دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: دخول الجنة مرهون بسداد الدين

إنَّ من أعظم القضايا التي يغفل عنها كثير من الناس؛ قضية الدَّيْن، ذلك الحق الذي لا يسقط بالموت، ولا يُغتفر بمجرد النية، بل يبقى معلقاً في رقبة صاحبه حتى يُؤدَّى أو يُسامح فيه. فالدَّيْن ليس مجرد معاملة مالية، بل هو أمانة ثقيلة ومسؤولية عظيمة أمام الله -عز وجل-.

لقد شدَّد الإسلام على خطورة الديون، حتى جعلها من الأمور التي تعوق صاحبها عن دخول الجنة؛ فعن النبي ﷺ أنه قال: “نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه”. حَذَّر الشَّرعُ مِنَ التَّهاونِ في أَداءِ حُقوقِ النَّاسِ، ومِن ذلك الدَّيْنُ، فعَلى الْمُسلمِ أنْ يَسْتعينَ باللهِ في قَضاءِ دُيونِه؛ حتَّى لا يَأْتِيَه أجَلُه وفي ذِمَّتهِ دَينٌ لِأحدٍ فيُعلَّق به.

وفي هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم-: “نَفْسُ المؤمِنِ”، أي: الَّذي مات وعليه دَيْنٌ، “مُعلَّقةٌ بدَيْنِه”؛ أي: محبوسةٌ عن النَّعيمِ، وقيل: مُتوقَّفٌ في أمرِها، لا يُعرَفُ لها نجاةٌ أو هلاكٌ، أو أنَّه لا يَظفَرُ بمقصُودِه مِن دخولِ الجنَّةِ، أو مِن المرتبةِ العاليةِ، “حتَّى يُقضَى عنه”؛ أي: حتَّى يُسدَّدَ عنه دَينُه.

وقيل: إنَّ هذا مُقيَّدٌ بمَن قدَر على القَضاءِ وخالَف في الوفاءِ به؛ فهذا حثٌّ لورَثتِه على قَضائِه، أمَّا الَّذي لم يكُنْ له مالٌ وكان في نفْسِه الحِرصُ على القضاءِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى هو الَّذي يَقضِي عنه، كما جاء عِندَ البخاريِّ عن أبي هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم- قال: “مَن أخَذ أموالَ النَّاسِ يُريد أداءَها أدَّى اللهُ عنه، ومَن أخَذها يريدُ إتلافَها أتلَفَه اللهُ”.

وفي الحَديثِ: حثُّ المُسلِمِ على أن يَقضيَ ما عليه قبل وفاتِه مِن دَيْنٍ، فإنْ لم يَقدِرْ قضَى ذلك عنه ورَثتُه، فإنْ لم يَقدِروا سعَى لذلك مَن يَقدِرُ مِن المسلِمين.

وفي الحديث الذي رواه محمد بن عبدالله بن جحش: “كنَّا جلوسًا عندَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فرَفَعَ رأسَه إلى السماءِ، ثم وضَعَ راحتَه على جبهتِه، ثم قال: سبحان اللهِ! ماذا نزَلَ مِن التَشْدِيدِ؟ فسَكَتْنَا، وفَزِعْنَا، فلما كان مِن الغدِ سأَلْتُه: يا رسولَ اللهِ، ما هذا التشديدُ الذي نزَلَ؟ فقال: والذي نفسي بيدِه، لو أن رجلًا قُتِلَ في سبيلِ اللهِ، ثم أُحْيِىَ، ثم قُتِلَ، ثم أُحْيِىَ، ثم قُتِلَ، وعليه دَيْنٌ، ما دخَلَ الجنةَ حتى يُقْضَى عنه دَيْنُه” (صحيح النسائي).

شَدَّدَتِ الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ في أمرِ قضاءِ الدَّيْنِ، والتَّحذيرِ مِن عدمِ سَدادِه أو المماطلةِ في ذلِك، وأنَّ هذا قد يمنَعُ المسلِمَ مِن دُخولِ الجنَّةِ حتَّى يُقضى دَينُه.

وفي هذا الحَديثِ يقولُ محمَّدُ بنُ جَحشٍ -رَضِي اللهُ عَنه-: “كنَّا جُلوسًا عندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، فرفَع رأسَه إلى السَّماءِ”؛ أي: صوَّب النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بصَرَه إلى أعلى ناحيةَ السَّماءِ، “ثمَّ وضَع راحتَه على جَبهتِه”؛ أي: وضَع باطنَ كفِّه على مُقدَّمِ رأسِه، ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: “سُبحانَ اللهِ!”؛ أي: تَنزيهًا للهِ تعالى، تُقالُ غالبًا عند التَّعجُّبِ والاندِهاشِ مِن عَظيمِ قُقدرةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وهي مِن جُملِ الذِّكرِ الَّتي حَثَّ عليها النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم.

“ماذا نزَل مِن التَّشديدِ؟”؛ أي: ما نزَل مِن أحكامٍ على العِبادِ فيها تَثقيلٌ؟ “فسكَتْنا”؛ أي: سكَتْنا عن طلبِ مَزيدِ جوابٍ مِن النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم على ما أخبَرَ، “وفزِعْنا”؛ أي: خِفْنا، وأشفَقْنا أنْ يكونَ ما نزَل فيه مكروهٌ. قال محمَّدُ بنُ جَحشٍ -رَضِي اللهُ عَنه-: “فلمَّا كان مِن الغَدِ”؛ أي: صباحِ اليومِ التَّالي، “سأَلْتُه: يا رسولَ اللهِ، ما هذا التَّشديدُ الَّذي نزَل؟”؛ أي: طلَب مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أن يُبيِّنَ له ويُفسِّرَ ما ذكَر مِن التَّشديدِ الَّذي أخبَرَهم به.

فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: “والَّذي نفْسي بيدِه”؛ أي: يُقسِمُ باللهِ عزَّ وجلَّ؛ وذلك لأنَّ اللهَ هو الَّذي يملِكُ الأنفُسَ، وكثيرًا ما كان يُقسِمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بهذا القسَمِ، “لو أنَّ رجُلًا قُتِلَ في سبيلِ اللهِ”؛ أي: لو أنَّ رجُلًا قُتِلَ مِن أَجلِ إعلاءِ كَلمةِ اللهِ تعالى، ونُصرةِ دِينِه، “ثمَّ أُحْيِيَ ثمَّ قُتِلَ، ثمَّ أُحْيِيَ ثمَّ قُتِلَ”؛ أي: كلُّ ذلك في سبيلِ اللهِ تعالى، وهذا بَيانٌ لعَظيمِ عمَلِه وما يَتحصَّلُ عليه مِن أجرٍ.

“وعليه دَيْنٌ”؛ أي: وكان هذا الَّذي قُتِلَ في سَبيلِ اللهِ مَدْيونًا بدَيْنٍ لم يَقْضِه، ولم يُسدِّدْه عنه غيرُه بَعدَ مَوتِه، “ما دخَلَ الجنَّةَ”؛ أي: يُحبَسُ عن دُخولِها، “حتَّى يُقضَى عنه دَيْنُه”؛ لأنَّ الدَّيْنَ مِن حُقوقِ العبادِ الَّتي لا بدَّ أنْ تُؤدَّى، وقد بيَّنَتِ الرِّواياتُ: أنَّ أَوْلى النَّاسِ بقَضاءِ دَيْنِ الميِّتِ هم أقاربُه، فإن لم يجِدوا أو لم يقدِروا؛ سعَى لقَضائِه له رَجلٌ مِن المسلِمين أو يعفو عنه صاحبُ الدَّينِ، وقيل: حتَّى يَقضيَ هو دَينَه بنفْسِه، بالقِصاصِ الَّذي يقَعُ منه في الآخرةِ.

وفي الحديثِ: أنَّ نَفْسَ المؤمنِ مُعلَّقةٌ في الآخرةِ بدَيْنِه. وفيه: تَغليظُ الوَعيدِ لِمَن يترُكُ دَيْنًا خَلْفَه، ولم يَسْعَ في قَضائِه. وفيه: بيانُ ما كان عند الصَّحابةِ مِن أدبٍ مع رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم-.

وفي الحديث الذي رواه جابر بن عبدالله: “أنَّ أباهُ توفيَ وعليه دَيْنٌ، فأتيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! إنَّ أبي تُوفيَ وعليه دَيْنٌ، ولم يترك إلا ما يُخرجُ نخلُه، ولا يبلغُ ما يُخرجُ نخلُه ما عليه من الدَّيْنِ، دون سنين! فانطلق معي يا رسولَ اللهِ! لكي لا يفحشَ عليَّ الغُرَّامُ، فأتى رسولُ اللهِ يدورُ بيْدرًا بيْدَرًا، فسلَّم حولَه، ودعا له، ثم جلس عليه، ودعا الغُرَّامَ فأوفاهم، وبقيَ مثلَ ما أخذُوا” (صحيح النسائي).

وهذا يدل على أن الإنسان قد يُحرم من تمام النعيم أو يتأخر حسابه بسبب دين لم يُسدده. ولقد كان النبي ﷺ يتحرَّز من الدَّيْن أشدَّ التحرز، حتى أنه كان يمتنع عن الصلاة على من مات وعليه دين، حتى يتكفل أحد بسداده، وذلك تعظيمًا لحقوق العباد، وتنبيهًا للأمة بخطورة التهاون في هذا الأمر.

إن الدَّيْن في حقيقته حقٌّ للعباد، وحقوق العباد مبنية على “المشاحَّة”، أي لا تُغتفر إلا بردِّها أو بالعفو من صاحبها، بخلاف حقوق الله التي مبناها على المسامحة. لذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يحتاط لنفسه، فلا يستدين إلا لضرورة، وأن يعزم على السداد، وأن يُحسن التدبير حتى لا يُثقل كاهله بما لا يطيق.

ومن صور التقصير المنتشرة اليوم: التساهل في الاقتراض دون حاجة، أو التأخير في السداد مع القدرة، أو نسيان حقوق الناس، وكل ذلك يُعرض الإنسان لمساءلة شديدة يوم القيامة؛ حيث لا درهم ولا دينار، وإنما حسنات وسيئات. وما أجمل أن يتحلى المسلم بالأمانة والصدق، فيُسارع إلى قضاء دينه، ويحرص على رد الحقوق إلى أهلها، ويطلب المسامحة إن عجز؛ فإن في ذلك نجاة له في الدنيا والآخرة.

وفي المقابل، فإن من أعظم القُرَب إلى الله تفريج كُربة المدين، ومساعدته على السداد، أو إسقاط الدين عنه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
ختاماً:

فلنراجع أنفسنا، ولنُبرئ ذممنا، ولنحرص على ألا نلقى الله وعلينا حقوق للعباد؛ فدخول الجنة ليس فقط بكثرة العبادات، بل كذلك بسلامة الصدر، ونقاء الذمة، وأداء الحقوق. اللهم اقضِ عنا الديون، وأغننا بحلالك عن حرامك، واغفر لنا تقصيرنا، واجعلنا من أهل الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!