صيام ست من شوال كصيام الدهر

بقلم: د. ياسر جعفر

“مِنحٌ ربانية للأمة الإسلامية، وبشريات عظيمة لمن أراد التجارة الرابحة؛ دعوة لجميع البشرية لصيام ستة أيام من شوال. يبدأ الصيام من ثاني أيام العيد إلى آخر شهر شوال؛ ويمكن صيام الست متوالية، أو يومًا بعد يوم، أو كل يومين، أو يومي الاثنين والخميس؛ فهي من المنح الربانية رحمةً بالأمة.
الإنسان يصوم ستة أيام كأنه صام الدهر (كأنه صام سنة كاملة)؛ فالحسنة بعشرة أمثالها:
- شهر رمضان: 30 يوماً × 10 حسنات = 300 يوم.
- ستة أيام من شوال: 6 أيام × 10 حسنات = 60 يوماً.
- الإجمالي: 300 + 60 = 360 يوماً (عدة أيام السنة).
ففي الحديث: «مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ، كانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ» [رواه مسلم].
هذه رحمات ونفحات من رب السماوات والأرض. وفي رواية أخرى: «من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوَّالٍ خرج من ذنوبِه كيومِ ولدته أمُّه»؛ فما هذا الخير؟ وما هذه الفضائل للأمة؟”
الراوي : عبدالله بن عمر | المحدث : المنذري | المصدر : الترغيب والترهيب | الصفحة أو الرقم : 2/126 | خلاصة حكم المحدث : [ لا يتطرق إليه احتمال التحسين] | التخريج : أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (8622)
“كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَصومُ مِن كلِّ شَهرٍ أيَّاماً نافلةً، وحثَّ أصحابَه على ذلِكَ، وحثَّ أيضاً على صِيامِ بَعضِ الأيَّامِ مِن شُهورِ السَّنةِ؛ لِمَا فيها مِن الأجْرِ والثَّوابِ الجَزيلِ لصاحِبِها.
وفي هذا الحديثِ أَرشَدَ المُسلمينَ إلى صِيامِ ستَّةِ أيَّامٍ مِن شوَّالٍ بعْدَ رَمضانَ، وبيَّن أنَّ مَن صامَ شَهرَ رَمضانَ كاملاً، ثُمَّ صامَ بعْدَ رَمضانَ ستَّةَ أيَّامٍ مِن شوَّالٍ مُتوالياتٍ أو مُتفرِّقاتٍ (لأنَّ الإتْباعَ يَصدُقُ على التَّوالي وعَلى التَّفرُّقِ)؛ فمَن فَعَل ذلكَ، كانَ لَه مِن الأَجرِ مِثلُ ما يُعادِلُ صِيامَ العامِ كلِّه، وهذا مِن عَظيمِ فَضلِ اللهِ عَلى عِبادِه المُسلمينَ بمُضاعفةِ الأَجرِ لَهم.
ويُفسِّرُ هذا قولُه تَعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160]؛ فشَهرُ رَمضانَ بمَنزلةِ عشرةِ أشهُرٍ، وصِيامُ ستَّةِ أيَّامٍ بعْدَ الفِطرِ تَمامُ السَّنةِ.
وفي الحَديثِ: فضيلةُ صيامِ ستَّةِ أيَّامٍ مِن شهرِ شوَّالٍ. ولا شك أن المسلم مُطالب بالمداومة على الطاعات، والاستمرار في الحرص على تزكية النفس. ومن أجل هذه التزكية شُرعت العبادات والطاعات؛ وبقدر نصيب العبد من الطاعات تكون تزكيته لنفسه، وبقدر تفريطه يكون بُعده عن التزكية.
لذا كان أهل الطاعات أرق قلوباً، وأكثر صلاحاً، وأهل المعاصي أغلظ قلوباً، وأشد فساداً. والصوم من تلك العبادات التي تطهِّر القلوب من أدرانها، وتشفيها من أمراضها؛ لذلك فإن شهر رمضان موسم للمراجعة، وأيامه طهارة للقلوب.”
