الرَّاحمون يرحمهم الله؛ «ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء».. الرحمةُ على مستوى الفرد تكون بأن ترحم نفسك أيها الإنسان وتلتزم بطاعة الله وسنة رسوله ﷺ، وتتقي الله في نفسك وتتجنب المعاصي. والرحمةُ على مستوى الأسرة تقتضي أن يرحم الأبناءُ الوالدين؛ إذ ينبغي عليهم أن يرحموا الوالدين اللذين ذاقا مرارة الصبر في سبيل تربيتهم، وكذلك على الوالدين أن يرحموا الأبناء بالنصيحة الهادفة لطاعة الله وسنة رسوله وتعليمهم أمور دينهم، وحثهم على حفظ كتاب الله وتعاليمه، واتباع سيرة رسول الإنسانية ﷺ.
وكذلك الرحمةُ في المجتمع؛ ارحموا الضعفاء والمساكين والفقراء، وأيضاً الرحمة بالحيوان بإطعامهم، سواء كانت قططاً أو كلاباً؛ إذ ينبغي الرأفة بها وتقديم الطعام لها. وكذلك الرحمة بالخيول والحمير بعدم تعذيبها بالأحمال الثقيلة؛ «ارحموا من في الأرض يرحمكم الله» مالك الملك جبار السماوات والأرض.
فينبغي أن تكون الرحمة بجميع الضعفاء والمساكين والفقراء والمحتاجين. إنَّ رحمة الله ينالها المرءُ إذا أخذَ بأسباب الرحمة؛ فمَنْ أراد أنْ يرحمه اللهُ فَلْيَرْحَمْ عِبادَه، ففي الحديث: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (رواه الترمذي). وجاء أيضاً: «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (رواه البخاري ومسلم).
«فينبغي أن تكون الرحمة بجميع الضعفاء والمساكين والفقراء والمحتاجين؛ إنَّ رحمة الله ينالها المرءُ إذا أخذَ بأسباب الرحمة، فمَنْ أراد أنْ يرحمه اللهُ فَلْيَرْحَمْ عِبادَه؛ ففي الحديث: “الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ” (صحيح – رواه الترمذي). وجاء أيضاً: “إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ” (رواه البخاري ومسلم).
إن الرحمة في هذا الزمان أضحت أمراً عسيراً، ولم تعد موجودةً بيننا إلا في القليل من الناس، وربما تجدها في الحيوانات بنسبة كبيرة! نحن نعيش وسط ذئاب بشرية، وفي وسط ضباع بشرية يأكل بعضنا بعضاً أحياءً! انتُزعت الرحمة من قلوب البشر، فتجد القسوة في كل مكان؛ في جميع المصالح الحكومية والخاصة والعامة، وعلى جميع الأصعدة وفي كافة المجالات، وللأسف قد تجدها بين الأسر!
تجد قسوة القلب بين الموظفين؛ فقد ذهبت امرأة لمكتب التحويلات لكي تطلب التحويل لابنها الوحيد من محافظة إلى المحافظة التابع لها سكنه، والام تطلب التحويل وتبكي بكاءً شديداً لأن ابنها الوحيد هو من ينفق عليها وعلى نفسه، ولا يوجد عائل لها سوى ابنها الذي يعمل لكي يعيل نفسه ووالدته، ومع ذلك يقول الموظف: “ممنوع”، وتترجى الموظف وكأنه ضبع في هيئة إنسان، وحدث ولا حرج عن هذه النماذج فهي كثيرة جداً!
ناهيك عن الأحداث التي تقع على أرض فلسطين؛ من قصف الأطفال العزل والبيوت بلا رحمة، حيث تتجمع قوى الشر من الغرب ويتكالب الجميع في تحالف القسوة، والمسلمون صم بكم! فأين الرحمة؟ وأين العدل؟ “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” (رواه مسلم).»
«عباد الله.. إنَّ الرحمةَ خُلُقٌ عظيم، ووصْفٌ كريم، أُوتيَه السُّعَداء، وحُرِمه الأشقياء، جَبَلَ اللهُ سبحانه الناسَ عليها؛ بل هذه الرحمة ضارِبةٌ في جُذور المخلوقات، ومُختلِطة بكيان الموجودات، وبها يرحم بعضُهم بعضاً؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، قَسَمَ مِنْهَا رَحْمَةً بَيْنَ جَمِيعِ الْخَلاَئِقِ، فَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى أَوْلاَدِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” (صحيح – رواه ابن ماجه).
فما أحوجَ الناسَ إلى التخلُّق بالرحمة في هذا الزمان الذي غلبت فيه الأهواء، وأُعجِبَ فيه كُلُّ ذِي رأيٍ برأيه؛ فإنَّ الحياةَ لا تستقيمُ إلاَّ بالتَّراحم، وأوَّل مَنْ ينتفِع بالرحمة صاحبُها في الدنيا والآخرة، يقول النبيُّ ﷺ: “أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ” -وذَكَرَ منهم-: “رَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ” (رواه مسلم).
