استعدوا لليلة القدر بقلوب صافية

بقلم: د. ياسر جعفر

الكل يتحرى ليلة القدر، ويتحرى العشر من ذي الحجة، وأيام الاثنين والخميس والجمعة، وساعات إجابة الدعاء! كل هذا مرتبط بالقلوب السليمة؛ بالقلوب الخالية من الحقد والحسد والنفاق والكبر والطمع. لا تصح العبادات إلا بالقلوب السليمة، قال تعالى: «يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ».
أي قلبٌ مؤمنٌ خالٍ من العلّة، ويشهدُ بأن لا إله إلا الله، ولأن قلوب الكفار والمنافقين قلوبٌ مريضةٌ يتأجج فيها الفساد: «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» -سورة البقرة-.
فينبغي على كل إنسان أن يجاهد نفسه، ويصلح من نفسه وسلوكه، وينظف قلبه من السواد لكي ينال الخيرات، وينال استجابة الدعاء سواء في ليلة القدر أو غيرها من الليالي العادية. وليعلم الجميع أن ليلة القدر مقدارها وقيمتها بنزول القرآن الكريم فيها، فلماذا نهجره طوال العام بدون قراءة وبدون تدبر وبدون تطبيق وتنفيذ لشرع الله؟ للأسف أخذنا العبادات عادات!! وليست عبادات لله الواحد الأحد الفرد الصمد ملك الملوك.
واعلم أخي القارئ أن العبادات “سنفرة” لقلبك من الصدأ؛ لأن القلوب تصدأ كالحديد، وإذا صدأ الحديد فيكون في حالة ضعف وهشاشة، ليس فيه القوة والبأس الشديد. وإذا القلوب صدأت فتكون ضعيفة ووكرًا لمرض القلب بالأحقاد ووكرًا لكل شر! عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد»، قيل: يا رسول الله! فما جلاؤها؟ قال: «ذكر الموت وتلاوة القرآن».
فقراءة القرآن تنور القلوب وتحييها من الموت والعمى! فينبغي علينا أن لا نهجر قراءة القرآن والتدبر في آياته وتنفيذ أحكامه وتطبيق شرائعه. واعلم أن شرف ليلة القدر مرتبط بنزول القرآن الكريم الذي نهجره طوال العام؛ لكي نكون أمة عالية المقام خالية من الوهن والضعف علينا بتطبيق أحكام القرآن الكريم، وإلا سنكون أمة ذليلة منكوبة حقيرة، لا تقدم، ولا راحة ولا رفعة ولا استقرار. فيا من تدعو أن يرزقك الله بليلة القدر، أصلح من نفسك ونظف قلبك من السواد الذي استحوذ عليه حتى لا تنطبق عليك هذه الآية، قال تعالى: «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ».
واعلم أخي القارئ أن فساد الأجساد في فساد القلوب كما في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن في الجسد مُضغةٌ إذا صلُحت صلُح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب».
علينا أن نهتم بجوهر الدين ولا ننظر لظاهره!! إذا كنت من الذين يأملون في ليلة القدر عليك بإصلاح قلبك وإصلاح نيتك وطيب نفسك في جميع المعاملات وعلى جميع الأصعدة، وافعل الخير وانصر الضعفاء كما في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟».
أصلح من قلبك ومن نفسك تجد كل الليالي ليالي القدر!! ويا من تدعو بليلة القدر أطب مطعمك تنل ليالي القدر يومياً! وتكن مستجاب الدعوة! كما في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ولفظه: «تليت هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا ﴾ [ البقرة : 168 ] فقام سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة. فقال: يا سعد، أطب مطعمك، تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف بلقمة الحرام في جوفه فلا يقبل منه عمل أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا، فالنار أولى به».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «… ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك». وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. فالقلب هو محل نظر الله -تعالى- من العبد، والله «لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
القلب هو محل معرفة الله -تعالى-، ومحبته، وخشيته، وخوفه، ورجائه!! القلب هو محل النية التي بها صلاح العمل: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
قال ابن القيم -رحمه الله-: «أشرف ما في الإنسان قلبه، فهو العالم بالله، الساعي إليه، المحبب له، وهو محل الإيمان والعرفان، وهو المخاطب المبعوث إليه الرسل، المخصوص بأشرف العطايا من الإيمان والعقل، وإنما الجوارح أتباع للقلب، يستخدمها استخدام الملوك للعبيد، والراعي للرعية، فسبحان مقلب القلوب، ومودعها ما يشاء من أسرار الغيوب، الذي يحول بين المرء وقلبه، ويعلم ما ينطوي عليه من طاعته لربه، مصرف القلوب كيف يشاء، أوحى إلى قلوب الأولياء أن أقبلي إليّ فبادرت وقامت بين يدي رب العالمين، وكره -عز وجل- انبعاث آخرين فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين».
