دين

إعجاز السنة النبوية في النصيحة

بقلم: د. ياسر جعفر

ربما تجنب النصيحةُ الصادقة الإنسانَ مصائب وخسائر كبيرة؛ فالإنسان العاقل ينبغي أن يستمع للنصائح ويشكر مسديها، لأننا في أيامٍ أضحت النصيحة فيها غاليةً جداً، كونها صارت نادرة ومن أندر العملات الذهبية.

استمع للنصيحة لكي تتجنب المصائب؛ والنصيحة تبدأ من الأسرة؛ فالأبناء يستمعون لنصائح الآباء، وكذلك النصيحة بين الأشقاء، كما تمتد النصيحة إلى المجتمع وللأصدقاء والصحب في جميع المعاملات وعلى جميع الأصعدة.

وكذلك تصل النصيحة إلى الدول عن طريق أجهزة أمنية محترفة وعلى وعي عالٍ من التفكير. والنصيحة بين الأشقاء العرب هامة لتجنب الأزمات الاقتصادية والخسارة وخراب الأمن القومي. والدين الإسلامي أوصانا بالنصيحة؛ ففي الحديث الذي رواه عبدالله بن عباس: «الدِّينُ النَّصيحةُ، قالوا: لِمَن يا رسولَ اللهِ؟ قال: لكتابِ اللهِ، ولنبيِّه، ولأئمَّةِ المُسلِمينَ».

وفي رواية تميم الداري: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ» (رواه مسلم).

«التناصح بين المسلمين»

التَّناصُحُ بين المسلمين من مَعالِم الدِّينِ الحَنيفِ، ومِن حُسنِ التَّعامُلِ بين النَّاسِ أن يَتناصَحوا فيما بينهم بالمعروفِ، ودون أن يُحدِثوا مُنكراً أكبَرَ ممَّا يَنصَحون به، مع إخلاصِ المحبَّةِ للمَنصوحِ، ومَعرفةِ حَقِّه لإسلامِه، ومَعرفةِ حقِّه لِمَوقعِه في المُجتمعِ.
وهذا الحديثُ يُوضِّحُ مَعالِمَ النُّصحِ، ولِمَن يكونُ وكيف يكونُ؛ فيُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ النَّصيحةَ هي عِمادُ الدِّينِ وجَوهرُه، ووَسيلةُ ظُهورِه وانتشارِه. والنَّصيحةُ هي: تَحرِّي قولٍ أو فِعلٍ فيه صَلاحٌ لصاحبِه، أو تَحرِّي إخلاصِ الوُدِّ له؛ والحاصلُ أنَّ النَّصيحةَ هي إرادةُ الخيرِ للمنصوحِ له، وهي لفظٌ جامعٌ لمَعانٍ شَتَّى، ويَظهَرُ ذلك في النُّصحِ والتَّناصُحِ بين المسلمين.
فسألَ الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عَنهُم رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لِمَن تكونُ النَّصيحةُ ولِمَن تُوجَّه؟»، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «للهِ، ولكِتابِه، ولرَسولِه، ولِأئمَّةِ المسلمين، وعامِّتِهم».

والنَّصيحةُ لله: هي التعظيمُ لأمرِه، والشَّفقةُ على خلقِه، وتكون بالدَّعوةِ إلى الإيمانِ به، ونَفيِ الشِّركِ وجَميعِ النَّقائصِ عنه، وإخلاصِ العبادةِ كلِّها له سُبحانه.

والنَّصيحةُ لكِتابِه: سُبحانَه وتَعالَى تَكونُ بالإيمانِ بأنَّه كَلامُ اللهِ تَعالَى، مع شِدَّةِ حُبِّه، وتَعظيمِ قَدرِه، وتِلاوَتِه حَقَّ تِلاوتِه، والذَّبِّ عن تَأويلِ المُحَرِّفين له، والتَّصديقِ بما فيه، والِاعتِبارِ بمَواعِظِه، والتَّفَكُّرِ في عَجائبِه، والعَمَلِ بمُحكَمِه، والتَّسليمِ لمُتَشابِهه، ونَشرِ عُلومِه، والدُّعاءِ إليه.

