شهر رمضان شهر تغير الأقدار وهديتي لك فيه نفيسة!

بقلم: ✍️ د. ياسر جعفر

شهر رمضان المبارك منحة من الله لجميع المسلمين؛ لمن أراد أن تُغفر ذنوبه وتتغير أقدارُه وتتبدل أحواله إلى أحسن الأحوال! هذا الشهر فرصة كبيرة لكل من يغتنمها في العبادات، وتجنب جميع وسائل اللهو من المسلسلات والبرامج التافهة وقنوات الطبخ.
شهر رمضان المبارك من أعظم الشهور التي تُكفّر الذنوب والمعاصي، وللأسف 90% من المسلمين يضيعونه في المأكل والمشرب، ويتخذون من نصفه الأول تجهيزات للمطابخ والتنظيف، والنصف الآخر تجهيزات العيد من تنظيف وإعداد “الكعك والبسكويت”؛ وكل هذا من تلاعب النفس السيئة والشيطان بعقول البشر لكي يخرج الإنسان من شهر رمضان حصيلته صفر!
أفيقوا أيها المسلمون نحن في آخر الزمان، ماذا تنتظرون؟! واعلموا بأن الموت ومفارقة الحياة تأتي في لحظة في هذه الأيام، فما هو زادك لمقابلة رب العباد؟! والله إن شهر رمضان من كنوز الشهور التي تغير حياتك وأقدارك كلها، في حالة الالتزام الحقيقي في العبادات، والتسارع في الخيرات، ومساعدة المحتاجين والفقراء والضعفاء، ومساعدة الآخرين.
وتجنبوا وسائل الإعلام لأنها مبنية على الغش والخداع والأجندات اليهودية المفبركة! اعلموا بأن جميع الإعلام مبني على ضرب من الخيال والأخبار الكاذبة، والتشويش على العقول، وإشعال الفتنة بين البلاد! احذروا تضييع الوقت أمام جميع وسائل الإعلام؛ لأنها نشأت خصيصًا لكي تخدم أجندات يهودية ضد المسلمين، وإشعال الفتن بين الدول بعضها البعض، وبين الشعوب والحكام؛ لكي تكون بلادًا يتملكها الاضطراب والضعف! .
عليكم أن تفتحوا صفحة جديدة في شهر رمضان، وعلى الجميع التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، وعلى كل أسرة أن تتجنب العادات والتقاليد السيئة في الاشتغال بالتنظيف وتجهيزات الطبخ والكعك؛ فالأولى تنظيف قلوبنا وأنفسنا في هذا الشهر الكريم، وتجهيز أعمال صالحة لكي تكون زادًا لنا في الآخرة.”
“ما عليك إلا أن تقوم بالعبادات بقلب نظيف ونوايا صادقة وحسن توكل وإيمان صادق، وتجنب كل ما يغضب الله. لا تشغل بالك بزيادة الأسعار، ولا تشغل بالك بأمور تلهيك عن ذكر الله وتضيع وقتك، واعلم بأن زيادة الأسعار ابتلاء بسبب فساد أنفسنا وبسبب ما كسبت أيدينا! لازم نغير من أنفسنا ونغير من فساد أمورنا، ونطيع الله بنوايا صادقة! .
اترك كثرة الشكاوي في زيادة الأسعار! كل هذا بسبب فساد الأنفس والتسارع إلى جيفة الحياة! ليست زيادة الأسعار من الحاكم، إنما هي من فساد أنفسنا وبعدنا عن منهج الله؛ فخيرات الله كثيرة وخزائنه لا تنفد أبداً، ولكن هي العيشة الضنك كما في قوله تعالى في سورة طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.
نعم، عيشة ضنك بسبب الإعراض عن ذكر الله، أعرضنا عن منهج الله! والعيشة الضنك تجد الخيرات كلها أمام عينك وما تقدر تحصل عليها بارتفاع الأسعار! الحمد لله الأسواق مليئة بالخيرات التي لا تعد ولا تحصى، ولكن بسبب إعراضنا عن منهج الله لا تقدر أن تحصل عليها بسبب ارتفاع الأسعار! .
فشهر رمضان فرصة عظيمة أن تصلح من نفسك وتنصح من حولك بالاستقامة لله سبحانه وتعالى؛ والعيشة الضنك تحوي ألوان العذاب من الفقر والأمراض والضيق في جميع نواحي الحياة، والقلق والتوتر والفشل وعدم الراحة في كل شيء؟! ولا تضع شماعتك على الحاكم، أصلح من نفسك تستقم لك جميع أمورك! فعليك أن تغتنم هذا الشهر العظيم وتغير فيه حياتك وأقدارك بالطاعة والاستقامة وإصلاح نفسك ونواياك.”
وهديتي لك في هذا الشهر هي كنز وسر من أسرار القرآن؛ وهي آية إن قلتها في اليوم أكثر من 500 مرة مع الالتزام في الصلاة والطاعة، سوف ترى العجب العجاب في تغير حياتك الضنك إلى حياة كلها نعيم في جميع أمورك كلها، وهذه من كنوز القرآن.
