فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

بقلم: د. ياسر جعفر

{فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ}؛ فإنه هو الميسر له، المقدر، المجيب لدعوة من دعاه في أمر دينه ودنياه. {وَاعْبُدُوهُ} وحده لا شريك له؛ لكونه الكامل النافع الضار، المتفرد بالتدبير. الرزاق هو الله، ابتغوا عنده الرزق، هو الخالق سبحانه؛ لا تبتغوا الرزق لا من عند فلان ولا من شركة فلان، ولا السفر إلى دولة كذا ولا دولة كذا لأن فيها أموالاً أكثر وفيها شغل أفضل؛ ما عليك إلا أن تسعى وتأخذ بالأسباب، والله هو الرزاق وهو الميسر للأرزاق. لا تعتمد على أحد، لا تعتمد إلا على الله الرزاق سبحانه وتعالى. {وَاشْكُرُوا لَهُ} وحده؛ لكون جميع ما وصل ويصل إلى الخلق من النعم فمنه، وجميع ما اندفع ويندفع من النقم عنهم فهو الدافع لها.
{إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يجازيكم على ما عملتم، وينبئكم بما أسررتم وأعلنتم؛ فاحذروا القدوم عليه وأنتم على شرككم، وارغبوا فيما يقربكم إليه، ويثيبكم -عند القدوم- عليه.
زمان كانوا يتوسلون بالأصنام على أنها ترزقهم، وهناك أصنام في هيئة شياطين الإنس والجن يتوسلون إليهم للرزق وفي أغلبية معيشتهم، ونسوا أن الله هو الرزاق.
اتقوا الله حق تقاته، واعبدوا ربكم، واشكروا له، وأحبوه لما يغذوكم به من نعمه؛ فهو الذي خلقنا ورزقنا، ومن كل نعمه أعطانا، سبحانه هو المعطي الرزاق لجميع المخلوقات، فما من مخلوق إلا وهو متمتع برزقه، مغمور بكرمه، فهو سبحانه القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها، وسع الخلق كلهم رزقه ورحمته، لا يخص بذلك مؤمناً دون كافر، ولا ولياً دون عدو، يسوقه إلى الضعيف الذي لا حيلة له كما يسوقه إلى الجلد القوي، متكفل بالأقوات وإيصالها؛ بحيث يأخذ كل كائن نصيبه من هذه الأرزاق، قال تعالى: ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20].”
“وتدبروا معي قول الله -تعالى-: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: 19]؛ إن الرزاق -سبحانه وتعالى- قريبٌ من خلقه، تكفّل بهم من غير عوضٍ أو حاجة، فيسَّر أسبابهم، وقدّر أرزاقهم، وهداهم لما يصلحهم؛ فنعمته عليهم سابغة، وحكمته فيهم بالغة. يحب عباده الموحدين، ويتقبل صالح أعمالهم، ويقرّبهم وينصرهم على عدوهم، ويعاملهم بعطف ورحمة وإحسان، ويدعو من خالفه إلى التوبة والإيمان.
فسبحان الرزاق الذي يرزق البرّ والفاجر؛ فلم يقتل خلقه جوعاً بمعاصيهم، بل وسَّع عليهم في أرزاقهم؛ حيث جعل رزق العبد من الطيبات، وقدَّر جميع رزقه، ووزَّعه على سني عمره، ولم يدفعه إليه مرة واحدة فيبذّره، ولم يمنعه رحمته؛ كي لا يهلك.
لقد أثنى الله -تبارك وتعالى- على ذاته العلية، فوصف نفسه بأنه الرزاق، فقال -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56 – 58]. كما أشار -سبحانه- إلى أن رزقه أفضل الرزق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: 11]. كما بيّن أن رزقه للعباد صورة من صور لطفه بهم، فقال -جل وعلا-: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: 19]. وأخبر أن رزقه ليس له عدٌّ ولا حساب، لكن لمن شاء من عباده: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: 212].”
“وقد يرزق الله بعض عباده بأسباب غير معتادة للخلق؛ فمن ذلك أنه رزق مريم -عليها السلام- بأنواع المطاعم والمشارب بكرة وعشياً، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 37].
وهو الرزاق -سبحانه- الذي تكفل بأرزاق الخلائق جميعاً، قال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: 60].
اطمئن أيها صاحب الإيمان الضعيف، اطمئن أن رزقك على الله ليس على عبد زيك زيه، ولا تذل نفسك لعبد مهما كان؛ خذ بأسباب السعي بدون تذلل لأحد؛ رزقك على الله وليس على العبد، وكل واحد بياخذ نصيبه. سبحانه هو الذي خلق الأرزاق، وأعطى الخلائق أرزاقها، وأوصلها إليهم، وهو القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها، وهو الذي يرزق جميع خلقه بلا كلفة ولا ثقل ولا مشقة، وخزائنه مملوءة بكل شيء يحتاجه الخلق، وهو -سبحانه- يصرّف الأرزاق، ويقسمها على الخلائق بحسب علمه وحكمته كيف يشاء؛ سبحانه يرزق كل مخلوق رزقاً بعد رزق.
