يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا

بقلم: د. ياسر جعفر

تتجلى جميع صيغ الندم في “ليتني”! إنها صرخة الندم بعد فوات الأوان، وبعد وقوع الفشل والخسران. إن المنهج الإسلامي لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأرشد الناس إلى الصراط المستقيم كي لا يقعوا في المشكلات والمصائب. وندعو الله -سبحانه وتعالى- للأمة أن تتعافى وتعود إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؛ لكي نرتقي ونكون سادة الأمم.
وفي هذا المقال، تنصحنا الآيات الكريمة قبل فوات الأوان لكي لا نندم ولا نتحسر، وتدفعنا لاختيار الصاحب والصديق المؤمن، وتجنب أصحاب السوء؛ لأنهم طرق جهنم، وطرق الهلاك، وطرق الندم. ولقد سمعنا الكثير والكثير عن مشكلات الأصحاب التي أدت إلى الخراب والدمار؛ ولذلك حذرنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من ذلك، لنأخذ حذرنا ونختار الصحبة الصالحة.
إن المرء على دين خليله، وعلى سلوك خليله، وعلى مذهب خليله، وعلى خلق خليله؛ إن كان على خيرٍ كان مثله، وإن كان على شرٍّ كان مثله. يتأثر الخليل بخليله، والصديق بصديقه، والصاحب بصاحبه، والجليس بجليسه، ويكون لذلك أثره في الدنيا والآخرة. إن للصحبة وللخلة أثراً عظيماً على المرء؛ يؤدي إلى الهداية أو الضلالة، ويوصل إما إلى الجنة وإما إلى النار.
وقد أمر الله -عز وجل- في كتابه العزيز بصحبة الصالحين، ومجالسة العابدين الذاكرين، الذين يتطلعون إلى الآخرة، وحذر -جل جلاله- من صحبة الغافلين السافلين المتبعين لأهوائهم، المفرطين في أمورهم؛ لما يترتب على ذلك من أثر في الآخرة، قال الله -عز وجل- في كتابه العزيز: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا» [الكهف: 28].
(واصبر نفسك): الخطاب هنا لمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وفيمن يصح له الخطاب إلى يوم القيامة، وقد وجّه الله -عز وجل- الخطاب إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- حتى يعلم الناس أن كل واحد منهم جدير بهذا الخطاب، وجدير وحقيق بأن ينادى بهذا النداء وأن يؤمر بهذا الأمر؛ لأنه من دون شك: دون محمد -صلوات ربي وسلامه عليه-. (واصبر نفسك): احبس نفسك، اضغط على نفسك؛ فإن الإيمان والتقوى لا يكونان إلا بالإكراه والإجبار، وإلا بالصبر والمصابرة.
(واصبر نفسك): مع مَن؟ وأصاحبُ مَن؟ وأجالسُ مَن؟ «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه»، احبس نفسك والزم مجالس هؤلاء، واصحب هؤلاء. مَن هم يا رب؟ هم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي؛ يعبدون الله ويدعونه ويذكرونه بالغداة والعشي، في الصباح والمساء، بالليل والنهار، نذروا أنفسهم وحياتهم لله عز وجل. هؤلاء هم الذين يُصحبون، هؤلاء الذين يريدون النجاة، الذين يريدون وجه الله (يريدون وجهه)، يريدون الدار الآخرة؛ لم ينظروا إلى الدنيا ولم يتطلعوا إليها، وإنما تطلعوا إلى الآخرة، أولئك هم الأذكياء حقاً.
وينبغي أن يكون الاختيار على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدول؛ ولذلك ينبغي على الدول أن تختار الدول التي لا تدمر الشعوب والشباب بالمخدرات، والتي لا تعادي الدين الإسلامي، والتي لا تكون سبباً في الفرقة والنزاع بين الدول، وألا نأخذ منهم قوانين هدامة ونترك كتاب الله؛ المنهج الذي يحمل قوانين الخير والسعادة للعالم أجمع.
ثم حذر -جل جلاله- من صحبة الأشرار السيئين فقال سبحانه وتعالى: «وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا». لا تطع ولا تسمع، ولا تجالس ولا تلتفت، ولا تتبع هؤلاء الناس الذين وصفهم الله -عز وجل- بهذه الصفات.
