دين

إنما أخشى عليكم هلاك الدنيا!

بقلم: د. ياسر جعفر

أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ إلى البَحْرَيْنِ يَأْتي بجِزْيَتِهَا، وكانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو صَالَحَ أَهْلَ البَحْرَيْنِ، وأَمَّرَ عليهمُ العَلَاءَ بنَ الحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأنْصَارُ بقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَتْ صَلَاةَ الصُّبْحِ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمَّا صَلَّى بهِمُ الفَجْرَ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا له، فَتَبَسَّمَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ رَآهُمْ، وقالَ: «أَظُنُّكُمْ قدْ سَمِعْتُمْ أنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قدْ جَاءَ بشيءٍ؟»، قالوا: أَجَلْ يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: «فأبْشِرُوا وأَمِّلُوا ما يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ لا الفَقْرَ أَخْشَى علَيْكُم، ولَكِنْ أَخْشَى علَيْكُم أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا وتُهْلِكَكُمْ كما أَهْلَكَتْهُمْ».
الراوي: عمرو بن عوف المزني | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 3158 | خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

رسول الإنسانية يحذر من إغواء الدنيا للإنسان! فينبغي على الإنسان التنافس في الخيرات (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم… الآية)؛ فالتسارع والتنافس في عمل الخير مطلوب، ولكن التنافس على الدنيا فيكون في هلاك الإنسان. ونحن نرى ونشاهد تنافساً وصراعات على الدنيا كأننا في غابات الحيوانات، ونجد بشراً في صورة ذئاب بشرية، وبشراً في صورة ضباع، وبشراً في صورة أسود، وبشراً في صورة غزال!! الكل يتسارع ليأكل الفريسة، مش مهم يأكلها حية أو ميتة أو يقطع نفسها! مش مهم الحرام والحلال!!؟ الكل أهم شيء عايز ينهش، وأعماه طمعه وجشعه وأنساه حبه للدنيا: (إذا حلت أوحلت، وإذا كست أوكست، والسير فيها غذاء ضار)!!! .

أصبح البشر همهم التسارع على الكراسي، على الأموال، على الغنى!؟ ، مع العلم أن الرسول حذر بالهلاك، وبالفعل فيهم هلاكهم، وهناك أسماء عديدة بالآلاف كانوا فريسة للدنيا أهلكتهم ودمرتهم بسبب تنافسوها، ونسوا ما هو الأهم: ذكر الله وطاعة الله وتطبيق ما جاء به الكتاب والسنة النبوية!؟،  نرى الأخ ممكن يقتل أخاه علشان كم فدان ولا كم ألف جنيه!!؟ ، ونرى المحاكم مليئة بالغرائب والعجائب من المصائب بسبب البشر!؟ ونرى أموراً تشيب لها الولدان بسبب التنافس على دنيا زائلة.

امتلأت القلوب والنفوس أمراضاً وفيروسات قاتلة بسبب التنافس على الدنيا!؟ ، امتلأت النفوس والقلوب بالحقد والحسد والجشع والطمع وأكل أموال الناس بالباطل والنصب والاحتيال!؟ كل هذا بسبب التنافس على دنيا فانية!!؟ .

الفقر والغنى محنتان من الله تعالى، وبليتان يبلو بهما أخيار عباده؛ ليظهر صبر الصابرين، وشكر الشاكرين، وقد كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الفقر، ويحذر من فتنة الغنى والمال.!! وفي هذا إنذار بما سيقع، وقد وقع ما أخبر صلى الله عليه وسلم؛ إذ فتحت الدنيا بعده وبسطت، وحصل التحاسد والتقاتل وما هو معروف مما يشهد بمصداق خبره صلى الله عليه وسلم.

وفي الحَديثِ: أنَّ طَلَبَ العَطاءِ مِنَ الإمامِ لا غَضاضةَ فيه. وفيه: البُشرى مِنَ الإمامِ لِأتباعِه، وتَوسيعُ أمَلِهم منه. وفيه: أنَّ المُنافَسةَ في الدُّنيا قد تَجُرُّ إلى هَلاكِ الدِّينِ؛ بسبب التنافس والصراعات التي نراها في بعض الدول التي تنافست على الدنيا، كما حدث في صراعات دول الشرق الأوسط، وللأسف أضرت بالدين ودخلت الفتنة بينهم!؟ .

وصَدَقَ الحبِيبُ الْمَحْبوبُ في قولِهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ: “نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ للرَّجُلِ الصَّالِحِ” (أوْرَدَهُ الْهَيْتَمِيُّ في زوائِدِ ابنِ حِبّانَ)!! فرَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ يَخافُ على أُمَّتِهِ مِنْ حُصُولِ الفِتْنَةِ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِ كَثْرَةِ المالِ فَيَتَنَافَسُوا فِي هذهِ الدنيا، وما كانَ يخشى على أمَّتِهِ أن يَجْتَاحَهُمُ الفَقْرُ في المستقبلِ.