“وتلك فائدة عظيمة يجنيها الصائم من صومه؛ ليخرج من صومه بقلب جديد وحالة أخرى. وصيام الستة من شوال بعد رمضان فرصة من تلك الفرص الغالية؛ بحيث يقف الصائم على أعتاب طاعة أخرى بعد أن فرغ من صيام رمضان.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى فضل الست من شوال، وحثهم بأسلوب يرغِّب في صيام هذه الأيام؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ، كانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ» [رواه مسلم].
قال الإمام النووي -رحمه الله-: “قال العلماء: وإنما كان كصيام الدهر لأن الحسنة بعشر أمثالها؛ فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين”. ونقل الحافظ ابن رجب عن ابن المبارك قوله: “قيل: صيامها من شوال يلتحق بصيام رمضان في الفضل، فيكون له أجر صيام الدهر فرضاً”.
إن صيام هذه الست بعد رمضان دليل على شكر الصائم لربه تعالى على توفيقه لصيام رمضان، وزيادة في الخير؛ كما أن صيامها دليل على حب الطاعات ورغبة في المواصلة في طريق الصالحات. قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: “فأما مقابلة نعمة التوفيق لصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصي بعده، فهو من فعل من بدَّل نعمة الله كفراً”.
فليس للطاعات موسم معين ثم إذا انقضى هذا الموسم عاد الإنسان إلى المعاصي! بل إن موسم الطاعات يستمر مع العبد في حياته كلها، ولا ينقضي حتى يدخل العبد قبره.”
“قيل لبشر الحافي -رحمه الله-: إن قوماً يتعبدون ويجتهدونَ في رمضان. فقال: (بئس القوم قوم لا يعرفون لله حقاً إلا في شهر رمضان، إن الصالح هو الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها).
أخي المسلم: في مواصلة الصيام بعد رمضان فوائد عديدة، يجد بركتها أولئك الصائمون لهذه الست من شوال؛ وإليك هذه الفوائد أسوقها إليك من كلام الحافظ ابن رجب -رحمه الله-:
إن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يُستكمل بها أجر صيام الدهر كله.
إن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيُكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص؛ فإن الفرائض تُكمل بالنوافل يوم القيامة، وأكثر الناس في صيامهم للفرض نقص وخلل، فيحتاجون إلى ما يجبره من الأعمال.
إن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان؛ فإن الله تعالى إذا تقبل عمل عبدٍ، وفقه لعمل صالح بعده، كما قال بعضهم: “ثواب الحسنة الحسنة بعدها”؛ فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها، كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها.”
“إن صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب، كما سبق ذكره، وأن الصائمين لرمضان يُوفون أجورهم في يوم الفطر، وهو يوم الجوائز؛ فتكون معاودة الصيام بعد الفطر شكراً لهذه النعمة، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تتورّم قدماه، فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر؟! فيقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً».
وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره، وغير ذلك من أنواع شكره، فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]؛ فمن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان، وإعانته عليه، ومغفرة ذنوبه، أن يصوم له شكراً عقيب ذلك.
كان بعض السلف إذا وُفق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهارها صائماً، ويجعل صيامه شكراً للتوفيق للقيام. وكان وهيب بن الورد يُسأل عن ثواب شيء من الأعمال كالطواف ونحوه، فيقول: “لا تسألوا عن ثوابه، ولكن سلوا ما الذي على من وُفق لهذا العمل من الشكر، للتوفيق والإعانة عليه”.
فكل نعمة على العبد من الله في دين أو دنيا تحتاج إلى شكر عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثانٍ، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى تحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبداً؛ فلا يقدر العباد على القيام بشكر النعم، وحقيقة الشكر هي الاعتراف بالعجز عن الشكر.”
“إن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان، بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حياً.
كان النبي صلى الله عليه وسلم عمله ديمة؛ وسُئلت عائشة رضي الله عنها: هل كان النبي يخص يوماً من الأيام؟ فقالت: «لا، كان عمله ديمة». وقالت: «كان النبي لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة».
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي ما فاته من أوراده في رمضان في شوال؛ فترك في عامٍ اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، ثم قضاه في شوال، فاعتكف العشر الأول منه.”





