
بقلم: د. ياسر جعفر
🍃 نعم، إن احتكار السلع وجميع المواد الغذائية على الناس ظلم واستبداد! الاحتكار يحمل كل معاني الظلم والاستبداد والحبس المؤدي إلى الإضرار بالناس، وهو عام يشمل القوت وغيره متى وجد سببه؛ ولهذا أجمع العلماء على أنَّ الاحتكار منهي عنه في التشريع الإسلامي لما فيه من الإضرار بالناس والتضييق عليهم، واتفقوا على أنَّه محرم، واستدلوا بقول الله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} (الحج: 25).
وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «الجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ».
وقوله ﷺ: «القَاصُّ يَنْتَظِرُ المَقْتَ، وَالمُسْتَمِعُ يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ، وَالتَّاجِرُ يَنْتَظِرُ الرِّزْقَ، وَالمُحْتَكِرُ يَنْتَظِرُ اللَّعْنَةَ».
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والبزار والحاكم مرفوعاً: «مَنِ احْتَكَرَ طَعَاماً أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرِئَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ».
وروى ابن عساكر عن ابن عمر مرفوعاً: «مَنْ تَمَنَّى عَلَى أُمَّتِي الغَلَاءَ لَيْلَةً وَاحِدَةً أَحْبَطَ اللهُ عَمَلَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً».
وروى ابن عساكر أيضاً عن معاذ مرفوعاً: «مَنِ احْتَكَرَ طَعَاماً عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ يَوْماً وَتَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ».
وروى أحمد والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً: «مَنِ احْتَكَرَ حُكْرَةً يُرِيدُ أَنْ يُغْلِيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ خَاطِئٌ»، وفي رواية: «مَلْعُونٌ وَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ وَرَسُولِهِ».
وروى الأصبهاني وابن ماجه بسند حسن مرفوعاً: «مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ، ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ وَالْإِفْلَاسِ».
وأخرج الطبراني: «بِئْسَ الْعَبْدُ الْمُحْتَكِرُ؛ إِنْ أَرْخَصَ اللَّهُ الْأَسْعَارَ حَزِنَ، وَإِنْ أَغْلَاهَا فَرِحَ»، وفي رواية: «إِنْ سَمِعَ بِرُخْصٍ سَاءَهُ، وَإِنْ سَمِعَ بِغَلَاءٍ فَرِحَ».
وأخرج رزين: «يُحْشَرُ الْحَاكِرُونَ وَقَتَلَةُ الْأَنْفُسِ فِي دَرَجَةٍ، وَمَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ سِعْرِ الْمُسْلِمِينَ يُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعَذِّبَهُ فِي مُعْظَمِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وأخرج أحمد عن معقل بن يسار: «مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُقْعِدَهُ بِعَظِيمٍ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قال: سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة ولا مرتين.
ولقد أصبح الاحتكار ركيزة من ركائز النظام الرأسمالي الحديث، وسمة من سمات التعامل الاقتصادي في معظم الشركات، رغم أنه يحمل في طياته بذور الهلاك والدمار؛ لما يسببه من ظلم وعنت وغلاء وبلاء، ولما فيه من إهدار لحرية التجارة والصناعة، وسدٍّ لمنافذ العمل وأبواب الرزق أمام غير المحتكرين!
إن الاحتكار هو حبس ما يحتاج إليه الناس، سواء أكان طعاماً أم غيره مما يكون في احتباسه إضرار بالناس وتضييق للحياة عليهم، وهذا بإطلاقه شامل لكل شيء من المواد الغذائية، والثياب، ومنافع الدواء، والأراضي، والأدوية، وآلات ومواد الإنتاج الزراعي والصناعي كالمحاريث والأسمدة، كما يشمل منافع وخبرات العمال، وأهل المهن والحرف والصناعات، والفنيين، وأصحاب الكفاءات العلمية، إذا احتاجت الأمة إلى مثل تلك السلع والمنافع والخدمات؛ إذ (المناط) هو حقيقة الضرر من حيث هو بقطع النظر عن نوع الشيء المحتكر، فيُجبر هؤلاء على بذل ما لديهم رعاية لحق الأمة، ودفعاً للضرر عنها في مثل هذه الظروف، بالثمن أو أجر المثل العادل إذا امتنعوا عن ذلك! .
