مقالات

دكتور ياسر جعفر يكتب: الناس معادن

نعم، تجد معادن في بعض الناس نفيسة مع أصحاب الأصول وأصحاب الدين والخُلق وأصحاب المبادئ والقيم الأخلاقية والإنسانية، وهناك من معادن أخس وأردأ المعادن، شيمتهم قلة الأصل والنتانة العفنة الذميمة، لهم قلوب تصدأ كما يصدأ المعدن الرديء مهما تقدم لهم من خدمات ومصالح؛ قلوب استحوذ عليها الحقد، وقلوب غُلف تغلفت بالحقد والحسد وقسوة القلوب. والقائل “الناس معادن” هو رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة: «النَّاسُ مَعادِنُ كَمَعادِنِ الفِضَّةِ والذَّهَبِ، خِيارُهُمْ في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهُمْ في الإسْلامِ إذا فَقُهُوا، والأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَما تَعارَفَ مِنْها ائْتَلَفَ، وما تَناكَرَ مِنْها اخْتَلَفَ» (صحيح مسلم).

كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَبيرًا بأحوالِ بَني آدمَ ومَعادنِهم مِن حيثُ النَّفاسةُ والوَضاعةُ والخِسَّةُ، كما كان بَصيرًا بأحوالِ القلوبِ والأرواحِ الَّتي تَسكُنُ بيْن جَوانحِ النَّاسِ، فعَلَّمَنا مِن ذلكَ كلِّه ما يَنفَعُنا في الدُّنيا والآخرةِ؛ لِنُحسِنَ اختيارَ النَّاسِ والتَّعامُلَ معهم، كلٌّ بحسَبِ حالِه.

وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «النَّاسُ مَعادِنُ» أي: أُصولٌ مُختلِفةٌ ما بيْن نَفيسٍ وخَسيسٍ، كما أنَّ المَعدِنَ كذلك، والمعادنُ جمعُ مَعدِنٍ، وهو الشَّيءُ المُستقِرُّ في الأرضِ، وكُلُّ مَعدِنٍ يَخرُجُ مِنه ما في أَصلِه، وكَذا كُلُّ إِنسانٍ يَظهَرُ مِنه ما في أَصلِه مِن شَرفٍ أو خِسَّةٍ، «خِيارُهم في الجاهليَّةِ خِيارُهم في الإسلامِ إذا فَقُهُوا»، أي: إنَّ مَن كانَ له أصلٌ شَريفٌ في الجاهليَّةِ ثُمَّ أسلَمَ، فإنَّه يَبْقى على هذا الشَّرفِ إذا صار فَقِيهًا في دِينِه؛ فإنَّ الأفضَلَ مَن جمَعَ بيْن الشَّرَفِ في الجاهليَّةِ والشَّرَفِ في الإسلامِ، ثمَّ أضافَ إلى ذلك التَّفقُّهَ في الدِّينِ، والجاهليَّةُ: فَتْرةُ ما قبْلَ الإسلامِ؛ سُمُّوا بِه لكَثرةِ جَهالاتِهم.
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن “الأرواح جنود مجندة”، أي جموع مجتمعة أو أنواع مختلفة، “فما تعارف منها” بأن توافقت في الأخلاق والصفات، وقعت بينها الألفة والاجتماع في هذه الدنيا، وجمعها الصحبة والود، وأعانت بعضها على هموم الدنيا. “وما تناكر منها”: بمعنى تنافر في عالم الأرواح، ولم يتشابه ويتوافق ويتناسب، “اختلف” في هذه الدنيا، وإن تقاربت جسدًا؛ فالائتلاف والاختلاف للأرواح في هذه الدنيا مرده إلى كونها مجبولة على صور مختلفة وشواكل متباينة قديمًا في عالم الأرواح؛ فكل ما تشاكل منها وتشابه، تعارف في هذه الدنيا، ووقع بينه التآلف، وكل ما كان في غير ذلك في عالم الأرواح، تناكر في هذه الدنيا؛ فالمراد بالتعارف ما بينها من التناسب والتشابه، وبالتناكر ما بينها من التباين والتنافر، ويحتمل أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر، والصلاح والفساد، وأن الخير من الناس يحن إلى شكله، وأن الشرير يميل إلى نظيره، فتعارف الأرواح يقع بحسب الطباع التي جبلت عليها من خير وشر، فإذا اتفقت تعارفت، وإذا اختلفت تناكرت.

