وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا

بقلم: د. ياسر جعفر

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾؛ آية من كلام رب العالمين فيها دعوة عامة للناس جميعاً بالدعوة بالكلام الحسن والخلق الحسن، كلام طيب بعيداً عن التلفظ بالقول السيئ الخبيث. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾ [البقرة: 83].
للأسف، تجد الكلام الخبيث قد انتشر في المجتمع بين كثير من الناس، وفي الأعمال العامة والخاصة أسلوب الكلام رديء جداً وألفاظ منحطة، وتجد في بعض المصالح منبعاً للألفاظ الرديئة وكأنها موطن لها. ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾؛ ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة، وغير ذلك من كل كلام طيب.
ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله، أُمِر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق، وهو الإحسان بالقول؛ فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار. التَّنابُزُ بالألقابِ من الرَّذائِلِ التي تُفسِدُ الأخُوَّةَ، وتوغِرُ الصُّدورَ، وقد نهى القرآنُ الكريمُ عنها، ودعا في آياتٍ كثيرةٍ إلى الحَسَنِ من القَولِ واجتنابِ القبيحِ منه. ومن الآياتِ الدَّالَّةِ على ذلك:
1- قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 11].
عن أبي جُبَيرةَ بنِ الضَّحَّاكِ قال: فينا نزلت هذه الآيةُ في بني سَلِمةَ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 11]، قال: قَدِم علينا رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وليس منا رجُلٌ إلَّا وله اسمانِ أو ثلاثةٌ، فجعل النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يقولُ: «يا فُلانُ»، فيقولونَ: مَهْ! يا رسولَ اللهِ إنَّه يغضَبُ من هذا الاسمِ، فأُنزِلَت هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11].
قال الطَّبريُّ: (إنَّ اللهَ تعالى ذِكرُه نهى المؤمِنينَ أن يتنابَزوا بالألقابِ…، وعمَّ اللهُ بنهيِه ذلك، ولم يَخْصُصْ به بعضَ الألقابِ دونَ بعضٍ؛ فغَيرُ جائزٍ لأحدٍ من المسلِمينَ أن يَنبِزَ أخاه باسمٍ يَكرَهُه، أو صفةٍ يكرَهُها).
2- قال تعالى كاشفاً عن خُبثِ اليهودِ حينَ أرادوا الإساءةَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونَبْزَه بلَفظٍ قبيحٍ -على أحَدِ الأقوالِ في الآيةِ- فنهى اللهُ المؤمنينَ عن قولِه وإن كان قَصدُهم حَسناً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 104].
قال القُرطبيُّ: (ذلك أنَّ المُسلِمينَ كانوا يقولون: راعِنا يا رسولَ اللهِ، من المراعاةِ، أي: أَرعِنا سَمعَك، أي: فَرِّغْ سَمعَك لكلامِنا. يقال: أرعى إلى الشَّيءِ، ورعاه، وراعاه، أي: أصغى إليه واستمَعَه. وكانت هذه اللَّفظةُ شَيئاً قبيحاً بلُغةِ اليهودِ، وقيل: كان معناها عندَهم: اسمَعْ لا سَمِعْتَ، وقيل: هي مِن الرُّعونةِ؛ إذا أرادوا أن يحَمِّقوا إنساناً قالوا له: راعِنا، بمعنى: يا أحمقُ! فلمَّا سمِعَ اليهودُ هذه اللَّفظةَ من المُسلِمينَ قالوا فيما بينهم: كنَّا نَسُبُّ مُحمَّداً سِرّاً، فأعلِنوا به الآنَ، فكانوا يأتونه ويقولون: راعِنا يا محمَّدُ، ويضحَكون فيما بَينَهم، فسَمِعها سَعدُ بنُ مُعاذٍ ففَطِن لها، وكان يَعرِفُ لُغتَهم، فقال لليهودِ: لئِنْ سَمِعتُها من أحَدِكم يقولُها لرسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأضرِبَنَّ عُنُقَه، فقالوا: أولَستُم تقولونها؟ فأنزل اللهُ تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾؛ كي لا يجِدَ اليهودُ بذلك سبيلاً إلى شَتمِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم).
3- وقال تعالى آمِراً بما يؤلِّفُ القُلوبَ ويجمَعُها، وما يضادُّ التَّنابُزَ بالألقابِ وما كان مِثلَه من آفاتِ اللِّسانِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10].
قال ابنُ رَجَبٍ: (فإذا كان المؤمِنونَ إخوةً أُمِروا فيما بَينَهم بما يوجِبُ تآلُفَ القلوبِ واجتماعَها، ونُهُوا عمَّا يوجِبُ تنافُرَ القلوبِ واختلافَها… وأيضاً: فإنَّ الأخَ من شأنِه أن يوصِلَ إلى أخيه النَّفعَ، ويكُفَّ عنه الضَّرَرَ).
