دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: احذروا فتنة الدنيا

التمسك في طلب الدنيا له عواقب وخيمة وأضرار نفسية، ويسبب تعثر المعيشة في كل شيء؛ هذا ما بينه طبيب القلوب ودوائها وعافية الأبدان وشفائها محمد -صلوات ربي وسلامه عليه-. تجنح التربية النبوية إلى التيسير على المتعلمين والرفق بهم وصيانتهم عن مواقف العنت والتعنيف، ومن الآثار الداعمة لهذا الاتجاه قوله ﷺ: «إنَّ اللهَ لم يبعثْني معنِّتاً ولا متعنِّتاً، ولكن بعثني معلِّماً ميسِّراً»، وقوله: «علِّموا ولا تعنِّفوا؛ فإنَّ المعلِّمَ خيرٌ من المعنِّفِ». الصيدلية المحمدية مليئة بالخيرات التي تنفع الإنسان في الدنيا والآخرة، فلنذهب إلى الصيدلية المحمدية لنأخذ منها الروشتة النافعة والحكم البليغة للحذر من الدنيا.

فقد روى الإمام أحمد عن زيد بن ثابت أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ، جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا، فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ» (رواه ابن ماجه والدارمي وابن حبان، والبيهقي في شعب الإيمان، قال العراقي -رحمه الله- في تخريج الإحياء: رواه ابن ماجه من حديث زيد بن ثابت بإسناد جيد، وصححه الشيخ الألباني -رحمه الله- في سلسلة الأحاديث الصحيحة).

وروى الترمذي وفي المجازات النبوية قطعة من هذا الحديث بلفظ: «من كانت الدنيا همه وسدمه جعل الله فقره بين عينيه».
فيا أيها المنجرف وأيها المتمسك وراء دنيا زائلة احذر وانتبه! احذر وانتبه من هلاكك في الدنيا، وسوف تخسر الآخرة بسبب حبك وشغفك لهذه الدنيا! أيها الإنسان العامل والموظف في الشركات الحكومية والخاصة “خلي بالك من ضميرك”! وإلى كل راعٍ ومسؤول: احذروا فتنة الدنيا كما حذركم منها رسول الإنسانية ﷺ؛ فقد أجمع الكل أن رسول الرحمة ورسول الإنسانية ﷺ لا ينطق عن الهوى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ}.

قوله عليه الصلاة والسلام: «جعل الله فقرَه بين عينيه»؛ مبالغة في وصفه بتصور الفقر، فكأنه قريب منه وغير غائب عنه، كما يقول القائل لغيره إذا أراد هذا المعنى: “حاجتك بين عيني” أي هي متصورة وغير غائبة عن قلبي. والأشبه بهذا التأويل أنه من قبيل التمثيل؛ تمثيل حال هذا المتلهف على طلب الدنيا، المشتغل بجمعها، المعرض عن الآخرة الناسي لأمرها، والدنيا لا تزيده إلا فقراً وذلة وضراعة ومهابة؛ بحالٍ مفترضة مقدرة من مثول الفقر بين العينين، بجامع شدة الباعث على الضجر والهلع، والحامل على الخوف والفزع!

والمعنى العام للحديث:
قضاء عدل وحكم فصل أن لا يستوي أصحاب الهمم العالية من طلاب ما عند الله والدار الآخرة، وأصحاب الهمم الدنيئة من طلاب المطامع والمآثم في هذه الدار الفانية، الذين جعلوا الدنيا همتهم وغاية سعيهم ومنتهى أمرهم، فهم لها يعيشون، وعلى متاعها يعكفون، وفي دنياها يسابقون وينافسون؛ وذلك مصداق قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}.

فأما الأولون؛ فإن لهم أن يُصلح لهم أعمالهم وبالهم، ويسدد لهم خطواتهم، ويبين سبلهم؛ فلا تتشعب بهم المسالك، ولا تنقطع بهم الأودية والمفاوز، ولا يتفرق عليهم أمر، ولا يتصدع لهم شمل، ولا يحبط لهم عمل، ولا ينقطع لهم أمل؛ بل لا يزالون يهديهم الله بنوره ويسدد خطواتهم بتوفيقه، فإذا عثر أحدهم عثر ويده بيد الرحمن -كما ورد في ذوي المروءات- وأنقذه الله كما ينقذه أهل المكرمات من ذوي الهمم العاليات والنفوس الأبيّات؛ ثم لا يجدون في قلوبهم إلا الغنى الذي لا يغلبه فقر، والرضا الذي لا يزلزله بلاء، والسعادة التي لا يمحوها شقاء، ولا تعصف بها أعاصير المحن ولا نوازل القضاء.

