لماذا وهب الله لنبي الله داود سليمان؟!

بقلم: د. ياسر جعفر

قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [سورة ص: 30]… الهبة من الله عظيمة وسعادة للدارين، حينما وهب الله نبي الله سليمان لسيدنا داود -عليهما السلام- لسبب أنه أواب؛ فينبغي على العباد أن يكونوا عباد الله الأوابين. ولما أثنى تعالى على داود، وذكر ما جرى له ومنه، أثنى على ابنه سليمان -عليهما السلام- فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾؛ أي: أنعمنا به عليه، وأقررنا به عينه. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ سليمان عليه السلام؛ فإنه اتصف بما يوجب المدح، وهو ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾؛ أي: رجَّاع إلى الله في جميع أحواله، بالتأله والإنابة، والمحبة والذكر والدعاء والتضرع، والاجتهاد في مرضاة الله، وتقديمها على كل شيء.
اعلم -يا عبد الله- أنك في صراع دائم مع الشيطان، وهذا العدو الخفي حريص أن يقذف في قلبك اليأس من رحمة الله تعالى، ويحاول أن يثنيك عن التوبة، ويضع لك العراقيل، ويقول لك: “إن توبتك غير صادقة، وأنت تضحك على نفسك فلا تتب”، أو يقول لك: “لا تتعب نفسك بكثرة توبتك واستغفارك؛ لأنك سرعان ما ستعود إلى المعصية، فتوبتك ليست نصوحاً فلا تتعب نفسك، وأبقِ على ما أنت عليه”. وقد يقول له أيضاً: “إن الله لن يتوب عليك ما دام هذا حالك؛ لأنك ستعود”، ونحو ذلك من كلمات ووساوس مفادها منعك وصدك عن دخول باب التوبة. ولا شك أن هذا كله خطأ؛ فخير الخطائين التوابون.
🛑 لقد كان النبي ﷺ يحلف على شيء، ويرى غيره خيراً منه، فيكفّر عن يمينه؛ فكيف بمن يعرف أنه مذنب؟
فالواجب عليه أن يعترف بذنبه عند ربه، ويعود إلى الله تعالى، حتى لو تكرر منه الذنب؛ لأنه في هذه الحالة يحتاج إلى توبة صادقة أخرى. وهكذا نكون في صراع دائم مع الشيطان؛ فالمهم ألا تتمادى في الخطأ والذنب، وإنما بادر إلى التوبة لكي تكون من الأوابين.
لقد مدح الله عز وجل بعض أنبيائه -عليهم السلام- بأنهم أوَّابون رجَّاعون إليه؛ حيث قال عز وجل في حق داود عليه السلام: ﴿اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17]؛ بل كرَّر الله عز وجل هذا المدح له في آية أخرى، وفي نفس السورة؛ حيث قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44].
كما مدح الربُّ عزَّ وجل نبيَّه سليمان؛ لأنه اتَّصف بسرعة أوبته ورجوعه إلى الله عز وجل، فقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30]؛ أي: رجَّاع إلى الله بالاستغفار والتوبة.
قال ابن حجر عن مجاهد قال: “الأوَّاب: الرجَّاع عن الذنوب”، ومن طريق قتادة قال: “المطيع”، ومن طريق السُّدِّيِّ قال: “هو المسبح”.
وحين يذكر الله عز وجل هذه الصفة في بعض أنبيائه، ويُسجِّلها في كتابه، فإنما هي دعوة للجميع للتحلِّي بهذه الصفة الجليلة؛ فالرجوع إلى الحق فضيلة وأيما فضيلة، أما الإصرار على الذنب فأمره خطير، ومآله إلى عذاب أليم.
فالله عز وجل لا يحب المصرِّين على الذَّنْب؛ فإنَّ الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، فكيف بالإصرار على الكبيرة؟
والأوَّابون لهم بعض الصفات التي ينبغي التحلِّي بها إن كنا صادقين بالاتِّصاف بها، أذكر منها سبع صفات:
أولاً: أنه كلما أذنب المرء ذنباً -صغيراً كان أو كبيراً- لم ييأس؛ وإنما تاب منه واستغفر، ولم يستسلم لوساوس الشيطان، ولنا في حديث النبي ﷺ أسوة؛ حيث روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه عز وجل قال: ((أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ))، قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة: “اعمل ما شئت”.
ثانياً: إذا أذنبتَ ذنباً في خلوتك، فبادر إلى التوبة منه، ولا تُعلنه لغيرك؛ فقد قال مجاهد رحمه الله تعالى: «الأَوَّابُ: الْحَفِيظُ الَّذِي يُذْنِبُ الذَّنْبَ سِرًّا، ثُمَّ يَتُوبُ مِنْهُ سِرًّا».
ثالثاً: كلما تذكرت ذنبك فاستغفر منه؛ تكن من الأوَّابين أيضاً؛ فقد روى يونس بن خباب رحمه الله تعالى قال: قال لي مجاهد -وكان لي أخاً-: “ألا أُنبئكم بالأوَّاب الحفيظ؟”، قلت: بلى، قال: “هو الرجل يذكر ذنبه إذا خلا يستغفر لذنبه”.
رابعاً: قبل أن تقوم من مجلسك بادر إلى قول كفَّارة المجلس تكن أوَّاباً؛ فقد قال سفيان رحمه الله تعالى: “الأوَّاب: الحفيظ الذي لا يقوم من مجلسه حتى يستغفر الله عز وجل ويتوب”.