والرحمة الكاملة الشاملة هي رحمةُ اللهِ التي عمَّتْ جميعَ الكائنات، فما من مَوجودٍ إلاَّ ويرحمه اللهُ تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]. ورحمةُ اللهِ تعالى بعباده لا يُمكن حَصْرُها؛ ومن أمثلتِها: تكفُّل اللهِ تعالى برزق عباده؛ فلم يَكِلْ أحداً إلى أحد، وإنما تكفَّل بِرِزق الجميع؛ فلا الأولادُ وُكِلُوا لآبائهم، ولا الآباءُ لأولادهم، بل الجميع تحت فضلِه وكرمِه وإحسانِه، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: 60].
ومن رحمته بِنَا: أنْ بعَثَ فِينا محمداً ﷺ، فهو سيِّدُ الأوَّلين والآخِرين، وهو نَبِيُّ الرحمةِ للعالَمِين أجمعين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، بَعَثَه ربُّه فسَكَبَ في قلبِه من العلم والحِلم، وفي خُلُقِه من الإيناس والبِر، وفي طبعِه من السُّهولة والرِّفق، وفي يدِه من السَّخاوة والندى ما جعله أزكى عباد الرحمن رحمةً، وأوسعهم عاطفةً، وأرحبهم صدراً.»
«نهى رسول الله ﷺ عن الجفاء والغلظة، وحثَّ على الرفق والمعاونة والتعاطف، ووصف مَن لا يتعامل بالرحمة بين الخلق بالشقيِّ، فقال: “لا تُنزع الرحمة إلا من شقيٍّ”. وجاء النبي ﷺ ليُعَلِّمَ الخَلق كيف تكون الرحمة، واستفتح الله تعالى وحيَه إليه بقوله: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولم يقل: (بسم الله الرحمن المنتقم) مثلاً؛ فالرحمة هي بداية الوحي ومبنى الدِّين وعليها مدار الإسلام.
وحثَّنا رسول الله ﷺ على الرحمة والعطف على جميع الخلق بمختلف أنواعها: ارحم الجاهل بعلمك، والفقير بمالك، والكبير بتوقيرك، والصغير بشفقتك، والعصاة بدعوتك، والحيوانات بعطفك؛ فأقرب الناس إلى رحمة الله أرحمهم بخلقه، ومن كثرت شفقته على خلقه ورحمته بعباده رحمه الله برحمته وأدخله دار كرامته.
ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: “إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةَ رَحْمَةٍ، فأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأَرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فلوْ يَعْلَمُ الكافِرُ بكُلِّ الذي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْئَسْ مِنَ الجَنَّةِ، ولو يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بكُلِّ الذي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النَّارِ” (صحيح البخاري).
وفي هذا الحديث يخبرنا النبي ﷺ أنَّ الله عزَّ وجلَّ خلق الرحمة مائة جزء أو نوع، فجعل عنده تسعة وتسعين جزءاً يرحم بها عباده يوم القيامة، وجعل بين خلقه وعباده في الدنيا جزءاً واحداً يتراحمون به فيما بينهم. فما نراه من تراحم الخلق وتوادِّهم وتعاطفهم وصفحهم عن الزلات؛ كل ذلك من أثر تلك الرحمة الواحدة، وهذا يدل على عظيم الرحمة يوم القيامة، ويوضح أنَّ أمر القيامة عظيمٌ جداً حتى إنَّ الله ادَّخر لها تسعاً وتسعين رحمة!
ثمَّ أخبر ﷺ أنَّه لو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييئس من الجنة، فلم يستبعد في نفسه دخولها بل يحصل له الرَّجاء فيها؛ لأنَّ سعة الرحمة تغطي على ما يعلمه من العذاب العظيم. وعبَّر بالمضارع في قوله: “يعلم” دون الماضي إشارةً إلى أنَّه لم يقع له علم ذلك ولا يقع؛ لأنَّه إذا امتنع في المستقبل كان ممتنعاً فيما مضى، وهذا كي لا ييئس العصاة من رحمة الله.»
«وكذلك لو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار، فلم يستبعد في نفسه أنه سيدخلها، والمراد: أنه ينبغي للمسلم ألا يغتر بكثير عمله وطاعته؛ فيفقد مراقبة ربه، ولا ييئس من رحمة الله تعالى بقليل الطاعة والعبادة فيستوجب عذاب الله عليه.
وقد جعل الله الرحمة مئة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل إلى الخلق جزءاً واحداً؛ فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها مخافة أن تصيبه، فإذا كان يوم القيامة عاد هذا الجزء إلى التسعة والتسعين جزءاً فكملت مئة، فيرحم الله -عز وجل- بها خلقه من عباده المؤمنين.
والرحمة أحوج ما يكون إليها هم أقرب الناس إليك؛ فمن هم أحوج الناس إلى رحمتك وشفقتك وإحسانك وبرك؟ أحق الناس برحمتك الوالدان: الأم والأب، ما أحوجهما إلى الرحمة! فارحمهما ولا تعذبهما، وسامحهما ولا تؤاخذهما ولا تهنهما: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24].
إننا معاشر أهل الإسلام، على اختلاف ألواننا وأجناسنا وبلداننا وأعمارنا، في حاجة كبيرة إلى أن نتراحم فيما بيننا كثيراً، وأن يرحم بعضنا بعضاً رحمة شديدة، وأن نكون من الرحماء، وأن تكون قلوبنا مليئة بالرحمة؛ إذ هذا هو وصف أهل الإيمان، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: “تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”.