دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: «نحن في زمن الغافلين؟!»

نعم، نعيش في زمنٍ الأغلبيةُ فيه غافلون؛ الأغلبية لا يسمعون ولا يفقهون، ولهم أعينٌ لا يبصرون بها. أغلب علامات الساعة ظهرت والناس في غفلة. الأغلبية من الناس مُصرُّون على أكل مال اليتيم، وأكل أموال الناس بالباطل، ويظلمون ويكذبون ويخونون ويغشون ويرتشون ويزورون… إلى آخره من السلوكيات الخبيثة.

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179].

يقول تعالى مبيناً كثرة الغاوين الضالين، المتبعين إبليس اللعين من شياطين الإنس والجن: «وَلَقَدْ ذَرَأْنَا» أي: أنشأنا وبثثنا «لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ»؛ صارت البهائم أحسن حالاً منهم.

«لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا» أي: لا يصل إليها فقه ولا علم، إلا مجرد قيام الحجة.

«وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا» ما ينفعهم، بل فقدوا منفعتها وفائدتها.

«وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا» سماعاً يصل معناه إلى قلوبهم.

«أُولَئِكَ» الذين بهذه الأوصاف القبيحة «كَالأنْعَامِ» أي: البهائم التي فقدت العقول، وهؤلاء آثروا ما يفنى على ما يبقى، فسُلبوا خاصية العقل.

«بَلْ هُمْ أَضَلُّ» من البهائم؛ فإن الأنعام مستعملة فيما خلقت له، ولها أذهان تدرك بها مضرتها من منفعتها، فلذلك كانت أحسن حالاً منهم.

«أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ» الذين غفلوا عن أنفع الأشياء؛ غفلوا عن الإيمان بالله وطاعته وذكره.

خُلقت لهم الأفئدة والأسماع والأبصار لتكون عوناً لهم على القيام بأوامر الله وحقوقه، فاستعانوا بها على ضدِّ هذا المقصود. فهؤلاء حقيقون بأن يكونوا ممن ذرأ الله لجهنم وخلقهم لها؛ فخلقهم للنار، وبأعمال أهلها يعملون. وأما من استعمل هذه الجوارح في عبادة الله، وانصبغ قلبه بالإيمان بالله ومحبته، ولم يغفل عن الله، فهؤلاء أهل الجنة، وبأعمال أهل الجنة يعملون.
هؤلاء هم الغافلون عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. ماذا نحن منتظرون يا أمة الغافلين؟ متى تفيقون من غفلتكم وتتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ؟ الوقت يأخذنا إلى الآخرة، وقد آن الأوان أن تفيقوا من غفلتكم.

لقد رأينا الرويبضة، ورأينا جحود الأبناء، ورأينا الهرج والمرج، ورأينا جند العراق وجند الشام وجند اليمن، ورأينا التطاول في البنيان، ورأينا الأرض الخربة تخرج كنوزها، ورأينا حصار الشام والعراق، ورأينا أبنية مكة تعلو الأخشبين، ورأينا الأمين يُخوَّن، والخائن يؤتمن، والصادق يُكذَّب، والكاذب يُصدَّق، ورأينا الأمانة أصبحت مغنماً، ورأينا استحلال الحرام والحرير والمعازف، ورأينا تقارب الأسواق والأزمان، ورأينا أنفسنا كغثاء السيل، ورأينا تكالب الأمم علينا، ورأينا حكماً جبرياً بالقهر والسلاح، ورأينا دعاة جهنم الذين لهم قلوب شياطين، ورأينا انتشار القلم ووضع السيف، وظهور الطاعون والأوبئة الفتاكة، ورأينا أرض العرب بيضاء يكسوها الثلج.

ماذا تنتظرون؟ أأن تقوم الساعة وأنتم غافلون؟ أم تنتظرون «الطارق» عندما يدمر الأرض وبعدها ترجعون؟ أم بالله عليكم تنتظرون خروج الشمس من مغربها حتى لا تُقبل منكم توبة بعدها؟ وربِّ الكعبة كلنا غافلون؛ فأفيقوا يرحمكم الله قبل فوات الأوان.

ونحن اليوم -أيها الإخوة الأحبة- في عصرٍ طغت فيه الماديات، وكثرت فيه المغريات، وشُغل فيه كثيرٌ من المسلمين عن تحقيق ما يجب عليهم في هذه الحياة؛ فوقع كثيرٌ من الناس -هدانا الله وإياهم- في غفلةٍ عما خُلِقوا له. قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: 1-3]؛ فهذه آياتٌ تهزُّ الغافلين هزاً، فالحساب قد اقترب والناس في غفلة، وآيات الله تُتلى ولكنهم معرضون؛ لا يأتمرون بأوامر الله -عز وجل-، ولا يقفون عند حدوده -جل وعلا-.

إنك لو نظرت الآن إلى واقع كثير من المسلمين يكاد قلبك ينخلع! وكأن المسلم لا يعلم عن دين الله شيئاً، ولا يعنيه أن يسمع “قال الله” أو “قال رسوله”؛ فهو لا يعيش إلا لشهواته ونزواته الرخيصة، وكأنه نسي أنه سيُعرض يوماً على الله -جل وعلا- ليُسأل عن كل شيء، مصداقاً لقوله -سبحانه-: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].

وصف اللهُ الغافلين عن الآخرة بأنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7]؛ غفلوا عن الآخرة فنسوا ربهم، وجهلوا حقيقة مهمتهم، فشرعوا لأنفسهم واستبدوا في أحكامهم وعتوا عتواً كبيراً. لقد كدّوا ذكاءهم، وسخروا علومهم، ووظفوا مخترعاتهم في أسلحة الدمار، والصراع على موارد الخيرات، والتنافس غير الشريف.

قال ابن كثير في قوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾: «أي: أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حُذّاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عن أمور الدين وما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة. قال الحسن البصري: والله ليبلغ من أحدهم بدنياه أن يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه وما يحسن أن يصلي. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية؛ يعني: الكفار يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهال» [مختصر تفسير ابن كثير ج3 ص: 48، 49].

فهؤلاء أقوام نظرتهم إلى الحياة الدنيا نظرة ضيقة محدودة؛ يعلمون ظاهرها؛ وهو ملاذُّها وملاعبها وأحسابها وشؤونها وعمرانها ومساكنها وشهواتهم وأهواؤهم، ويغفلون عما خُلقوا له من عبادة الله -جل وعلا- والإحسان إلى خلقه وعمارة أرضه.

إن هؤلاء الغافلين -أيها الإخوة- الذين أخلدوا إلى الأرض لا يشبعون من دنياهم ولو جمعوا وملكوا كل عروشها، ويظل الظمأ النفسي واللهاث المادي في تواصل دائم. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ [الأعراف: 176]. فسبحان الله العظيم! لقد وُجد من الإنس من لهث وراء الدرهم والدينار حتى عبده، ووُجد منهم من عبد الزهو والفخر، ووُجد منهم من عبد زينة الدنيا الزائلة؛ فتعساً لكل من رضي بغير الله رباً. يقول الرسول ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ؛ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ» [صحيح البخاري: 2887].

زر الذهاب إلى الأعلى