التناصح صفة المؤمنين!

بقلم: د. ياسر جعفر

عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه».
(الراوي: أبو هريرة) | (المحدث: الألباني) | (المصدر: صحيح أبي داود)
الصفحة أو الرقم: 4918 | خلاصة حكم المحدث: حسن.
(التخريج: أخرجه أبو داود (4918) واللفظ له، والبزار (8109)، والطبراني في مكارم الأخلاق (92)).
ومنه في المجازات النبوية: (المؤمن مرآة أخيه)، وفي رواية أخرى: (مرآة أخيه المؤمن)؛ يرى فيه حسنه وقبحه!
بعض التوضيح للمعاني: (الضيعة) ضيعة الرجل حرفته وصناعته ومعاشه وكسبه، يقال: ما ضيعتك؟! أي ما حرفتك، وكانت ضيعة العرب سياسة الإبل والغنم، وهي عند الحاضرة مال الرجل من النخل والكرم والأرض المغلة والعقار؛ فالمؤمن الحق يحافظ على أخيه المؤمن في كل شيء حتى صناعته ووظيفته، ويخاف عليه في جميع أموره على مستوى الفرد ومستوى الأسرة والمجتمع والمستوى الدولي.
فالدول المسلمة المؤمنة لازم تخاف على بعضها وتحافظ على اقتصاد بعضها وتنمية فيما بينهما وتوطد العلاقات فيما بينهما في جميع المعاملات على جميع الأصعدة، وأن يتحدوا لكي يكونوا قوة ضد أعدائهم!، فالمقصود بالضيعة في الحديث على مستوى الفرد: صناعة الرجل ووظيفته التي تكون سبباً في أكل عيشه والإنفاق على أهل بيته، فيجب على أخيه المؤمن أن يحافظ عليها، وكذلك على مستوى المجتمع، وكذلك على المستوى الدولي! على المستوى الدولي المقصود بالضيعة في الحديث أي اقتصاد الدولة التي تنفق منه على الشعوب، ولذلك ينبغي الحفاظ عليه من الدول العربية المؤمنة، ولذلك ينبغي على دولة مصر أن تحافظ على اقتصاد السعودية والكويت والإمارات والبحرين وتونس والجزائر وسوريا وفلسطين وقطر وجميع الدول العربية، ولذلك العكس على الدول أن تحافظ على اقتصاد مصر ومقدراتها .
فحديث الرسول يحمي اقتصاد الدول لكي لا تكون عرضة للنهب والسرقة من مرتزقة الصهيونية! ولفظ (يحوطه) في الحديث: يقال حاطه يحوطه حوطاً وحياطاً: حفظه وصانه وتعهده وذبَّ عنه وتوفر على مصالحه؛ وهذا ما ينبغي على كل مؤمن أن يحافظ على أخيه المؤمن على جميع الأصعدة، وكذلك على كل دولة عربية مؤمنة أن تحافظ وتحوط على الدولة العربية المؤمنة وأن تحوط على اقتصادها، وأن يقفوا لجوار بعضهم في الشدائد والأزمات، ويضربوا بعرض الحائط توجيهات أعدائهم؛ لأنهم لا يريدون لهم عزاً ولا نصراً ولا استقراراً ولا تقدماً!؟ مقولتهم الشهيرة: (فرق تسد)؛ اضرب الدول بعضها ببعض نفترس كل دولة على حدة!؟ هذه أفكارهم المسمومة من سم العقارب والأفاعي!؟ .
وقول (المؤمن مرآة أخيه) المراد أن المؤمن الناصح لأخيه المؤمن يبصره مواقع رشده، ويطلعه على خفايا عيبه، فيكون كالمرآة له؛ ينظر فيها محاسنه فيستحسنها ويزداد منها، ويرى مساوئه فيستقبحها وينصرف عنها. ولذلك ينبغي على مستوى الفرد والمجتمع التناصح بالحقيقة بعيداً عن النفاق والرياء! .
وأيضاً على مستوى الدول المؤمنة التناصح بينها ومعرفة كل دولة بخطئها! وهذا ليس عيباً أن كل دولة تعرف أخطاءها! وهذه تعاليم الإسلام لكي نكون أمة قوية لا يتحكم فيها مرتزقة الدول!؟ .