وكفَّارة المجلس رواها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ((كفَّارة المجلس أن يقول العبد: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدَك لا شريكَ لك، أستغفرك وأتوب إليك)).
وأما ثوابها فقد رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ)).
فحافظ -يا عبد الله- على كفَّارة المجلس، وارفع بها صوتك؛ كي يقتدي بك جلساؤك؛ ففيها هذا الدعاء الجميل الذي يتضمن توحيداً وتعظيماً لله عز وجل واستغفاراً وتوبة، ليكفّر عنك ما بَدَر منك في مجلسك وتكون أوَّاباً.
خامساً: إذا رجعت من سفر، فأعلن أوبتك لله كما كان يفعل رسول الله ﷺ؛ حيث روى البراء بن عازب رضي الله عنه، أنَّ النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر قال: ((آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ))، بل جاء في صحيح البخاري أنه كان ﷺ يُكرِّر ذلك حتى يدخل المدينة.
سادساً: حافظ على صلاة الضحى؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب، وهي صلاة الأوابين”. وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: ((أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِصَوْمِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَبِالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ، وَبِصَلاةِ الضُّحَى؛ فَإِنَّهَا صَلاةُ الأَوَّابِينَ)). وجاءت نفس الوصية من رسول الله ﷺ لأبي الدرداء رضي الله عنه.
سابعاً: ادعُ الله تعالى أن تكون أوَّاباً، كما كان النبي ﷺ يدعو بذلك؛ حيث روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان يدعو ويقول: ((رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الهُدَى لِي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا، لَكَ رَهَّابًا، لَكَ مِطْوَاعًا، لَكَ مُخْبِتًا، إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي)).
فالعبدُ الأوَّاب هو الشخص الذي يُخطئ فيستغفر، ثم يعود فيُخطئ فيستغفر، وهكذا هو في صراع دائم مع نفسه الضعيفة ومع الشيطان. فهو إنسان عرف الطريق وسلَكَه؛ فكلما أذنب لم يصُرَّ على معصيته، وإنما يندم ويستغفر، وهكذا هو دَيْدَنُه حتى يُفارق هذه الحياة. فقد روى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ((ما أصَرَّ من استغفر، وإنْ عاد في اليوم سبعين مرة)).
فالمهم -يا عبد الله- ألا تتمادى في الخطأ؛ فإذا علمت أنك أذنبْتَ فتُبْ مباشرةً ولا تتمادَ. ألا تعلم أن الله عز وجل جعل ملك الشمال الذي يكتب السيئات يتريَّث سِتَّ ساعاتٍ قبل أن يكتب تلك السيئة، لعلَّ صاحبها يتوب ويستغفر؟ هل رأيت رحمةً أعظم من ذلك؟ فعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ((إن صاحب الشمال ليرفع القلم سِتَّ ساعات عن العبد المسلم المخطئ، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلا كُتبت واحدة)).
فكن -يا عبد الله- أوَّاباً يحبَّك الله، واعلم أنَّ من العجلة المحمودة: المبادرة إلى التوبة والاستغفار؛ فمن صفات المؤمن التوَّاب أنه كلما وقع في الذنب وتكرَّر منه، عاد إلى التوبة وكرَّرها.
فاندم -رحمك الله- على تقصيرك ووقوعك في المعصية -وكلنا ذاك الرجل- فإنَّ الندم توبة؛ وقد روى أبو سعيد الأنصاري رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال: ((الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له)).
لقد بشّر المولى عز وجل الأوابين بالجنة؛ لأنهم رجَّاعون دائماً إلى طاعته حافظون لحدوده، فقال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق: 31 – 34].
ولذلك روى عبد الله بن بُسْر رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: (طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا)؛ فهذا دليل على كثرة توبة هذا العبد واستغفاره، وأوبته إلى الله عز وجل؛ ولذلك استحقَّ “طوبى” وهي شجرة في الجنة عظيمة. فكن
أوَّاباً يا عبد الله يحبَّك الله، ولكي نصل إلى هذه المرتبة العالية:
كلما أذنبت ذنباً فتُبْ منه ولا تتمادَ، متذكِّراً الحديث القدسي؛ حيث قال الرب عز وجل: ((أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ)).
كلما أذنبت ذنباً في السرِّ، فتُبْ منه سِرًّا ولا تجهر به، كما قال مجاهد رحمه الله.
كلما تذكرت ذنبك فتُبْ واستغفِر منه ولا تغفل عنه، كما قال سفيان الثوري رحمه الله.
كلما هممتَ بالقيام من مجلسك، فقل كفَّارة المجلس قبل أن تقوم.
حافظ على صلاة الضُّحَى؛ فهي صلاة الأوَّابين.
واسأل الله تعالى أن تكون له أوَّاباً؛ فقد كان النبي ﷺ يفعل ذلك. ورطِّب لسانك بكثرة الاستغفار والتوبة والندم، خصوصاً عند وقوعك في أي زلَّة؛ تكن بذلك عبداً أوَّاباً. هكذا مدح الله تعالى نبيَّه أيوب عليه السلام، فقال عنه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44].
ألا تريدُ أن تُمدحَ بهذا المدح؟ ألا تريد أن تنالَ هذا الوسام؟ ليُقال لك: ((أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ)).