وهذه الآية هي: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، تقول من أول: “ربنا اغفر لنا… إلخ”؛ ستتعجب من تغير أمورك إلى حياة كلها نعيم، وتتمتع بخيرات في جميع أمورك كلها.
اشغل حياتك ووقتك في ذكر الله، ولا تضيع وقتك في كلام اللغو والشكوى للعباد! وتجنب أصحاب السوء وأصحاب اللهو وأصحاب الإحباط والتشاؤم؛ اغتنم هذا الشهر بالذكر والعبادات والاستغفار والصلاة في أوقاتها، وتجنب أماكن اللهو وتضييع الوقت!! ففي هذا الشهر تتضاعف الأعمال، وتُكفّر الخطايا، وتتغير فيه الأقدار، وفيه خيرات الدنيا والآخرة، ومنها:
1- تُكفَّرُ به الخطايا:
الدليل من السنة: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الصَّلواتُ الخَمسُ، والجُمُعةُ إلى الجُمُعةِ، ورمضانُ إلى رَمَضانَ؛ مُكَفِّراتٌ ما بينهُنَّ إذا اجتَنَبَ الكبائِرَ)).
2- من أسبابِ مغفرةِ الذنوبِ:
الأدلة من السنة:
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه)).
2- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((.. ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يُغفر له..)).
3- من أسبابِ دخولِ الجنة:
الدليل من السنة:
عن جابر رضي الله عنه أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أأدخل الجنة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “نعم”.
(أهمية شهر رمضان)
يجب صوم شهر رمضان؛ وهو فريضة، وركنٌ من أركان الإسلام.
(الأدلة:)
أولاً: من الكتاب:
1- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
2- قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185].
ثانياً: من السنة:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)). [أخرجه البخاري ومسلم].
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 1 – 5].
ويقول عز وجل: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الدخان: 1 – 8].
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ» [أخرجه الترمذي (2609)، وصححه الألباني].
وعن جابر قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم النعمانُ بن قوقل فقال: “يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحرمت الحرام، وأحللت الحلال، (وفي رواية: ولم أزد على ذلك شيئاً)، أأدخل الجنة؟” فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ» [أخرجه مسلم (15)].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [أخرجه البخاري (2014)].
وعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [أخرجه البخاري (37)].
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ، فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ» [أخرجه الترمذي (3545)، وقال الألباني: حسن صحيح].
وعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» [أخرجه مسلم (233)].
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا ابْنُ آدَمَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ حَسَنَةٍ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (إِلَّا الصَّوْمَ هُوَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ الطَّعَامَ مِنْ أَجْلِي، وَالشَّرَابَ مِنْ أَجْلِي، وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي فَهُوَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ؛ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ حِينَ يَخْلُفُ عَنِ الطَّعَامِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» [أخرجه أحمد (10218)، وصححه الأرنؤوط].
وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ”، قَالَ: “فَيُشَفَّعَانِ» [أخرجه أحمد (6626)، وصححه الألباني].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» [أخرجه البخاري (3277)].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» [أخرجه البخاري (1923)].
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ» [أخرجه أبو داود (2345)، وصححه الألباني].
ومن مزايا هذا الشهر: أنه الشهر الذي فُتحت فيه مكة المكرمة؛ ذلك الفتح الذي علت به كلمة الإسلام في البلاد العربية، وعلى أساسه قامت الفتوحات الإسلامية في الشرق والغرب.
فقد جمع هذا الشهر بين مزيتين عظيمتين:
أولاهما: أنه الزمن الذي أُنزل فيه القرآن إلى سماء الدنيا جملة، أو ابتدئ فيه نزوله إلى الناس، ثم تواردت آياته على حسب ما تقتضيه الحكمة.
ثانيتهما: أنه كان مظهر الفتح الذي استوثقت به عرى دولة الإسلام التي مدت سلطانها العادل، وساست الأمم بشريعة تلائم مصلحة كل زمان ومكان.
واقتضت حكمة الله تعالى أن يكون للناس من بين سائر الشهور شهر يقضون بياض نهاره في عبادة الصوم، واختار أن يكون شهر رمضان هو الشهر الذي تؤدي فيه هذه العبادات ذات الحكمة السامية، والثواب الجزيل.
ولعظم ما يترتب على الصيام من إصلاح النفوس وتهذيب الأخلاق، جعلت فريضته في القواعد التي يقوم عليها الإسلام. والدليل على أن القصد من الصيام هو الإصلاح والتهذيب، لا تعذيب النفوس بالجوع والعطش، قوله صلى الله عليه وسلم: ((من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)).
وليس معنى هذا الحديث أن من يقول زوراً ويعمل به ليس له صيام، وإنما القصد منه: التنبيه على أن الصيام لا يتقبله الله تعالى بقبول حسن إلا إذا اجتنب صاحبه قول الزور والعمل به.