كانت أكثر يمين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا ومقلب القلوب»، وكان من دعائه: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، و«اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك».
وإن من أعظم أسباب مرض القلوب وقسوتها: الذنوب والمعاصي؛ فإن تأثير الذنوب والمعاصي على القلوب كتأثير السموم في الأبدان بل أشد!! أرأيت رجلاً يتعاطى سُمّاً قاتلاً ماذا يكون مصيره؟ فكذلك تأثير الذنوب على القلوب، لا تزال تمرض القلب شيئاً فشيئاً حتى يقسو ثم يموت إن لم يتداركه الله -تعالى- برحمته. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صُقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه، وهو الران الذي ذكره الله -تعالى-: ﴿ كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾».
إن من عقوبات الذنوب والمعاصي أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا يزال مريضاً معلولاً، لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه؛ وتأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب وأدواؤها ولا دواء إلا تركها! وأمراض القلوب متنوعة؛ فمن الناس من يكون قلبه مريضاً فيما يتعلق بالشبهات، فتجد أن أدنى شبهة يسمعها تؤثر عليه وتجعله يقلق، وربما دخله شيء من الشك والريبة، وتجد أنه سماع للشبه، قابل لها، متأثر بها، فهذا مريض القلب مرضاً متعلقاً بالشبه.
ومن الناس من يكون قلبه مريضاً فيما يتعلق بالشهوات، ومن أبرزها شهوة الزنا، وقد ذكر الله -تعالى- هذا النوع من الناس في القرآن، وذكر هذا المرض فقال سبحانه: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ﴾. وتأمل قوله: ﴿ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾؛ فبيّن الله -سبحانه- أن الذي يطمع في المرأة عندما تخضع بالقول إنما هو الذي في قلبه مرض، فهو مريض قلب، متهيئ إذا رأى امرأة يتشوف إلى أدنى محرك يحركه إليها، ولو كان مجرد لين في القول.
وهذا الصنف نراه في المجتمع؛ ترى أناساً مولعين بمعاكسة النساء، مولعين بالنظر للنساء، مع أن ذلك قد لا يكون بسبب قوة شهوة، ولكنه مرض يبتلى به بعض الناس؛ يبتلى به أصناف من الرجال، وأصناف كذلك من النساء؛ تجد بعض النساء تخرج إلى السوق لغير حاجة، تخرج متبرجة، متحرشة بالرجال أو بمن يعاكسها من الرجال، فهذا بسبب ذلك المرض! .
أخي القارئ، عليك بإصلاح قلبك لكي تستقيم جميع معاملاتك. أيها الإنسان العاقل، أقبل على ليلة القدر بقلب صافٍ، خالٍ من الكبر والحقد والطمع والرياء والنفاق. الحياة قصيرة وأمامك منح وفرص لا تعوض؛ فجاهد نفسك في هذا الشهر الكريم، وخزّن الأعمال الصالحة والحسنات، وبدلاً من أن تخزن الذهب خزن الأعمال الصالحة واحتفظ بمفاتيح أبواب الجنة. رمضان مبارك على الجميع وكل عام وأنتم بخير. ندعو الله -سبحانه وتعالى- أن يرفع الغمة عن الأمة، وندعوه في هذه الأيام المباركة أن يهلك أعداء الأمة الإسلامية.