كل من يحتكر شيئاً عن الشعوب سوف يرى ألوان العذاب في الدنيا والآخرة، والفقر والإفلاس وأنواع البلاء والأمراض! وزيادة الأسعار تدخل في الاحتكار بسبب طمع وجشع التجار؛ فمن طمع التاجر أنه يبالغ في سعر السلع، وبعد ذلك من فرط طمعه تتلف، وأخيراً يكون مصيرها الإلقاء في القمامة.
هب شمعون إلى إحدى القرى النائية، وطلب شراء كل حمار لديهم بـ 10 دولارات، فباع البعض حميرهم. بعدها رفع السعر إلى 15 دولاراً للحمار، فباع معظم السكان حميرهم. ثم رفع السعر إلى 30 دولاراً، فباع باقي سكان القرية حميرهم حتى لم يبقَ في القرية أي حمير.
عندها قال لهم شمعون: «أنا أحتاج المزيد من الحمير، ومستعد لشراء الحمار الواحد بـ 50 دولاراً». حينها زاد الطلب على الحمير، وبحث الناس عنها في قريتهم والقرى المجاورة فلم يجدوا.
في ذلك التوقيت، أرسل شمعون للقرية أحد أعوانه الذي لم يظهر معه من قبل ويدعى شارون، وقدم نفسه على أنه تاجر حمير، وأن لديه حميراً للبيع بـ 40 دولاراً للحمار الواحد، فقرروا جميعاً الشراء من شارون بـ 40 دولاراً؛ حتى يعيدوا بيع تلك الحمير لشمعون بـ 50 دولاراً، لدرجة أنهم دفعوا كل مدخراتهم، بل واستدانوا جميعاً من بنك القرية حتى أخرج البنك كل السيولة الاحتياطية لديه.
كل هذا فعلوه على أمل أن يحققوا مكسباً سريعاً؛ ولكن للأسف، بعد أن اشتروا الحمير (وهي في الأصل حميرهم) بسعر 40 دولاراً للحمار، لم يروا شمعون الذي عرض الشراء بـ 50 دولاراً، ولا حتى شارون الذي باع لهم! بل واكتشف كل منهم أنه اشترى حمار جاره دون أن يدري؛ بسبب الطمع وعدم التركيز في الصفقة.
وفي الأسبوع التالي، أصبح أهل القرية عاجزين عن سداد ديونهم المستحقة للبنك، وأعلن البنك إفلاسه لعدم وجود سيولة نقدية لديه، وكل ما لديه صكوك ورقية بمبالغ وديون معدومة لن يراها أهل القرية المفلسون.
وأصبح لديهم حمير لا تساوي حتى ربع قيمة الديون؛ فلو حجز عليها البنك مقابل ديونهم فإنها لا قيمة لها عنده، وإن تركها لهم أفلس تماماً ولن يسدده أحد.
بمعنى آخر، أصبحت على القرية ديون وفيها حمير كثيرة لا قيمة نقدية لها؛ لأن الحمار أصل قيمته لا يزيد عن 8 دولارات، وظل سعره يرتفع حتى وصل إلى 40 دولاراً.
وبسبب الطمع ضاعت القرية، وأفلس البنك، وانقلب الحال رغم وجود الحمير، وأصبح مال القرية والبنك بكامله في جيب شمعون وشارون.
الدولار يرتفع، فيرتفع سعر كل شيء.. الكهرباء، والمواصلات، والخبز، والخضار، والملابس… إلخ، ولا يرتفع أي عائد على الناس.
وعندما ينخفض.. فلا ينخفض أي شيء مما سبق!.. لماذا؟! الجواب عند أحفاد شمعون.. وحكامنا.