والنَّصيحةُ للرَّسولِ: صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تكونُ باتِّباعِه وتَصديقِه في كلِّ ما جاء به، وتنفيذِ أوامرِه، والانتهاءِ عمَّا نَهى عنه، ومُراعاةِ هَديِه وسُنَّتِه، ومُعاداةِ مَن عاداه، ومُوالاةِ مَن والاه، وإعظامِ حَقِّه، وتَوقيرِه، وبَثِّ دَعوَتِه، ونَشرِ شَريعَتِه، ونَفيِ التُّهمةِ عنها

والنَّصيحةُ لأئمَّةِ المسلمين تكونُ بمُعاونتِهم على الحَقِّ، وطاعتِهم في المَعروفِ، وتَنبيهِهم وتَذكيرِهم برِفقٍ ولُطفٍ وبأنسبِ الطُّرقِ لِمَا غَفَلوا عنه، مع إعانتِهم في إصلاحِ النَّاسِ، وعدَمِ الخروجِ عليهم؛ إلَّا أن يُرَى مِنهم كُفرٌ بواحٌ عِندنا فيه منَ اللهِ تَعالَى بُرهانٌ، وهذا مَشروطٌ بالقُدرةِ وعَدمِ حُصولِ مَفسدةٍ أكبَرَ.

وقد يَشمَلُ المرادُ بأئمَّةِ المُسلمين: عُلماءَ الدِّينِ؛ فمِن نَصيحَتِهم: قَبولُ ما رَوَوهُ، وإحسانُ الظَّنِّ بهم.

والنَّصيحةُ لعامَّةِ المسلمين تكونُ بتَعريفِهم بأوامرِ اللهِ ورَسولِه وبشَرائعِ الدِّين، وبالعملِ على ما فيه نَفعُهم وصَلاحُهم، وإبعادِ الضَّررِ عنهم، وأمرِهِم بالمَعروفِ، ونَهيِهِم عنِ المُنكَرِ برِفقٍ وإخلاصٍ، والشَّفَقةِ عَليهِم، وتَوقيرِ كَبيرِهم والرحمةِ بصَغيرِهم، وتَعهُّدِهم بالمَوعِظةِ الحَسَنةِ، وتَركِ غِشِّهِم وحَسَدِهم، وأن يُحِبَّ لهم ما يُحِبُّ لنَفسِه منَ الخَيرِ، ويَكرَه لهم ما يَكرَه لنَفسِه منَ المَكروهِ، والذَّبِّ عن أموالِهِم وأعراضِهِم، وغيرِ ذلك ممَّا فيه صَلاحُ النَّاسِ في دِينِهم ودُنياهم.

وفي الحديثِ: بَيانُ أنَّ جَوهرَ الدِّينِ يَظهَرُ في التَّناصُحِ بين المسلمين بالمعروفِ. وفيه كذلك: الحثُّ على النُّصحِ لكافَّةِ المسلمين بجميعِ مُستوياتِهم؛ بَدءاً من رأسِ الدَّولةِ وصولاً إلى عامَّةِ النَّاسِ.

قال ﷺ: «المؤمنُ مرآةُ أخيهِ»

يا لَعظمةِ هذا الدينِ العظيمِ الذي لم يترك للناس كنزاً من كنوزِ النصائحِ التي يستنيرون بها في ظلماتِ الحياةِ إلا وقد بينه! ففي هذا الحديثِ العظيمِ توعيةٌ نورانيةٌ وشفافيةٌ قلبيةٌ للنصحِ بين الإخوة. وربما تَنصحُ إنساناً وللأسفِ “يغضبُ ويضيقُ صدره” وتأخذه العزةُ بالإثم، رغم أن هذه النصيحةَ قد تكونُ هي المنجيةَ له من مصائبَ وكوارثَ محققة.

فينبغي على كلِّ إنسانٍ أن يتقبلَ النصيحةَ من أخيه المؤمن؛ ولذلك صور الرسولُ ﷺ “المرآةَ” كأن الناصحَ ينصحُ أخاه ليرى

عيوبَ نفسه من خلاله. يا لها من شريعةٍ عظيمةٍ، ومن رسالةٍ راقيةٍ، ومن رسولٍ عظيمٍ!
فإن كانت هذه المرآةُ على هذه الدرجةِ من الأهميةِ لمظهرنا؛ فإنه لا بد لنا من مرآةٍ تعكسُ صورةَ دواخلنا وبواطنِ شخصيتنا، لنزيدَ الحسنَ حسناً، أو نرفعَ عيباً ونقصاً طرأ علينا. فكان لا بد من مرآةٍ صادقةٍ تُظهرُ انعكاسَ شخصيتنا على حقيقتها دون إفراطٍ أو تفريطٍ، لا غشَّ فيها ولا خداع. وكعادةِ تعاليمِ ديننا الحنيف، فإن اهتمامَه لا يقتصرُ على ظاهرِ الأمورِ دون حقائقِها، وإنما يحرصُ كلَّ الحرصِ على التوافقِ ما بين الظاهرِ والباطنِ؛ فإذا صلحَ الباطنُ واستقامَ، تجلت آثارُه على الظاهرِ دون أن تَمسهُ لوثةُ النفاقِ والخداع.