4- وقال تعالى يحُثُّ عِبادَه على أن تنطِقَ ألسِنَتُهم بالكلامِ الحَسَنِ الذي يُضادُّ التَّنابُزَ بالألقابِ وما كان مِثلَه من مساوئِ الأقوالِ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].
قال ابنُ كثيرٍ: (قولُه تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي: كَلِّموهم طَيِّباً، ولَيِّنوا لهم جانباً…، قال الحَسَنُ البَصريُّ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾: فالحُسنُ من القولِ: يأمُرُ بالمعروفِ وينهى عن المُنكَرِ، ويحلُمُ، ويعفو، ويصفَحُ، ويقولُ للنَّاسِ حُسناً كما قال اللهُ، وهو كُلُّ خُلُقٍ حَسَنٍ رَضِيَه اللهُ).
5- وقال تعالى آمراً بقولِ الكلمةِ التي هي أحسَنُ، ومحَذِّراً ممَّا يكونُ سبباً لنزَغاتِ الشَّياطينِ، ولا ريبَ أنَّ منها التَّنابُزَ بالألقابِ: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: 53].
أي: (قُلْ -أيُّها الرَّسولُ الكريمُ- لعبادي المؤمنينَ أن يقولوا عِندَ محاورتِهم لغيرِهم الكلمةَ التي هي أحسَنُ، والعبارةَ التي هي أرَقُّ وألطَفُ؛ وذلك لأنَّ الكلمةَ الطَّيِّبةَ تَزيدُ في المودَّةِ التي بَينَ المؤمِنينَ، وتَكسِرُ حِدَّةَ العداوةِ التي بَينهم وبَين أعدائهم. وقَولُه سُبحانَه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ تعليلٌ للأمرِ السَّابقِ، أي: إنَّ الشَّيطانَ يتربَّصُ بكم، ويتلمَّسُ السَّقَطاتِ التي تقعُ من أفواهِكم، والعَثَراتِ التي تنطِقُ بها ألسنتُكم؛ لكي يُشيعَ الشَّرَّ بَينَكم، ويَبذُرَ بُذورَ الشَّرِّ والبغضاءِ في صُفوفِكم).
وفي الحديث الذي رواه عبدالله بن مسعود: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتَالُهُ كُفْرٌ» (صحيح البخاري).
حَثَّ الإسلامُ على احترامِ الأعراضِ والدِّماءِ، ودَعا المُسلِمين إلى الأُخُوَّةِ والتَّراحُمِ وعدَمِ انتهاكِ حُرماتِ بَعضِهم البعضِ. وفي هذا الحديثِ يَنْهى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن سَبِّ المسلمِ أخاهُ المسلمَ وشَتْمِه، ويُوضِّحُ أنَّ التَّكلُّمَ في عِرضِه بما يَعيبه يُعدُّ فُسوقاً، وهو الخُروجٌ عنِ الطَّاعةِ للهِ ورسولِه صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بارتكابِ ما نهَيَا عنه، وهو في عُرفِ الشَّرعِ أشدُّ مِن العِصيانِ.
«وقِتالُه كُفرٌ» وليس المُرادُ بالكُفرِ هنا حقيقتَه الَّتي هي الخُروجُ عنِ المِلَّةِ، وإنَّما أُطلِقَ عليه لَفظُ الكُفرِ مُبالَغةً في التَّحذيرِ؛ لِيَنزجِرَ السَّامعُ عن الإقدامِ عليه، أو أنَّه على سَبيلِ التَّشبيهِ؛ لأنَّ ذلك فِعلُ الكافرِ. وقدْ يُحمَلُ الكُفْرُ على الحقيقةِ إنِ استَحلَّ ذلك. وفي أصلِ الرِّوايةِ عندَ البُخاريِّ أنَّ التابعيَّ أبا وائلٍ شَقيقَ بنَ سَلَمةَ سَأَلَ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه عن المُرجئةِ -مِن الإرجاءِ وهو التَّأخيرُ، وهم فِرقةٌ يَقولون: لا يضُرُّ مع الإيمانِ مَعصيةٌ، ويَزعُمون أنَّ مُرتكِبَ الكبيرةِ غيرُ فاسقٍ- فرَوى ابنُ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه هذا الحديثَ، والذي فيه إثباتُ ضَرَرِ المَعصيةِ، وأنَّها تُؤثِّرُ في إيمانِ صاحِبِها. وفي الحديثِ: أنَّ بَعضَ الأعمالِ يُسمَّى كُفْراً؛ فدَلَّ على أنَّ بعضَها يُسمَّى إيماناً.
