دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: مَن الموعود بالجنة؟!

نعم، ثمة أناسٌ يُوعدون بالجنة، وهذه منحٌ إلهية يغتنمها أصحاب العقول اللبيبة. فمَن هم الموعودون بالجنة في قوله تعالى: ﴿هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق: 32]؟ .

الأوَّاب هو سريع التوبة إلى الله، والحفيظ هو المحافظ على حدود الله؛ فهل هذا بالأمر العسير؟! إنها منح ربانية، فلماذا لا نغتنمها؟ وهي منح عظيمة للإنسان كثير الاستغفار والتوبة، والمحافظ على حدود الله. واسم الإشارة في قوله: ﴿هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ يعود إلى الجنة التي قُرِّبت لهم. والجملة على تقدير القول؛ أي: قُرِّبت الجنة ممن هم أهلها، ويقال لهم عند دخولها: هذا الذي ترونه من نعيم هو ما سبق أن وعد الله تبارك وتعالى به كل “أوَّاب”؛ أي رجَّاع إليه بالتوبة، “حفيظ”؛ أي حافظ لحدوده وأوامره ونواهيه بحيث لا يتجاوزها، وإنما ينفذها ويقف عندها.

من أحب العباد إلى الله: العبد الأوّاب؛ وهو العبد دائم الرجوع إلى الله بالذكر والتسبيح والاستغفار والتوبة. فالمؤمن بربه

المحب له أوَّاب إليه، أي: كثير الرجوع إلى طاعته؛ فكلما شرد، أو ابتعد، أو ضعف في هذه الحياة بموجب النقص البشري، تذكَّر فسارع بالرجوع إلى الطاعة والتوبة والأوبة، وذلك على سبيل الهيبة والتعظيم لربه.

وقد مدح الله عز وجل بعض أنبيائه -عليهم السلام- بأنهم أوَّابون رجَّاعون إليه؛ فقال تعالى في حق نبيه داود عليه السلام: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17]. كما مدح سبحانه نبيه سليمان عليه السلام؛ لأنه اتصف بسرعة أوبته ورجوعه إلى الله عز وجل، فقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30]. وقال تعالى مخاطباً نبيه أيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44].

وحينما يذكر الله عز وجل هذه الصفة في أنبيائه ويخلدها في كتابه، فإنما هي دعوة لجميع المؤمنين للتحلي بهذه الصفة الجليلة؛ فالرجوع إلى الحق فضيلة، والأوبة إليه من محاسن الأخلاق. أما الإصرار على الذنب وعدم التوبة والرجوع إلى الله، فهي من أخطر الأحوال؛ إذ يكون المآل إلى عذاب أليم. فالموفق من حمد الله تعالى وسأله أن يكون من الأوَّابين الذين أثنى الله عليهم بقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.

وهذه الصفة ليست متاحة لكل الناس، وإنما هي لصنفين؛ الأول: مَن ابتُلي بالضراء فرجع لربه وذكر حكمته، وكمال علمه وقدرته وحسن تدبيره فصبر، متأسياً بفعل نبي الله أيوب عليه السلام حين ابتُلي بالمرض والفقر وفقد الأبناء والأحباب؛ فعلم علم اليقين أن هذا اختيار الحكيم وأنه خير له، فصبر عليه ففاز بثناء الله تعالى كما في قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.

والصنف الثاني: مَن ابتُلي بالنعماء فرجع لربه، وذكر إحسانه وبره وهبته وكرمه وجوده ولطفه، فشكر؛ متأسياً في ذلك بنبي الله سليمان -عليه السلام- الذي أُوتي مُلكاً لم يُؤته أحد من قبله ولا من بعده، وسُخرت له الريح تجري بأمره، وكانت الشياطين طوع أمره وفي خدمته؛ فلم ينسب النعمة والفضل لنفسه، ولم يغترَّ بما وهبه مولاه، بل سخّر هذه النعم لخدمة الدين ودعوة بلقيس وقومها للتوحيد؛ فاستحق قول الله تعالى وثناءه عليه: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30].