ففي الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري:
«لا تُصاحِبْ إلا مؤمناً، ولا يأكلْ طعامَك إلا تقيٌّ» [صحيح أبي داود].
وهذا الحديث توجيه وإرشاد نبوي لمن أراد سلامة نفسه وبيته وعلاقاته مع الناس. وفيه يقول النبي ﷺ: “لا تُصاحِبْ إلَّا مُؤمِناً”؛ أي لا تتخذ صاحباً ولا صديقاً إلا من المؤمنين؛ لأن المؤمن يدل صديقه على الإيمان والهدى والخير، ويكون عنواناً لصاحبه، وأما غير المؤمن فإنه يضر صاحبه.
“ولا يَأكلْ طعامَكَ إلَّا تقِيٌّ”؛ أي المتورع، والمراد: لا تدعُ أحداً إلى طعامك وبيتك إلا الأتقياء؛ فإن التقي يتقوى بطعامك على طاعة الله، وإذا دخل بيتك لم يتطلع إلى عوراتك، وإذا رأى شيئاً ستره عليك، أما غير الأتقياء من الفاسقين فهم على العكس من ذلك؛ فإن الإطعام يُحدث الملاطفة والمودة والألفة، فيجب أن يكون ذلك للمؤمنين والصالحين.
وفي الحديث: النهي عن اتخاذ الأصحاب من الفسقة، والأمر باتخاذهم من الأتقياء المؤمنين. وفيه: النهي عن دعوة الفسقة إلى الطعام، والأمر بدعوة الصالحين.
إذا أطاع العبد قرين السوء، وإذا جالس المرء قرين السوء، وإذا صاحب المرء قرين السوء؛ ماذا يترتب على ذلك أيها الأحبة؟ لا يترتب عليه إلا الضلالة في الدنيا والنار في الآخرة، ثم إذا كان يوم القيامة ندم أشد الندم، وتحسر حسرات كثيرة، ولكن لات ساعة مندم. قال الله -عز وجل- في بيان حال ندم القرين بسبب مقارنته لقرين السوء:«وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا» [الفرقان: 27- 29].
هذا هو حال الإنسان وندمه وبراءته من قرين السوء في ذلك اليوم، سواء كان هذا القرين كافراً، أو فاسقاً عاصياً، ولكلٍ حظه من الندم والحسرة والبراءة. (ويوم يعض الظالم على يديه)؛ حقاً إنه ظالم: ظالم لنفسه؛ لأنه فعل بإرادته، واتبع بإرادته، لم يرغمه الشيطان ولم يرغمه قرين السوء، وإنما دعوه إلى الباطل فاستجاب، فهو ظالم، وسوف يعض في ذلك اليوم على يديه. تأملوا أيها الكرام: ليس على إصبع أو على إصبعين أو على يد، وإنما على يدين، وفي ذلك تصوير لمدى الحسرة والندم الذي يكون عليه الإنسان في ذلك اليوم.
ثم بعدها يتندم: (يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً)؛ يا ليتني اتبعت الرسول وسلكت سبيل الرسول، سبيل الصالحين، سبيل المؤمنين، سبيل المتقين، سبيل الطائعين. ما الذي صرفك عن ذلك؟ (يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً)؛ فلان ابن فلان خليلي وصديقي وصاحبي هو الذي جرني إلى ذلك، أبعدني عن الخير، أبعدني عن الطاعة، أبعدني عن الصالحات، أبعدني عن البر، كان هو السبب في ذلك؛ فيندم أشد الندم.
«يَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّني عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي». جاء الذكر للعالمين، وأنزل الله كتابه، وأرسل رسوله، ووعظ الوعاظ، وحذر المحذرون، وربى المربون، ووجه الآباء والمصلحون، ولكن هيهات! ضحك الشيطان على الإنسان في الدنيا، ولكنه في ذلك اليوم يخذل الإنسان: «وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا». هذه هي النتيجة أيها الأحبة.
(المعنى الإجمالي للآيات): قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: “يخبر الله -تعالى- عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما جاء به من عند الله من الحق المبين الذي لا مرية فيه، وسلك طريقاً آخر غير طريق الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم، وعض على يديه حسرة وأسفاً. وسواء كان نزولها في عقبة بن أبي معيط أو غيره من الأشقياء، فإنها عامة في كل ظالم، كما قال -تعالى-: «يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا» [الأحزاب: 66]”.