وعن أبي هُرَيرةَ قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «المُسلِمُ أخو المُسلِمِ، لا يَظلِمُه، ولا يَخذُلُه، ولا يَحقِرُه».
قال القاري: (أي: لا يحتَقِرُه بذِكرِ المعايبِ وتنابُزِ الألقابِ والاستهزاءِ والسُّخريَّةِ إذا رآه رثَّ الحالِ، أو ذا عاهةٍ في بدَنِه، أو غيرَ لائقٍ في محادثتِه؛ فلعَلَّه أخلصُ ضميراً وأتقى قلباً ممَّن هو على ضِدِّ صِفتِه، فيَظلِمُ نفسَه بتحقيرِ مَن وَقَّره اللهُ).
وعن أبي هُرَيرةَ قال: سُئِل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أكثَرِ ما يُدخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فقال: «الفَمُ والفَرجُ». وذلك لأنَّهما يوقعانِ النَّاسَ في الإثمِ؛ فالفَمُ لِما يتأدَّى به من فِعلٍ وقولٍ؛ فالفِعلُ كالطَّعامِ والشَّرابِ المحَرَّمِ، والقَولُ باللِّسانِ كالكُفرِ والغِيبةِ والنَّميمةِ، وإبطالِ الحَقِّ وإبداءِ الباطِلِ، ومن ذلك التَّنابُزُ بالألقابِ إلى غيرِ ذلك، وحِفظُ اللِّسانِ مِلاكُ أمرِ الدِّينِ كُلِّه، وأكلُ الحلالِ رأسُ التَّقوى كُلِّها.
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]؛ إن الله تبارك وتعالى أمرنا بأن نقول أحسنَ الحديث، وبيَّن أن أحسنَ الكلام وأطيب الحديث ما قرَّبك من الله عز وجل، ورأس الكلام هو أن تدعو إلى الله تبارك وتعالى. والقول الحسن هو ذلك القول الذي اجتمع فيه حسن اللفظ وحسن المعنى، والقول الحسن هو أن يكون بلِينٍ، وينبغي أن ننتقي الكلام انتقاءً ونعتني به؛ لأن القول الحسن هو هداية وتوفيق من الله، والكلمة إما أن ترفعك في الجنة درجاتٍ، وإما أن تهوي بقائلها في النار دركاتٍ؛ فالقول الحسن وقاية للإنسان من النار.
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]؛ لأن القول الحسن من علامات الإيمان؛ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيُكْرِم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]؛ لأن القول الحسن مُوجِب من موجبات الجنة؛ عن أبي عبد الرحمن الحبلي، حدَّثه عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة غُرفةً يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها»، فقال أبو موسى الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن ألانَ الكلامَ، وأطْعَمَ الطعام، وبات لله قائماً والناس نِيام».
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]؛ الكلمة الطيبة هداية الله وفضله لعباده: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: 24].
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]؛ فهي رسالة المرسلين، وسِمَةُ المؤمنين، دعا إليها رب العالمين في كتابه الكريم فقال:
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: 53].
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]؛ لأن الكلمة الحسنة هي الرِّفعة والرضا والرضوان؛ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد لَيتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يُلقي لها بالاً يُرفَع له بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم».
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]؛ لأن القول الحسن شجرة سامقة، أصلها ثابت وفرعها في السماء؛ يقول جل جلاله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: 24 – 26].
يقول ابن القيم -رحمه الله-: “شبَّه الله سبحانه الكلمة الطيبة -كلمة التوحيد- بالشجرة الطيبة؛ لأن الكلمة الطيبة تُثمر العمل الصالح، والشجرة تثمر الثمر النافع”.
(مجالات القول الحسن)
الدعوة إلى الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]؛ له تأثيره في نفسية المدعوِّ، وله أثر كبير على نجاح الدعوة إلى الله، ولا تكن فظّاً غليظاً فينفضَّ الناس من حولك؛ قال الله تعالى في حقِّ حبيبه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].
ولو كنتَ سيِّئَ الكلام والأخلاق، قاسيَ القلب والطِّباع؛ لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله حسَّن أخلاقك وألان جانبك لهم تأليفاً لقلوبهم؛ كما قال عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه-: “إني أرى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة: إنه ليس بفظٍّ، ولا غليظ، ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح”.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 33 – 36].
ووقوع من يدعو إلى الله في القول السيئ والسبِّ والفُحش في القول ليس من منهج الأنبياء؛ ولهذا جاء في السُّنَّة في بيان خُلُقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم نفيُ هذه الصفات عنه؛ فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحِّشاً، وكان يقول: إن من خياركم أحسنَكم أخلاقاً».