والرزاق -سبحانه- هو الذي خلق الأرزاق، وأعطى الخلائق أرزاقها، وهو القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها، وخزائنه مملوءة بكل شيء يحتاجه الخلق، يصرّف الأرزاق ويقسمها على الخلائق بحسب علمه وحكمته كيف يشاء، وهو المتفرد بالرزق وحده لا شريك له، قال -سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: 3].
لا تحسبوا أن الرزق مجرد أموال ووظائف وأولاد فقط، بل هناك رزق الأرواح وهو أطيب الأرزاق وأفضلها؛ فالإيمان والتوحيد هو الرزق النافع الذي يوصل العبد إلى أعلى الغايات، ويرزقه الله من يستحقه ويشكره، فيمُنّ -سبحانه- برزق القلوب بالعلوم النافعة والإيمان الصحيح، ثم التخلق بالأخلاق الجميلة، والتنزه عن الأخلاق الرذيلة، ويحصل العبد الخير الوفير من هذا الرزق.
والأرزاق تزيد بالشكر، وتنقص بالكفران والمعاصي، قال -سبحانه-: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7].
وإذا استحضر العبد أن الرزق من الله لزم شكره، ولم يشكر غيره؛ لأن شكر غيره نكران للجميل، وجحود للمنعم، وعندما نشكر الآخرين إنما نشكرهم لأنهم كانوا أسباباً وأدوات لوصول ذلك الرزق، وننسب الفضل أولاً وأخيراً لصاحب الفضل كله.”
“ومن آثار الإيمان باسم الله الرزاق: أن الرزاق هو وحده الذي يستحق أن يُفرَد بالعبادة ولا يُشرَك معه غيرُه، وأن يُفرد بالشكرِ والثناء، وشكر غيره تابعاً لشكره -سبحانه-؛ ولذلك أنكر الله على المشركين عبادتهم لغيره مع رزقه إياهم، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: 73].
ومن آثار الإيمان باسم الله الرزاق: أن تظهر على العبد آثار فضل الله -سبحانه- ومَنّه عليه، ولا يجحد النعم فيخفيها، بل يعلن نعم الله عليه شكرًا لله، وهذا مما يحبه الله -عز وجل-؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فإذا أتاك الله مالاً فَلْيُرَ عليك أثر نعمة الله وكرامته» (النسائي وصححه الألباني)، وقال: «إنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى نِعَمَهُ عَلَى عَبْدِهِ» (صححه الألباني).
ومن آثار اسم الله الرزاق: الإحسان إلى عباده، والصدقة والإنفاق في سبيل الله؛ فإن المال مال الله تعالى، وقد حصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجوه الانتفاع في الرزق في أمور، كما جاء عن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ، أَوْ أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ» [مسلم (2958)].
ينبغي أن نرضى بقسمة الرزاق -سبحانه-، ونسأله وحده الرزق، كما قال إبراهيم -عليه السلام-: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 17]، وقوله -تعالى- على لسان عيسى -عليه السلام-: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: 114].”
“وعلى المسلم أن يثق كل الثقة أن الرزق بيد الله وحده؛ لا يزيده حرص حريص، ولا يردّه كراهية كاره، ولذلك ينأى المسلم بنفسه عن أن يأكل مالاً حراماً، كما يحرص على ألا يذل نفسه لأي مخلوق من أجل لقمة العيش، وما دام أن رزقك لا يمسكه أحد أو يقدر على منعه؛ فاطلبه منه وحده. ولا تتعجل في رزقك وتدخل في الرشاوي وأكل أموال الناس بالباطل.
هناك فكرة خاطئة يعتقدها بعض الناس، وهي أنهم يظنون أن مجرد عطاء الله لخلقه وتوسعته عليهم في الرزق دليلٌ على محبة الله لهم، وهذا فَهْم غير صحيح؛ فكثرة الرزق في الدنيا لا تدل على محبة الله -تعالى- للعبد ورضاه عنه؛ لأن الله يعطي الدنيا مَن يحب ومَن لا يحب؛ قال الله: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ [الفجر: 15 – 17]؛ أي ليس الأمر كما يظنون ويزعمون؛ فقد يكون الكفار أكثر رزقاً وأفضل صحة، والمؤمن قد يكون مضيقاً عليه في رزقه؛ حماية له وصيانة من فتن الدنيا.”