وقد استَعَاذَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ مِنْ فتنةِ الفَقْرِ ومِنْ فِتْنَةِ الغِنَى، فَقَالَ صَلَواتُ رَبِّي وَسَلامُهُ عليهِ: “وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ ومنْ فتنَةِ الغِنى”. فَالفَقْرُ منهُ ما هُوَ مُفْسِدٌ لِصَاحبِهِ، والغِنَى منهُ ما هوَ مُفسِدٌ لصاحبِهِ. وَمِنَ الغِنَى مَا هُوَ مُصْلِحٌ لِصَاحبِهِ، لكنَّ أكثرَ الأغنياءِ تَسُوءُ حَالتُهُمْ وَبَعْضُهُمْ يتكبَّرُونَ على النّاسِ وينْطلِقُونَ في الحَرامِ ويَفسُدونَ، وبَعْضُهُمْ يعمَلُونَ الخيراتِ لأَهْلِهِمْ وَلِغَيْرِهِمْ.

وَبَعْضُ الناسِ إذا أصابَهُمُ الفَقْرُ قدْ يَسْرِقونَ -والعياذُ باللهِ- وبَعْضُ الناسِ يَصْبِرونَ على الفَقْرِ ولا يَعصُونَ اللهَ؛ فهَؤُلاءِ فقرُهُمْ يُصلِحُهُمْ وَيَنْفَعُهُمْ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الأنبياءَ والأولِيَاءَ أكثرُهُمْ فُقَراءُ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلّمَ يقولُ: “يَدْخُلُ فُقَرَاءُ المُهَاجِرينَ الجنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمائةِ عامٍ”.

فيا أخي المؤمنُ، إنْ كُنْتَ مِنَ الفُقَـرَاءِ فَلَا تَعْتَرِضْ علَى اللهِ ولا تلجَأْ إلى الحرامِ، واقْتَدِ بالفقراءِ منَ الصحابَةِ الكرامِ وبالفقراءِ منَ التابعينَ الكرامِ؛ اقتدِ بأبِي هُريْرَةَ الذي كانَ يُغْمَى عليهِ منْ شِدَّةِ ألَمِ الجـوعِ ومَعَ ذلكَ لازَمَ مجلِسَ رسـولِ اللهِ، فكانَ أكثرَ الصحابةِ رِوَايةً عنْ رسولِ اللهِ.

واقتَدِ بِخَيْرِ التابعينَ أُوَيْسِ بنِ عامرٍ القَرَنِيِّ الذي شهِدَ لهُ رسولُ اللهِ منْ طريقِ الوحيِ؛ لأنّهُ مِنْ شدّةِ الفَقْرِ لَمْ يُسافِرْ ليلتَقي برسولِ اللهِ؛ كانَ في اليمَنِ ورسولُ اللهِ في المدينةِ، فمِنْ شِدَّةِ فَقْرِهِ لَمْ يُسَافِرْ إلى المدينةِ، فرسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ شهِدَ لهُ منْ طريقِ الوَحيِ فقال: “إنّ خيرَ التابعينَ رجلٌ يُقالُ لهُ أُوَيْسُ بنُ عَامِرٍ مِنْ مُرادٍ ثُمّ منْ قَرَنٍ”.

ثُمّ تذكّرْ يا أخي المؤمنُ أنّ مَنْ أُعطِيَ الدّنيا ولَمْ يُعطَ الإيمانَ فكأنّمـا ما أُعْطِيَ شيئاً، وَمَنْ أُعْطِيَ الإيمانَ ولَمْ يُعطَ الدّنيا فكأنّما ما مُنِعَ شيئاً. وإنْ كنتَ مِمّنْ أنعَمَ اللهُ عليهِ، إنْ كُنتَ مِنَ الأغنياءِ فليكُنْ قُدْوَتَكَ الأغنياءُ مِنَ الصحابةِ الكرامِ؛ كأفضلِ الصحابةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ -رضيَ اللهُ عنهُ- الذي أنْفَقَ الكثيرَ الكثيرَ مِنْ أموالِهِ في مرضاةِ اللهِ، حتّى إنّهُ أتى عليهِ يومٌ دعا فيهِ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ إلى بَذْلِ المالِ في مصالِحِ المسلمينَ فأنفَقَ سيِّدُنا أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- جميعَ ما عنْدِهِ.

أخي المسلمَ، الدّنيا ساعةٌ فاجعلْها طاعةً، وتذكّرْ أنّكَ كراكِبٍ استظلّ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَها، وأنَّ المالَ الممْدوحَ مُبارَكٌ فيهِ وَلَنِعْمَ المالُ هوَ، وأنَّ المالَ المذْمُومَ غَيْرُ مُبارَكٍ فِيهِ ولَبِئْسَ المالُ هوَ؛ فَاحْرِصْ على جَمْعِ المالِ مِنْ طريقِ الحلالِ وَصَرْفِهِ في الحلالِ، وإِيَّاكَ ثُمّ إيّاكَ أنْ تَغُرُّكَ الدّنيا ويُوَسْوِسَ لكَ الشيطانُ ويُزيِّنَ لكَ الحرامَ.

اللهمّ ارزُقْنا مالاً حلالاً طيِّبًا مباركاً فيه، وبارِكْ لنا في حَلالٍ وَلَوْ كانَ قَليلاً، واصرِفْ عنّا الحرامَ الكثيرَ يا قادرُ يا كريمُ. هذا وأستَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم.

زر الذهاب إلى الأعلى