دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: لا خير للبشرية جمعاء إلا في ثلاث

نعم، لا خير للعالم أجمع سواء على المستوى الشخصي، أو مستوى الأسرة، أو المجتمع، أو الدولي؛ إلا في ثلاثة أعمال يقوم بها الشخص، أو الأسرة، أو الدولة، أو المجتمع! ربما يسأل القارئ: وما هي؟ أقول له: تعال معي لنتصفح كتاب الله سبحانه وتعالى؛ قال تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

لا خير في الكلام الكثير بين الناس في جميع المجالات إلا في ثلاثة أعمال هامة جداً:

أولاً: (الصدقة).

ثانياً: (معروف: كلمة طيبة، فعل طيب، أو عمل بر).

ثالثاً: (الإصلاح بين الناس؛ أي إصلاح ذات البين).

هذه الثلاثة هي خير الدنيا والآخرة، وهي فلاح الإنسان في الدنيا والآخرة. الكلام الكثير والتحدث عن البطولات والمشاريع والنهضة بدون هؤلاء الثلاثة لا خير في جميع الأقوال والأفعال إلا فيها. والله إن رسالة الإسلام من أعظم الرسائل على الإطلاق؛ لأن فيها نفع البشرية جمعاء، وتحث على الجوهر والمضمون بعيداً عن العبث في الكلام والأفعال؛ فالكلام الكثير بدون فعل غير مرغوب فيه شرعاً، ولكن ينبغي بالفعل في الأقوال والأعمال.

ففي هذه الآية الكريمة حثٌ على ثلاثة أمور هامة جداً للبشرية جمعاء؛ ففي الأولى وهي (الصدقة): فيها خير لك في الدنيا والآخرة، وخير لغيرك بتخفيف أعباء وهموم عن أشخاص في أشد الاحتياج للصدقة؛ قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.”

“فيا أيُّها الإنسان، خُذ من هذه الآية الكريمة العظة والعبرة لك ولغيرك، ولا تغرنك صحتك ولا قوتك ولا جاهك؛ إنما هي أنفاس معدودة وآجال محدودة؛ فلا تغرنك المناصب، ولا التكالب على حطام الدنيا وجمع أموالها من هنا وهناك، واعلم أن الحياة تمر مراً سريعاً؛ فتدارك نفسك، واحمِ نفسك من نار لا تطيقها ولا تطيق رؤيتها؛ احمِ نفسك من ذلك بصدقة تنفقها لفقير أو مسكين وأنت في هذه الدنيا الفانية؛ تنفعك في الدار الباقية.

إن الصدقة مهمة جداً، ولو لم تكن كذلك لما ذكر الله عز وجل هذا المثال في هذه الآية المذكورة في صدر هذا المقال، وتكمن فوائد الصدقة في الأمور الآتية:

الصدقة تطفئ غضب الرب؛ يروى حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء»؛ يبين هذا الحديث الشريف أن الصدقة سبيل لمرضاة الله عز وجل، كما أنها سبيل لحسن خاتمة الإنسان؛ الله أكبر.

الصدقة تكفر السيئات؛ لقول الله تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 271].”

“- «ما نقص مال من صدقة»؛ هذا حديث يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ يبين فيه النبي الكريم أن الصدقة لا تنقص المال. وقد يسأل سائل: كيف ذلك؟ وهو سؤال وجيه، وللإجابة عنه أقول وبالله التوفيق: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261]؛ يتبين من هذه الآية الكريمة الأجر العظيم الذي يناله المتصدق من ماله؛ أفلا يحرص المسلم على نيل هذا الأجر العظيم؛ خاصة للمحتاجين من الفقراء والمساكين؟ إن من لم يفعل ذلك إنه لمغبون!!

تُعتبر الصدقة من أحبّ الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى، لهذا فقد حثّ عليها في العديد من آياته الكريمة، كما وأنّ الرسول محمداً -صلى الله عليه وسلم- أمر جميع المسلمين بتأدية الصدقات وعدم تركها، وذكر هذا الموضوع المهم في العديد من أحاديثه الشريفة. فيما يلي سنُسلّط الضوء على أهمية الصدقة في الإسلام والسنة النبوية الشريفة وأهم أنواعها.”

“يعتبر الإنفاق في سبيل الله من أجمل الأعمال التي يقوم بها المسلم، وهذا نوع من التضحية بشيء من المال لأجل الله تعالى ومرضاته؛ عمل قليل ولكنه عظيم الأجر عند الله تعالى. وعلى المسلم أن يتذكّر أنه هو وجميع ما بين يديه ملك لله لا ملك له؛ لأنه سيفارقه ويتركه لغيره، ولا يملك إلا ما كان من العمل صالحاً وخالصاً لله تعالى.

