برمجة العقل.. يبدأ التغيير الحقيقي

بقلم د. إيناس عبد العزيز
إعادة ضبط العقلية ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة وجودية في زمن يضغط على الإنسان حتى يفقد بوصلته. كثيرون يظنون أن النجاح ضربة حظ، أو موهبة نادرة، بينما الحقيقة أبسط وأقسى في الوقت نفسه: ما يصنع الفارق هو ما تفعله يوميًا، لا ما تحلمه ليلًا.
أولى الحقائق التي يجب الاعتراف بها أن الانضباط يتفوق دائمًا على المهارة. المهارة قد تخذلك في يوم، أما الانضباط فلا يعرف الإجازات. هو القرار الصامت الذي تتخذه حين لا يراك أحد، وتلتزم به حتى وأنت متعب، فاقد الشغف، أو مثقل بالشك.
ثم تأتي الخطوات الصغيرة، تلك التي يستهين بها الجميع. لكنها وحدها القادرة على بناء قوة لا تُهزم. التغيير الحقيقي لا يحدث بقفزة، بل بتراكم هادئ لا يلاحظه أحد… حتى يصبح مستحيلًا تجاهله.
أما الراحة المفرطة، فهي أخطر أشكال السجون. سجن بلا قضبان، لكنه يُقنعك أن البقاء حيث أنت هو الأمان. الحقيقة المؤلمة أن كل توسّع في الحياة يبدأ من مساحة غير مريحة، وكل نضج يولد من احتكاك.
وفي طريقك، لا تنشغل بالسرعة. الاتجاه الصحيح أهم من العجلة. أن تسير ببطء نحو هدف واضح خير من الجري بلا وعي في طريق خاطئ. كثيرون أرهقوا أنفسهم، لا لأنهم لم يتحركوا، بل لأنهم تحركوا في الاتجاه الخطأ.
الثقة ليست صفة تُمنح، بل نتيجة طبيعية لعدم التناقض. حين تتطابق أفعالك مع أقوالك، وحين تفي بوعودك لنفسك قبل الآخرين، تتكوّن الثقة بهدوء… وتصبح جزءًا من شخصيتك.
وحين يتأخر الحلم، تذكّر أن كل تأخير ليس فشلًا. أحيانًا يكون تدريبًا قاسيًا على الصبر، أو تجهيزًا داخليًا لاستيعاب ما لم تكن مستعدًا له بعد. الفشل الحقيقي هو التوقف، لا الانتظار.
من أخطر أوهام العقل الاعتقاد أننا نتحكم في النتائج. الحقيقة أنك لا تملك إلا أفعالك. أما النتائج فهي محصلة عوامل كثيرة، لكن الأفعال الصادقة لا تضيع أبدًا، حتى إن تأخر أثرها.
ويبدأ التحول الحقيقي في اللحظة التي تنتهي فيها الأعذار. العذر يريحك لحظيًا، لكنه يسرق مستقبلك بصمت. كل مرة تختار الصدق مع نفسك بدل التبرير، أنت تضع قدمك على طريق النمو.
ولا تنسَ أن السلام النفسي ليس ثمنًا يُدفع، بل مكسبًا يُحافظ عليه. إن كان الطريق يكلفك سلامك الداخلي، فراجع المسار، فبعض النجاحات تُفقر الروح رغم امتلاء اليد.
وأخيرًا، لا تنتظر الكمال. ابدأ بفوضوية، لكن ابدأ. الحركة تصنع الوضوح، والبداية غير المثالية خير ألف مرة من انتظار مثالي لا يأتي.
إعادة ضبط العقلية ليست شعارًا، بل قرار. قرار يومي بأن تعيش بوعي، وتتحرك بشجاعة، وتثق أن التغيير يبدأ منك… الآن
