
بقلم : اللواء أشرف عبد العزيز الخبير الأمني والاستراتيجي

بدأ المشهد كأنه لقطة من فيلم “أكشن” بهوليود؛ موكب من السيارات الفارهة، حراسات مشددة، وكاميرات تلاحق كل خطوة.. في قلب هذا الصخب يقف المحامي أشرف نبيل بهدوئه المثير للجدل، يوزع نظرات الثقة التي اعتبرها البعض “تكيراً” ووصفها آخرون بـ “البراند العالمي”.
هذا المشهد لم يكن مجرد استعراض للقوة، بل كان إعلاناً عن عصر “المحامي النجم” الذي يربك الذهنية العامة بكسر الصورة النمطية للمهنة.
ولكن، حين يهدأ غبار المواكب، تبرز الحقيقة الجلية: المحاماة في مصر لا تزال تحكمها “الأصول” و”العراقة”، وهنا نضع الخمسة الكبار في ميزان المقارنة:
1. الدكتور محمد حمودة: فيلسوف القانون وحارس الهيبة
يأتي الدكتور محمد حمودة ليمثل القمة في فلسفة “الهيبة المتراكمة”. هو المحامي الذي دخل المجال العام من باب العلم والمنهج، لا من باب “البراند الشخصي”. هيبة حمودة ليست نتاج مشهد عابر، بل هي ثمرة تاريخ فقهي وثقل فكري يجعل من مرافعاته مراجع قانونية رصينة.
الدكتور حمودة لا يبيع “وهم النجاة”، ولا يتاجر بلحظات الخوف في عيون موكليه، بل يخاطب فلسفة الدستور ومنطق النص. وبينما قد يُتهم البعض بالتكبر لاختيارهم “العلو في السوق”، يظل حمودة فوق الشبهات لأنه اختار “العلو في المنهج”.
هو المحامي الذي بنى هيبته من الداخل إلى الخارج؛ عبر العلم والفكرة، ليظل النموذج الأرقى للمحامي “الكبير” الذي يفرض احترامه بوقاره وهدوئه وأدائه غير الصدامي بصرياً.
2. محمد بهاء أبو شقة: أرستقراطية “الروب الأسود” وهيبة الدولة
يأتي المستشار محمد بهاء أبو شقة كشريك في قمة “الأصول”. هو وريث أرستقراطية المحاماة المصرية، ويمثل مدرسة “الجراح الصامت” الذي لا يحتاج لمواكب أو ضجيج. حضوره وحده داخل القاعة يفرض حالة من الوقار الرسمي.
أبو شقة هو الخيار الأول للملفات السيادية؛ حيث يشتري منه الموكل “الأمان” و”الثقة المطلقة”، ليثبت أن القوة الحقيقية تكمن في الرصانة، وأن الذهب لا يحتاج لطلاء لكي يلمع.
3. محمود عنتر: “ثعلب” الدلتا ومروض القضايا المعقدة
في الشمال، حيث التعقيدات التي تتطلب ذكاءً فطرياً وخبرة ميدانية، يبرز المستشار محمود عنتر. هو المحامي الذي بسط سيطرته على مناطق الدلتا وشمال مصر، ليس بالدعاية، بل بقوة المرافعة والنتائج الصادمة.
عنتر يمثل “السهل الممتنع”؛ يمتلك ذكاءً حاداً في تفكيك القضايا الجنائية والمدنية المعقدة، مما جعله “الرقم الصعب” والأغلى أتعاباً في الأقاليم، منافساً بقوة أساطير العاصمة بفضل خبرته الطويلة التي تزن ذهباً.
4. أشرف نبيل: “صدمة” الحداثة ومنطق الندرة
يمثل أشرف نبيل مساحة “المحامي النجم”. هو الذي اختار طريق “التميز الأعلى ثمناً”، حيث تُدار القضايا بمنطق الندرة والبريستيج. نبيل بنى هيبته عبر الصورة والندرة والسعر، متبعاً استراتيجية تخاطب فئة تبحث عن “التفرد”.
وما يراه البعض “تكيراً”، هو في الحقيقة تعبير عن صدمة ثقافية لمحامٍ كسر الصورة النمطية التقليدية، فأربك الذهنية العامة للمهنة بصورة “المحامي النادر”.
5. مرتضى منصور: “دينامو” الصدام والرأي العام
يبقى مرتضى منصور المدرسة الأكثر صخباً وجرأة. هو المحامي الذي نقل المعركة من قاعة المحكمة إلى شاشات التلفزيون. فلسفته تعتمد على الهجوم الكاسح وخلخلة الخصوم نفسياً وإعلامياً.
ورغم الجدل الدائم حول أسلوبه، إلا أنه حجز مكانه بين الأغلى سعراً بفضل قدرته على تحويل أي قضية قانونية إلى “قضية رأي عام” تتجاوز حدود الأوراق.
خاتمة المقارنة: انتصار الأصول
تتسع مهنة المحاماة للنماذج الخمسة معاً؛ تتسع لمحامي “المنهج والأصول” (حمودة وأبو شقة)، وتتسع لمحامي “الذكاء الميداني” (محمود عنتر)، كما تتسع لمحامي “السوق والبراند” (أشرف نبيل).
لكن يظل الدرس الأهم أن الهيبة الحقيقية ليست في طول الموكب، بل في أن يعرف الإنسان طريقه ويمشيه بثبات. لقد أثبت الدكتور محمد حمودة ومن خلفه أبو شقة وعنتر أن الوقار العلمي والذكاء الراسخ هما العملة الأبقى، وأن “الأصول” دائماً ما تغلب “الاستعراض” في محراب العدالة.