وأما الآخرون من أصحاب الهمم الدنيئة والمطامع الرديئة، من عشاق الدنيا وعبادها والمولعين بزخرفها ومتاعها؛ فأولئك هم الأخسرون أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً! تراهم هائمين في كل وادٍ، متفرقين في مختلف البلاد، لا يسألون ربهم من فضله، بل يطلبون أسباب الفساد والعلو على العباد، لا يذكرون لله نعمة، ولا يخشون منه نقمة، ولا يرجون لقاءه، ولا يتقون بلاءه؛ فلا يبصرهم بنوره، ولا يهديهم إلى سبيله، ولا يُعدُّ لهم إلا الضلالة والحيرة والندامة والحسرة؛ فلا يجدون غنى مهما جمعوا، ولا رضا مهما أوتوا؛ فقرهم بين أعينهم ماثل، وهلعهم في قلوبهم نازل، ولا يزالون فاقدين كلما وجدوا، موحشين كلما أنسوا، لا يجتمع لهم شمل، ولا يلتئم لهم صدع، ولا يستقيم لهم أمر، ولا يصلح لهم بال، ولا يستقرون على حال، ولا يخرجون من ضلال إلا إلى ضلال، وكيف لا يكونون كذلك؟! .

وكيف لا يكونون كذلك وقد خانوا أمانة الله في أعناقهم، وأعرضوا عن حكمته في خلقهم إذ يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}. وذلك هو الحق الأول، فكيف يوفق الله جاحديه أو يهدي إلى خيرٍ مَن كفر به؟! .

وقد ورد بيان ذلك الحق في التوراة أيضاً ففيها: «يا ابن آدم، خلقتُ الأشياء من أجلك، وخلقتُك من أجلي؛ فلا تهتك ما خلقتُ من أجلي فيما خلقتُ من أجلك». فالفرق بهذا بين الموفقين والمخذولين هو أن الآخرين اتخذوا الوسيلة غاية، والطريق مقصداً ونهاية؛ فانقطع بهم ولم يصلوا، وضلوا فيه وأضلوا.

وقد كان عيسى عليه السلام يعجب ممن هذا شأنهم فيقول: «تعملون للدنيا وأنتم تُرزقون فيها بغير العمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا تُرزقون فيها إلا بالعمل». ومن المواعظ البالغة في ذلك ما ورد في أثرٍ إلهي أن الله -عز وجل- يقول: «يا ابن آدم، خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، فاطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء».

وفي الحديث الصحيح الذي يرويه أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِلاَّ تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلاً، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ» (رواه الترمذي وحسنه ابن مفلح في “الآداب الشرعية”).

ومن مثل هذا القبس المضيء اقتبس معاذ بن جبل -رضي الله عنه- هذه النصيحة الغالية التي تعلن عن سبيلي السعادة والشقاء، والنجاة والهلاك، إذ يقول: «يا ابن آدم، أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج؛ فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مرَّ بنصيبك من الدنيا فانتظمها انتظاماً، وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة، وأنت من الدنيا على خطر».

«وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة وأنت من الدنيا على خطر». وعلى طريقته جاء قول الحسن -رحمه الله-: «أهينوا الدنيا ولا تكرموها؛ فإنها والله أهنأ ما تكون حين تهان».

ألا وإنه من رحمة الله بعباده -كما كان حكماً عدلاً وقضاءً فصلاً- أن لا يعطي الطمأنينة والرضا والقناعة والغنى والكرامة والتوفيق والعزة والتيسير إلا لهذه القلوب التي أقبلت عليه بعزائمها وأخلصت له نياتها؛ فإن ذلك عون لها على رشدها، وتجديد لعزائمها، وتأييد لسعيها، وتثبيت من أنفسها، وتزكية لإيمانها. وأن لا يعطي هذه القلوب المتعلقة بالدنيا، الحريصة على متاعها، المتفانية في مطامعها وشهواتها؛ إلا الهلع والجزع والهم والسدم والغيظ والندم والحسرات والأحزان؛ لتكون الحالتان عبرة للمعتبرين، وتبصرة للمستيقنين، وذكرى للمستهدين: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}.

وفي الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري: «إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كيفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فإنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ. وفي روايةٍ: لِيَنْظُرَ كيفَ تَعْمَلُونَ» (صحيح مسلم).

جعل الله تعالى الدنيا دار اختبار وابتلاء، والعاقل من تزود منها لآخرته، وقد أوصى النبي ﷺ بحسن العمل فيها، والمداومة على تقوى الله بها، والحذر من زخرفتها وفتنتها.

زر الذهاب إلى الأعلى