وعكرمة بن أبي جهل صحابي جليل، واسم أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي القرشي، كان شديد العداوة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو وأبوه، وكان فارسًا مشهورًا، وهرب يوم الفتح فلحق باليمن، فلحقت به امرأته أم حكيم بنت الحارث، فأتت به النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما رآه قال: «مرحبًا بالراكب المهاجر»، فأسلم بعد الفتح سنة ثمانٍ، وحسن إسلامه، وقُتل يوم اليرموك سنة ثلاث عشرة وله اثنتان وستون سنة.

قالت أم سلمة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «رأيت لأبي جهل عذقًا في الجنة»، فلما أسلم عكرمة قال: «يا أم سلمة هذا هو».

(فخيارهم في الجاهلية) سميت جاهلية لكثرة جهالاتهم (خيارهم في الإسلام) لأن اختلاف الناس في الغرائز والطبائع كاختلاف المعادن، فكما أن المعدن منه ما لا يتغير فكذا صفة الشرف لا تتغير في ذاتها، ثم لما أطلق الحكم خصه بقوله: (إذا فقهوا) أي صاروا فقهاء، فإن الإنسان إنما يتميز عن الحيوان بالعلم، والشرف الإسلامي لا يتم إلا بالتفقه في الدين، وقد جعله العرف خاصًا بعلم الشريعة.

فأعلمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن خيار الناس في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وخيارهم في الجاهلية هم أهل الشرف بالأنساب، فإذا فقهوا في الإسلام كانوا خيار أهل الإسلام، وعقلنا بذلك أنهم إذا لم يفقهوا في الإسلام لم يكونوا كذلك، وكان من فقه سواهم ممن ليس له من النسب ما لهم يعلون بذلك.

والتفاخر هو الممنوع أما التفاضل فإن الله يفضل بعض الأجناس على بعض، فالعرب أفضل من غيرهم، لكن إذا كان العربي غير متقٍ والعجمي متقيًا، فالعجمي عند الله أكرم من العربي.

نعم، الناس معادن، فمنهم السهل المنبسط اللين، ومنهم الصعب المنقبض الشديد، منهم الشجاع الجريء المقدام، ومنهم الجبان العاجز الخوار.

منهم الكريم السخي ومنهم البخيل الشحيح، منهم السمح الصفوح ومنهم المستقصي شديد الخصومة، منهم المتأني الصبور الحليم ومنهم الأحمق الغضوب المتسرع، منهم المتواضع ومنهم المستكبر.

كلما استقام الإنسان على دين الله علمًا وعملًا وقولًا وفعلًا وباطنًا وظاهرًا، طابت صفاته وطبائعه وأخلاقه، وبذلك تغلب عليه صفة الملائكة طهرًا وعفةً وصفاءً ورفعةً.

كلما بعد الإنسان عن الدين، وتمرد عليه وفرط في أحكامه، خبثت نفسه، وساءت أخلاقه، حتى تغلب عليه صفة الوحشية؛ كالقتل والاعتداء والحقد، ويصبح معدنه من أخبث المعادن.

وعندما ينقاد الإنسان لرغبات النفس الأمارة بالسوء، ويغرق في الشهوات المحرمة، تغلب عليه صفة البهائمية الحيوانية؛ كالدناءة والخسة والمكر والخديعة والخيانة.

وعندما يتمكن من الإنسان حب الشر والفساد في الأرض، ويصبح همه إشاعة الفاحشة، والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، والصد عن سبيل الله، والعداوة لدينه، ومحاربة أوليائه، تغلب عليه صفة الشيطانية.

عباد الله، الناس يختلفون في توارث الصفات والأخلاق، فمنهم الصالح الذي يأتي من ذريته الصالح والفاسد؛ كابني آدم هابيل وقابيل، ومنهم السيئ الذي يأتي من بعده خلف صالح كآزر صانع الأصنام ابنه خليل الرحمن، ومنهم الصالح يأتي من بعده خلفٌ سيئ كنوح عليه السلام، وابنه كنعان كافر، ومنهم الصالح وخلفه صالح كداود وابنه سليمان.

ومنهم السيئ يخلفه مثله جيلًا بعد جيل؛ كالكفار من قوم نوح؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ﴾ [نوح: 27].

وهذا لوط عليه السلام، لكن زوجته معدنها خبيث وغير مؤمنة، وهذه آسية بنت مزاحم الطاهرة المؤمنة وزوجها الطاغية فرعون الذي قال: “أنا ربكم الأعلى”.

وهذا عكرمة بن أبي جهل صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأبوه مَن أبوه؟ فرعون هذه الأمة أبو جهل عمرو بن هشام. وهذا صفوان بن أمية صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أبوه أمية بن خلف، ومحمد سيد الطيبين، وعمه الهالك أبو لهب.

زر الذهاب إلى الأعلى