ولم يقصَّ الله لنا خبرهما عبثاً، وإنما ليهتدي بهداهما السالكون؛ قال الله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]. فيسير العبد الموفق إلى ربه بين (الصبر والشكر)؛ ليحقق هدفه المنشود وأمله الموعود، مجدداً عهده بمولاه وسيده بتوبة نصوح، وإنابة وذل وانكسار، مُقراً بالوحدانية التي من أجلها خُلق، مقتفياً آثار الحبيب ﷺ وخطاه؛ فهذا زاده في رحلته للدار الآخرة ليكون ممن قيل فيهم: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.

وقد وصف الله عباده المؤمنين الصالحين بالأوَّابين فقال سبحانه: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: 25]. وبشّر الأوَّابين بالمغفرة العظيمة؛ فمَن آب إلى الله من ذنبه ورجع إليه، تكررت المغفرة له مع كل أوبة.

وكذلك جعل دخول الجنة جزاءً لكل أوَّاب حفيظ، فقال تعالى: ﴿هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق: 32]؛ فهو حفيظ لكل ما يقربه إلى ربه من الفرائض والطاعات، وحفيظ للذنوب التي سلفت منه بالتوبة منها والاستغفار. كما يتصف هذا الأوَّاب الحفيظ بأنه كثير الخشية لربه؛ قال تعالى: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 33].

والسؤال: كيف تكون عبداً أواباً؟ بدايةً نقول: لقد أخبرنا رسول الله ﷺ أنَّ: “كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ” (رواه الترمذي). والخطَّاء: هو كثير الخطأ والزلل، وكثير الوقوع في الذنوب والمعاصي؛ فالعبد لا بد أن يجري عليه ما سبق به القدر من وقوعه في فعل الذنوب والخطايا؛ ففي الحديث المتفق عليه: “إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ”.

ولكن -كما ذكر أهل العلم- إنَّ العبد لا يُؤتى من فعل المعصية وإن عظمت؛ وإنما يُؤتى من ترك التوبة والأوبة وتأخيرها، فالله عز وجل غفور رحيم يحب التوابين الأوابين، ويحب الذين يعترفون بخطئهم، ويعودون إلى ربهم تائبين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].

فالواجب على العبد أن يعترف بذنبه عند ربه، ويعود إليه، حتى لو تكرر منه الذنب؛ ففي صحيح مسلم: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه عز وجل قال: “أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ”. قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة: “اعْمَلْ مَا شِئْتَ”.

فعليك بتجديد التوبة ليل نهار من الآن فصاعداً، واجعلها شعار يومك؛ ليصفو لك الحال مع الله.

قال طلق بن حبيب: “إنَّ حقوق الله أثقل من أن يقوم بها العباد، وإنَّ نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين”.

قال أحمد بن عاصم: “هذه غنيمة باردة؛ أصلح ما بقي من عمرك، يُغفر لك ما مضى”.

قال تعالى: ﴿إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]. يُخبر الله تعالى عن المتقين وحسن عاقبتهم فيقول: وقُرّبت الجنة يوم القيامة للمتقين إلى موضعٍ غير بعيدٍ عنهم. هذا الجزاء وعدٌ لكل رجَّاعٍ إلى الله تعالى، كثير المحافظة على حقوق الله؛ الذي خاف الله في سرِّه وخلوته، وجاء يوم القيامة بقلبٍ عاكفٍ على حب ربه وطاعته، غير ملتفتٍ إلى ما سواه.

فيُقال لهم يوم القيامة: ادخلوا الجنة بأمانٍ من كل سوءٍ ومكروه، ذلك يوم الخلود في الجنة أبداً. لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم، وعند الله لهم ثواب زائد على ما يريدون مما لم يخطر لهم على بال، وأعظمه النظر إلى وجه الله تعالى!

زر الذهاب إلى الأعلى