ولرفعة منزلة الصيام، وعظم آثاره في إصلاح النفوس وتقريبها من مقام الخالق تعالى، حظي بعناية خاصة في نظر الشارع؛ فجاء في الحديث القدسي: أن الصوم لله، وأنه يتولى جزاءه بنفسه، ففي (الموطأ) وغيره: ((كل حسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام، فهو لي، وأنا أجزي به)).
أضاف الله تعالى صيام العبد إلى نفسه؛ لأن سائر الأعمال تظهر على صاحبها، وقد يدخلها شيء من الرياء، والصوم لا يظهر على صاحبه، فيقع لله خالصاً. وأخبر في الحديث: أن الله تعالى يتولى جزاءه بنفسه؛ إيماءً إلى عظم ثوابه؛ فإن أكرم الأكرمين لا يقابل العمل الصالح إلا بالجزاء الأوفى، وأكد ذلك بأن جزاء الصوم فوق الجزاء المضاعف إلى سبعمائة ضعف!!! .
أمر الشارع بالإنفاق في وجوه البر، وورد في السنة ما يدل على أن للإنفاق في هذا الشهر فضلاً على الإنفاق في بقية الشهور، يظهر هذا من حديث ابن عباس قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان))، وفضيلة التأسي به -عليه الصلاة والسلام- تدعو إلى بسط اليد بالمعروف في هذا الشهر أكثر من بسطها فيما عداه من الشهور؛ حتى يجد الفقراء من إحسان الأسخياء راحة بال، فيقبلوا على الصيام والقيام بنشاط.”
أمر الشارع بتلاوة القرآن تمكيناً لحجته، واستضاءة بنور حكمته، وجاء في السنة ما يرشد إلى الاستكثار من تلاوته؛ يظهر هذا من حديث ابن عباس في لُقيِّ جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الحديث: ((وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن))، والدراسة هي القراءة. وما زال أولو الألباب من الناس يجعلون لشهر رمضان نصيباً من تلاوة القرآن أكثر من نصيب كل شهر.
والتهجد في جزء من الليل قربة يبعث عند الله مقاماً محموداً، ونبهت السنة على أن من جزاء القيام في ليالي رمضان غفراناً يمحو الذنوب السالفة؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه)). وظاهر الحديث أن هذا الغفران المترتب على قيام رمضان يأتي على ذنوب السالفة جميعاً فيسقطها، ولكن أهل العلم قصروه على صغائر الذنوب دون كبائرها، ورأوا أن فضل العمل الصالح لا يبلغ أن يسقط الكبائر من المعاصي وصاحبها لم يتب عنها، أو لم تُقم عليه العقوبة المقررة على من يرتكبها!! .
يقولون هذا، وهم يسلمون أن لمشيئة الله تعالى سلطاناً قد يفعل في كبائر الذنوب ما تفعله التوبة الخالصة أو إقامة الحدود.
وكان صلى الله عليه وسلم يتهجد في ليالي السنة بأسرها، وورد في الصحيح: أنه خرج في إحدى ليالي رمضان من جوف الليل، فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته؛ جرى هذا ثلاث ليال، ولم يخرج في الليلة الرابعة وقد ضاق المسجد على الحاضرين حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر، أقبل على الناس، ثم قال: (أما بعد: فإنه لم يَخْفَ عليَّ مكانكم، ولكني خشيت أن تُفترض عليكم، فتعجزوا عنها).”
“والخوف من افتراض هذه الصلاة قد يكون من جهة أن الله تعالى جعلها في حقهم من الأمور المندوب إليها، ولم يأمر بفعلها في جماعة على نحو الصلوات المفروضة؛ رفقاً بهم، فإذا تظاهروا بالقوة عليها، وساروا بها سيرة ما افترضه الله عليهم من الصلوات، كانوا قد شدَّدوا على أنفسهم في أمر جعل الله لهم فيه يسراً!! .
فمن المحتمل أن يكون ما أخذوا به أنفسهم من الشدة سبباً لأن ينزل الوحي بفرض هذه الصلاة؛ ابتلاءً لهم حتى يظهر عجزهم عن إقامتها، ويدركوا العسر الذي راعاه الشارع في عدم إيجابها، والتأكيد في الاجتماع لها، ومتى كان القصد من فرضها تنبيههم لوجه الرفق بهم في عدم فرضها أولاً، لم يلزم استمرار هذا الفرض حتى يقال: كيف يأمر الشارع الناس بما يعجزون عن المداومة عليه؟
وقد رأينا الشارع يسنُّ أحكاماً لمقاصد سامية، حتى إذا أحسَّ الناس بما فيها من عسر، عاد إلى ما يقتضيه أصل التشريع من الرفق والتيسير؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قصد بعدم خروجه لصلاة التراويح في المسجد قطع أمر من المحتمل أن يكون وسيلة لتكليف يثقل عليهم القيام به، ويظهر عجزهم عنه.
وتُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن الناس يجتمعون في صلاة القيام برمضان على إمام واحد، وبقوا على هذا الحال إلى عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأقام أُبيَّ بن كعب إماماً لهذه الصلاة، وجمع الناس على الائتمام به!!!!” .