لا شك أن للصدقة أهمية كبيرة في حياة المسلم؛ فالصدقة تعلّم المسلم عدم التعلق بالمال والدنيا، وتعلّمه التضحية والبذل في سبيل الله، وتعلّمه الشعور بإخوانه الفقراء والمحتاجين، كما تعلّمه الرحمة والرأفة بخلق الله تعالى، وتدفعه للتعاون والاجتماع والمحبة؛ فلا بدّ للمؤمن أن يحافظ على ما يقوّي في قلبه الرحمة والشفقة ويدفعه لمواساة عيال الله بالمساعدة والمساندة. والصدقة باب عظيم لذلك؛ إن أخلص فيه لله يحظى منه بالخير الوافر والأجر العظيم. موضوع الصدقة يحتاج لمجلدات؛ لأن آثارها على صاحبها وعلى المجتمع فضل عظيم، وتجعل في المجتمعات عدلاً ومساواة، وتقضي على ظاهرة الفقر؛ فلا نهضة ولا فلاح، ولا نجاح ولا راحة بال (إلا) بالصدقة!!

الأمر الثاني من الآية: وهو (أو معروف)؛ المعروف يقع تحت أي بند خير يقوم به الإنسان؛ سواء كلمة طيبة، أو عمل إماطة الأذى عن الطريق، أو مساعدة أي إنسان محتاج سواء بالمال أو بالعلاج أو توفير وسائل الراحة له! ففعل الخيرات مفتوح في جميع المجالات والمعاملات.

والأمر الثالث من الآية: (الإصلاح بين الناس، أي إصلاح ذات البين)؛ من أفضل السلوكيات الراقية التي حث عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «الإصلاح بين الناس»؛ فهو سلوك أصحاب النفوس العالية الذين يحبون للآخرين ما يحبون لأنفسهم، ويعملون على تحقيق أمن واستقرار مجتمعاتهم؛ لأن التخاصم والتنازع بين أفراد المجتمع يؤدي حتماً إلى انتشار العداوات والمفاسد بين الناس، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.

ولنا في رسول الله أسوة حسنة؛ فلقد كان عليه الصلاة والسلام يسعى بنفسه للصلح بين المتشاحنين مؤكداً بذلك أهمية الإصلاح بين الإخوة المؤمنين؛ فعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- أن ناساً من بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء، فخرج إليهم النبي في أناس من أصحابه يصلح بينهم، وفي رواية قال: «اذهبوا بنا نصلح بينهم».”

“تقول أم كلثوم بنت عقبة -رضي الله عنها-: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً»، وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها.

كما قال -صلى الله عليه وسلم- لصحابته الكرام: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين». ففي وصايا الرسول وسلوكه العملي دعوة نبوية كريمة إلى «الإصلاح بين الناس» حتى يعيشوا في أمان واطمئنان!! هل هناك أروع من كذا آية في كتاب الله جمعت الخير كله للبشرية جمعاء؟ ما أجمل وأعظم هذا الدين! إنه الصلح والإصلاح بين الناس.

وما أحوج الأمة اليوم إلى هذه الخصلة الحميدة، وإلى هذا الخلق العظيم، في زمن كثرت فيه الصراعات والنزاعات، والهجر والقطيعة؛ فلم يسلم منها الأقارب فيما بينهم، ولا الجار مع جاره، ولا الأصدقاء ولا الشركاء.

والصّلح: تصالح القوم بينهم، والإصلاح: نقيض الإفساد. وإصلاح ذات البين: إزالة أسباب الخصام والنزاع، بالتسامح والعفو، أو بالتراضي.

فمِن أخلاق الإسلام، وصنائع المعروف: الصلحُ بين الناس إذا تقاطعوا، والصلح بين الناس إذا تهاجروا، وقطع أسباب الضغائن والشحناء، وقطع أسباب الفتن والبغضاء؛ فإنها من أعظم الأمور المقربة إلى الله جل وعلا.”

“• تحذير الأمّة من الهَجْر والقطيعة:

عباد الله: الاختلاف من سجايا البشر، والتنازع من عاداتهم؛ وذلك لاختلاف أخلاقهم وطباعهم، ولتنافسهم في حظوظ الدنيا من المال والشرف وغيرهما: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: 118، 119].

وأكثر الناس يغضبون لأجل الدنيا ولا يغضبون للدّين؛ تنتهك حرمات الله تعالى فلا يتحرك قلب أحدهم، ولكنه يغضب أشد الغضب إذا انتُقِصَ شيء من دنياه، أو اعتُدِي على كرامته، ولأجل ذلك تكثر الخصومة فيما بينهم، بل قد تكون الخصومة على أمور حقيرة، وأسباب تافهة، ولكن الشيطان ينفخ فيها حتى تعظم في نفوس المتخاصمين.

وقديماً اشتعلت حرب البسوس بين بَكر وتغلب فدامت أربعين سنة أكلت القبيلتين من أجل ناقة عُقِرت! واشتعلت حرب داحس والغبراء في خيل سُبقت، وليس ثمن الناقة أو الخيل أغلى من ثمن الرجال والقبائل حتى تُسَعَّر الحروب في سبيلها، ولكنه الشيطان الذي يُشعل الفتن الكبيرة من مستصْغَر شرَرها؛ فإن قُضي على أسبابها في بادئها وإلا نفخ الشيطان في نارها حتى تُفنى قبائل فيها.

وكم من قتيل ذهبت روحه في خصومة بدأت صغيرة فكبرت حتى فقدته أسرته! وكم من رحم قُطِعت سنوات طويلة بسبب كلام قيل في فلان أو نُقل عنه؟! وكم من إخوان تهاجروا في وشاية سرت بينهم؟!” .

زر الذهاب إلى الأعلى