فعلى الدول التسارع إلى التصالح فيما بينها وتوطيد العلاقات بالتشاور والمحبة والنصح، وإقامة المشاريع القوية فيما بينهم للقضاء على ظاهرة البطالة في جميع الدول العربية!؟ .
ولأن “المؤمن مرآة المؤمن” سر العطف بين هذه والتي تليها هو المناسبة بين النصح المستفاد من الأولى والأخوة المستفادة من الثانية، فإنها من نوع واحد هو خلال الإيمان.
وكذلك يقال في سر وصل الرابعة بالثالثة؛ لأن كف الضيعة بمعنى المعونة على العمل ورعاية المال وحياطة المؤمن وحفظه من باب واحد، هو تحصيل الخير له ودفع الشر عنه والقيام مقامه في كل حال!؟ فمجمل الحديث العام يحث المؤمن على التناصح والتشاور والتعاون؛ قام أمر المؤمنين في هذا الدين كما يقول تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الشورى: 38].
{وَأَمْرُهُمْ} الديني والدنيوي {شُورَى بَيْنَهُمْ} أي: لا يستبد أحد منهم برأيه في أمر من الأمور المشتركة بينهم، وهذا لا يكون إلا فرعاً عن اجتماعهم وتوالفهم وتواددهم وتحاببهم وكمال عقولهم؛ أنهم إذا أرادوا أمراً من الأمور التي تحتاج إلى إعمال الفكر والرأي فيها، اجتمعوا لها وتشاوروا وبحثوا فيها، حتى إذا تبينت لهم المصلحة انتهزوها وبادروها، وذلك كالرأي في الغزو والجهاد، وتولية الموظفين لإمارة أو قضاء أو غيره، وكالبحث في المسائل الدينية عموماً، فإنها من الأمور المشتركة، والبحث فيها لبيان الصواب مما يحبه الله، وهو داخل في هذه الآية.!! .
وكما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).
وجامعتهم الإسلامية كالبناء المتساند؛ يقول النبي ﷺ: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً” وشبك بين أصابعه، ويقول ﷺ: “من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته”، ويقول ﷺ: “والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”، بل كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
وتربط بينهم المحبة والمودة؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (رواه البخاري ومسلم). وكذلك الولاية والنصرة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71].
وكذلك التعاون والرحمة فيما بينهم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]؛ فالتعاون في الإسلام أن يعينَ بعضُ المسلمين بعضاً؛ قولاً وفعلًا. والإعانة هي: الإتيان بكل خصلة من خصال الخير المأمور بفعلها، والامتناع عن كل خصلة من خصال الشر المأمور بتركها؛ فإن العبد مأمور بفعلها بنفسه، وبمعاونة غيره من إخوانه المؤمنين عليها، بكل قول يبعث عليها، وينشط لها، وبكل فعل كذلك. وكل معصية وظلم يجب على العبد كفُّ نفسه عنه، ثم إعانة غيره على تركه.
حين أخذ المسلمون هذه الخصال، فكان كل منهم مرآة لأخيه؛ يدله على حسنه ليزداد منه ويحرص عليه، ويبصره عيبه ليجتنبه ويبرأ إلى الله منه، وكان كل منهم أخاً صالحاً للمؤمنين؛ يسره ما يسرهم، ويسوؤه ما يسوؤهم! ويسعى إلى تحصيل الخير لهم، ويخلفهم في أهليهم وأموالهم وجميع شؤونهم، لا يبتغي جزاءً ولا شكوراً منهم! ولا يرقب غير الله فيهم؛ حين كان المسلمون كذلك عزوا وسادوا، وبنوا وشادوا، وأفلحوا وفازوا، وبهروا أبصار المستبصرين! وأخذوا بقلوب العالمين! .
والتعاون في الإسلام باب واسع يشمل مع النفع أسبابه، ويضم إلى الخير وسائله من العلم والدراية والتجربة والمهارة؛ سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وجهاد في سبيله»، قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها»، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: «تعين ضايعاً، أو تصنع لأخرق»، قال: فإن لم أفعل؟ قال: «تدع الناس من الشر؛ فإنها صدقة تصدق بها على نفسك».
