لماذا اليأس والقنوط والانتحار بأنواعه؟

بقلم: د. ياسر جعفر

السبب هو الإهمال في فرائض الله! والإعراض عن طاعة الله! {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ}. آيات واضحة وتحذير لكل من يعرض عن ذكر الله!
ربما يسأل القارئ المكتئب: “أنت شايف الظلم وشايف غلاء الأسعار وشايف العنصرية في التوظيف وشايف جور الحكام؟!”. أخي القارئ، اعلم جيداً بأن الحكومة والشعب كالكبد وإنزيماته؛ الحكومة الإنزيمات، والشعب الكبد! إذا أصيب الكبد بالفيروس سترتفع الإنزيمات لأنها مؤشر بأحوال الكبد؛ فلو الشعب “مش تمام” ستنقلب الحكومة على الشعب؟ فينبعي على الشعوب الالتزام بحدود الله، ويلتزم كل إنسان وينصح نفسه وأسرته والمحيطين به.
أما الوصول للانتحار بأنواعه فهو القنوط من رحمة الله!! وفي الحديث الشريف: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا» (الراوي: أبو هريرة | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الترمذي | الصفحة أو الرقم: 2043 | خلاصة حكم المحدث: صحيح).
وفي رواية أخرى: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» (الراوي: أبو هريرة | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم: 5778).
إنَّ حِفْظُ النَّفسِ مِن المَقاصدِ العُليا للشَّريعةِ الإسلاميَّةِ، وقَتلُ النَّفسِ بغيْرِ حَقٍّ مِن أكْبرِ الكَبائرِ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَريصًا على زَجْرِ المُسلمِ عنْ قَتلِ نَفسِه.
وفي هذا الحَديثِ يروي أبو هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قالَ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ»، أيْ: وقع من فَوقِه مُتعَمِّدًا فمات، فَهوَ في نارِ جَهنَّمَ يَتردَّى فيها خالِدًا مُخلَّدًا أبدًا؛ جزاءً وِفاقًا لعَمَلِه.
«وَمَنْ تَحَسَّى» أيْ: تَجرَّع أو شرب «سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ» أيْ: تَعمَّدَ ذَلكَ، فسُمُّه في يَدهِ يَتَعاطاهُ ويَتجرَّعُه في نارِ جَهنَّمَ خالِدًا مُخلَّدًا فيها أبدًا.
«وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ» أيْ: طَعَنَ نَفْسَه بسِلاحٍ أو غَيرِه، فَحَديدَتُه في يَدِه يَطْعُنُ بها في بَطنِه في نارِ جَهنَّمَ خالدًا مُخلَّدًا فيها أبدًا.
وقولُه: «خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» مَحْمولٌ على مَن فَعَل ذلِك مُستحِلًّا له مع عِلْمِه بالتَّحريمِ، أو على أنَّه يَعْني طُولَ المُدَّةِ والإقامةِ التي يُخلَّدُ فيها قاتلُ نفْسِه إنْ أُنفِذَ عليه الوعيدُ، ولا يَعنِي خُلودَ الدَّوامِ؛ إذ قَتْلُ النَّفسِ -دونَ استِحلالٍ لذلك- هو ذَنبٌ وكبيرةٌ مِنَ الكبائِرِ، وليس كُفرًا مُخرِجًا مِنَ المِلَّةِ.
وفي الحَديثِ: الوَعيدُ الشَّديدُ لِمَن قَتَلَ نَفْسَه. وفيه: أنَّ نَفْسَ العَبدِ ليست مِلكًا له؛ فليس له أن يتصَرَّفَ فيها بغيرِ إذنِ مالِكِها سُبحانَه وتعالى!!
فإن الانتحار من كبائر الذنوب، وعلامات سوء الخاتمة، والمُقدِمُ عليه يُخرج نفسَه من ظلمة نكد العيش في هذه الدنيا -على حد زعمه- فإذا هو يُدخلها في ظلمات العذاب في الآخرة، وأولها ظلمة القبر وشدة عذابه، ثم ظلمات جهنم وما يلاقيه من العذاب الشديد، جزاء بما اقترفت يداه!!
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةٌ قَطُّ» (رواه مسلم).
ربما يسأل القارئ ويقول: “إن الحكام لهم دور في بعض الفساد”؟؟؟! أخي القارئ، كثير جداً من الشعوب كانوا هم أصحاب الفساد وكانوا مع أنبياء!!! للأسف الشعوب تميل للفساد في جميع نواحي الحياة العملية من مكر وخداع وخبث وخيانة وكذب ولف ودوران وقلوب مريضة بالحسد والحقد والطمع والميل إلى اللهو، ناهيك عن الضرر بينهم وبين بعض!! وسأعرض نبذة خفيفة لبعض الأنبياء مع شعوبهم؛ فالإصلاح ينبغي من الشعوب أولاً، والحكام ثانياً:
(نوح عليه السلام): اشتكى إلى ربه عز وجل ما لقي من قومه وما صبر عليهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلاَّ خمسين عاماً، وما بيَّن لقومه ووضح لهم ودعاهم إلى الرشد والسبيل الأقوم، فقال: {رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} أي لم أترك دعاءهم في ليل ولا نهار امتثالاً لأمرك وابتغاءً لطاعتك، {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا} أي كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق فرّوا منه وحادوا عنه، {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} أي سدوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه..
فكان عاقبتهم أن الله عز وجل أغرقهم بسبب كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم، وعدم احترامهم له وكان معروفاً بينهم بالعلم والخلق الرفيع والمعاملة الحسنة، فلم يكن لهم من معين ولا مغيث يدفع عنهم نقمة الله عليهم، فكان الخراب والدم!!!!
(قوم إبراهيم وتكذيبهم رسولهم عليه السلام):
فرسول الله إبراهيم عليه السلام هو الآخر لم ينزله قومه حق منزلته، بل كذبوه وحاربوه ووقفوا أمام دعوته؛ فكان عاقبتهم أن دمرهم الله عز وجل وخرب ديارهم، فكانوا عبرة لغيرهم. وقد قص القرآن علينا في أكثر من موضع تفاصيل حالهم مع نبي الله إبراهيم، ولاسيما سورة العنكبوت فقد فصلت في حاله مع قومه، نذكر منها:
(قال الله تعالى): {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 16]، {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [العنكبوت: 24، 25].
فهذه الآيات تكفي كدلالة إلى ما حل بهم من دمار وخراب بسبب طغيانهم وعدم اعترافهم به عليه السلام.