ومما استوقفني حديث الرسول ﷺ: «المؤمنُ مرآةُ أخيه، والمؤمنُ أخو المؤمنِ؛ يكفُّ عليه ضيعتَه، ويحوطُه من ورائِه» (البخاري، الأدب المفرد)؛ ففيه من لطائف المعاني وجميلها ما يؤكد على ما سبق، ويجذب الانتباه إلى ضرورة أن تكون لك مرآةٌ في نفسٍ مؤمنة، تربطك بها رابطةٌ متينة من أخوة الإيمان، تعكس من خلالها صورتك الحقيقية.

ويوضح لك الحديثُ معالم ومواصفات المرآة التي تحتاجها في سعيك بهذه الحياة؛ فهي تتعدى حدود المادة الضيقة لتنطلق بك من قيودها، وتركز على مثالب أو مناقب لا تعكسها مرآة الزجاج؛ لتؤكد على حاجتنا الماسة لوجود “مرآة الباطن” في حياة كل منا، والتي لا تقل عن حاجتنا لمرآة الظاهر، إن لم تكن أهم؛ فالأولى يمكن الاستغناء عنها، أما الثانية فلا.

ولم يأتِ تحديد حقيقة مرآة باطنك بـ”المؤمن” من فراغ؛ فوحده المؤمن الذي يراعي فيك وفي حقوقك حق الله، فلا يظلمك ولا يبخسك ولا يشوهك. بل لا تتوقف أهمية هذا المؤمن في حياتك على انعكاس صورتك فيه فحسب، بل هو بمثابة الدرع لك؛ يحيطك ويسترك. وقد جاء في تفسير هذا الحديث: «إن المؤمن في إراءة عيب أخيه إليه كالمِرآة المجلوة التي تحكي كل ما ارتسم فيها من الصور ولو كان أدنى شيء؛ فالمؤمن إذا نظر إلى أخيه يستشف من وراء حاله تعريفات وتلويحات، فإذا ظهر له منه عيب قادح كافحه، فإن رجع صادقه» (المناوي، فيض القدير). ومما قاله آخرون حول هذا الحديث: «كن لأخيك كالمرآة؛ تُريه محاسن أحواله وتبعثه على الشكر وتمنعه من الكبر، وتُريه قبائح أموره بلينٍ في خفية، تنصحه ولا تفضحه».

وانظر لجمال التوصيف وتحبيبه للنفس، إذ يدفعك دفعاً أن تبحث عن هذا الأخ وتنزله هذه المنزلة: «(يكف عليه ضيعته)؛ أي يجمع عليه معيشته ويضمها له، وضيعة الرجل ما منه معاشه. (ويحوطه من ورائه)؛ أي يحفظه ويصونه ويذب عنه، ويدفع عنه من يغتابه أو يلحق به ضرراً، ويعامله بالإحسان بقدر الطاقة والشفقة والنصيحة وغير ذلك». قال بعض العارفين: «كن رداءً وقميصاً لأخيك المؤمن، وحُطه من ورائه، واحفظه في نفسه وعرضه وأهله؛ فإنك أخوه بالنص القرآني، فاجعله مرآة ترى فيها نفسك، فكما يزيل عنك كل أذى تكشفه لك المرآة، فأزِل عنه كل أذى به عن نفسه» (المناوي، فيض القدير).

وهذا تصديق لقول النبي ﷺ: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم؛ فإن ذلك نصره» (رواه البخاري).

أوليس تطبيق هذا الحديث في حياتنا يكون بمرآة نعكس بها صور بعضنا؟ فتظهر انعكاسات أعمالنا بمرآة أخوتنا؛ فإن ظُلم أخ لنا نصرناه، وإن انعكست أعماله في مرآتنا ظلماً وعدواناً نصرناه وأظهرنا له عيبه، فأعناه على نفسه بأن كففناه عن ظلمه.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى