه -صلى الله عليه وسلم-: «نَعَم»، يُوجَدُ مِن المؤمنِينَ مَن يُدْعى مِن الأبوابِ كلِّها؛ لكثرةِ عباداتِه وتنوُّعِها واختلافِها، ثم قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «وأرْجو أنْ تكونَ منهم» يا أبا بكرٍ؛ فإنَّه -رضي الله عنه- كان قدْ جَمَعَ خِصالَ تلك الأبوابِ كلِّها، كما في صحيحِ مسلمٍ عن أبي هريرةَ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «منَ أصْبَحَ منكم اليومَ صائماً؟»، قال أبو بكرٍ -رضي الله عنه-: «أنا»، قال: «فمَن تَبِعَ منكم اليومَ جِنازةً؟»، قال أبو بكرٍ: «أنا»، قال: «فمَن أطعَمَ منكم اليومَ مِسكيناً؟»، قال أبو بكرٍ: «أنا»، قال: «فمَن عادَ منكم اليومَ مريضاً؟»، قال أبو بكرٍ: «أنا»، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما اجتَمَعْنَ في امرئٍ إلَّا دَخَلَ الجنَّةَ».
وفي الحديث فوائد عظيمة:
أنَّ الملائكةَ يُحِبُّون صالحِي بني آدمَ، ويَفرحون بهم.
أنَّ الإنفاقَ كلَّما كان أكثرَ كان أفضلَ.
أنَّ تَمنِّيَ الخيرِ في الدُّنيا والآخِرةِ مطلوبٌ.
فضيلةٌ ظاهرةٌ لأبي بكرٍ الصِّدِّيقِ -رضي الله عنه-.
بيانُ فضلِ مَن جَمَعَ بين خصالِ الخيرِ.
مشروعيَّةُ مَدْحِ الإنسانِ في وَجْهِه إذا لم يُخَفْ عليه فتنةٌ مِن إعجابٍ وغيرِه.

وفي الحديث الذي رواه سهل بن سعد الساعدي: «فِي الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لا يَدْخُلُهُ إلَّا الصَّائِمُونَ» (صحيح البخاري).

فرصٌ ومِنحٌ كبيرة للعباد، أيها الإنسان اللبيب حافظ على فريضة الصيام لكي تضمن مفتاح هذا الباب المهم بالجنة، وكما تهتم بـ “شيل” مفاتيح السيارة والشقق؛ اهتم بمفاتيح أبواب الجنة. لا تخرج من شهر الصيام إلا ومفتاح باب الريان معك، اصنع له “ميدالية ذهبية” وتضع فيها مفتاح باب الريان، وكذلك مفتاح الصلاة ومفتاح الصداقات. اغتنم المنح وأنت في أشد الاحتياج إليها، لا تنظر للدنيا ولا تتمسك بها؛ دار بلاء وشقاء، اغتنم هذه المفاتيح.

فضيلةُ الصيام عظيمة، وكرامةُ الله للصائمين لا تنقطع؛ فإنهم حرموا أنفسهم الطعام والشراب والشهوة، فأعطاهم الله -سبحانه وتعالى- من واسع عطائه، وفضّلهم على غيرهم. وفي هذا الحديث يروي سهل بن سعد الأنصاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن الله -سبحانه وتعالى- اختص الصائمين الكاملين في صوم الفرض والمكثرين من صيام النفل، أو من غلب عليهم الصوم من بين العبادات؛ ببابٍ في الجنة يقال له: «الريان».

والريان: من الرِّيّ، وهو نقيض العطش؛ وفي تسمية الباب بذلك مناسبة حسنة؛ لأنه جزاء الصائمين على عطشهم وجوعهم، واكتُفي بذكر الرِّيِّ عن الشبع لأنه يستلزمه، أو لكونه أشق على الصائم من الجوع.

وهذا الباب لا يدخل منه غير الصائمين، حيث أُفرد لهم؛ ليسرعوا إلى الرِّيِّ من العطش؛ إكراماً لهم واختصاصاً، وليكون دخولهم في الجنة هيناً غير متزاحم عليهم عند أبوابها؛ فقد يؤدي الزحام إلى نوع من العطش، وإن لم توجد مزاحمة في الحقيقة في أبواب الجنة لسعتها، ولأنه ليس بموضع ضرر ولا عنت ولا نصب؛ فهذا تشريف لهم وإعلاء لمقامهم، وتمييز لهم على غيرهم. فينادى عليهم: «أين الصائمون؟»، فيقومون فيدخلون منه، فإذا دخلوا أُغلق هذا الباب، فلن يدخل منه أحد غير الصائمين، وكُرِّر نفي دخول غيرهم منه للتأكيد.

زر الذهاب إلى الأعلى