الراوي: أبو ذر الغفاري | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 2518 | خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
كان الصَّحابةُ -رَضيَ اللهُ عنهم- لحِرصِهم على الطَّاعاتِ وما يُقرِّبُ مِن رِضا اللهِ -عزَّ وجلَّ- كثيرًا ما يَسأَلون النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- عن أفضلِ الأعمالِ وأكثرِها قُربةً إلى اللهِ تَعالى، فكانت إجاباتُ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- تَختلِفُ باختلافِ أشخاصِهم وأحوالِهِم، وما هو أكثرُ نَفْعًا لكلِّ واحدٍ منهم.
وفي هذا الحديثِ سَأَل أبو ذرٍّ جُنْدَبُ بنُ جُنادةَ الغِفاريُّ -رَضيَ اللهُ عنه- النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ أي: أكثرُها ثَواباً وأنفَعُها لفاعلِها، فدَلَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على أساسِ العمَلِ الصَّالحِ؛ ألا وهو الإيمانُ باللهِ، وهو: التصديق الجازم، والإقرار الكامل، والاعتراف التام بوجود الله تعالى وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، واستحقاقه وحده العبادة، وقبول جميع ما أخبر به صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن ربه جل وعلا وعن دين الإسلام، وهو أفضلُ الأعمالِ على الإطلاقِ، وأعظَمُها عندَ اللهِ أجراً وثواباً؛ لأنَّه شرطٌ في صحَّةِ جَميعِ العباداتِ الشَّرعيَّةِ؛ مِن صَلاةٍ، وزَكاةٍ، وصَومٍ، وغيرِها. ثمَّ الجِهادُ في سَبيلِ الله، وهو القتالُ لإعلاءِ كَلمةِ الله، لا لأيِّ غرَضٍ مِن الأغراضِ الأُخرى، وإنَّما كان الجهادُ أفضلَ بعدَ الإيمانِ باللهِ ورَسولِه مِن غيرِه؛ لأنَّه بذْلٌ للنَّفسِ في سَبيلِ اللهِ.
ثمَّ سَأَل أبو ذر -رضي الله عنه- النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- عن أفْضَل الرِّقَابِ (جمْعُ رَقَبةٍ، ويُرادُ بها العبْدُ المملوكُ أو الأَمَةُ)، فأرادَ أنْ يَعرِفَ أفضَلَ العَبيدِ عِتقاً وتَحريراً مِن العُبوديَّةِ، فبَيَّن له صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ أكثَرَها نَفْعاً للمُعتِق أغْلاها قِيمةً، وأَنفَسُها عندَ أهلِها، أي: أرفَعُها وأجودُها وأرغبُها عندَ أهلِها.
فقال أبو ذرٍّ -رَضيَ اللهُ عنه-: «فإنْ لم أفعَلْ؟» أي: لم أقْدِرْ على العِتقِ، فهل هناك طريقٌ آخَرُ لتَحصيلِ الأجْرِ؟ فقال له صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «تُعِينُ صانعاً»، أي: تُساعِدُ مَن يَعمَلُ في عمَلِه، «أو تَصنَعُ لِأخرَقَ»، والأخرَقُ هو: مُسيءُ التَّدبيرِ الَّذي لا يُتقِنُ ما يُحاولُ فِعلَه.
فأعادَ أبو ذرٍّ -رَضيَ اللهُ عنه-: فإنْ لم أقدِرْ على هذا؟ فدَلَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على ما لا يَعجِزُ عنه أحَدٌ؛ وهو أنْ يَكُفَّ ويَمنَعَ شَرَّه عن النَّاسِ، وهذا أدنى ما يكونُ؛ أنْ يَكُفَّ الإنسانُ شرَّه عن غيرِه، فيَسلَمَ النَّاسُ منه.
وفي الحديثِ: تَنوُّعُ أبوابِ الخيرِ.
وفيه: خَيرُ الأعمالِ هو صِحَّةُ الإيمانِ باللهِ.
وفيه: أنَّ الأجْرَ على الفعلِ يَتعلَّقُ بنَفعِه.

