
قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزال أمتي بخير ما لم يفشُ فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا؛ فأوشك أن يعمهم الله بعذاب». وعنه صلى الله عليه وسلم: «ما نقض قوم العهد قط إلا كان القتل بينهم، وما ظهرت فاحشة في قوم قط إلا سلط الله -عز وجل- عليهم الموت». [قال الألباني: صحيح على شرط مسلم].
من آيات تحريم الزنا: قول الله -عز وجل- في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
قول الله -عز وجل- في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.
قول الله -عز وجل- في سورة النور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله سبحانه في سورة النور أيضاً: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا ظبية الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود يقول: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرام حرَّمه الله ورسوله، وهو حرام إلى يوم القيامة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بحليلة جاره. قال: ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرَّمها الله ورسوله، فهي حرام إلى يوم القيامة. قال: لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق جاره». (تفرد به أحمد).
في حاشية طبعة مؤسسة الرسالة: (إسناده جيد، علي بن عبد الله: هو ابن المديني. وأخرجه البخاري في “الأدب المفرد” (103)، وفي “التاريخ الكبير” (8/ 54)، والطبراني في “الكبير” (20/ 605)، وفي “الأوسط” (6329) من طرق عن محمد بن فضيل بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن الفضيل. وقال المنذري في “الترغيب والترهيب” (3/ 279 و352)، والهيثمي في “مجمع الزوائد” (8/ 168): رجاله ثقات). انتهى. وذكره الألباني في “السلسلة الصحيحة” (65).
والزنا كبيرة من علامات الساعة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا». (رواه البخاري ومسلم).
وعن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن غَنْمٍ الأَشْعَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ -وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِي-: سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ [أي الفرج، كناية عن الزنا]، وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ [أي جبل]، يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ -يَعْنِي الفَقِيرَ- لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ العَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ». (رواه البخاري).
فنحن نعيش في هذه الأيام في كوارث فيروسية وكوارث غلاء أسعار وجور الحكام، وكل هذا بسبب الفساد من أنفس البشر الذين سعوا في الأرض فساداً وارتكبوا الفواحش واستحلوا الحرام.
وورد في حديث آخر: «احذروا الزنا فإن فيه ست خصال: ثلاثة في الدنيا وثلاثة في الآخرة؛ فأما التي في الدنيا فإنه يذهب البهاء من الوجه، ويورث الفقر، وينقص الرزق والعمر.
وأما التي تصيبه في الآخرة: فينظر الله تعالى إليه بعين الغضب فيسود وجهه، والثانية يكون حسابه شديداً، والثالثة إلى النار الكبرى».
ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.
وورد في الحديث: «من زنى بامرأة مسلمة أو غير مسلمة، حرة أو أمة، فتح الله في قبره ثلاثمائة ألف باب من النار، تخرج عليه منها عقارب وحيات وشهب من النار، فهو يعذب إلى يوم القيامة»!! الزنا كبيرة خطيرة، ولها أبعاد في منتهى الخطورة في اختلاط الأنساب؛ فهناك قصص مأساوية من عمق المجتمع لعشرات، بل مئات الأزواج الذين اكتشفوا بعد سنوات طويلة من الزواج أنهم “إخوة”، فتفرق مصيرهم بين الانتحار، والجنون، والانتقام. والضحايا في غالب الأحيان هم الأطفال الذين يكتشفون أن أولياءهم من “المحارم”، فيصبح الزواج عنواناً لعلاقة محرمة امتدت لسنوات طويلة تحت غطاء واحد، لتظهر الحقيقة بعد ظهور الشيب، فيكتشف الزوج أنه متزوج بأخته أو خالته وحتى عمته! .
جعل الله سبحانه وتعالى ترك الزنا أحد شروط البيعة على الإسلام، فقال جل من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: 12].
إنَّ حفظ الأنساب من الاختلاط ضرورة؛ فالزنا يجعل بعض الأفراد من صُلب الإنسان وهم في الحقيقة ليسوا كذلك، فيصبحون جزءاً من عائلته، وبهذا يكون لهم الحق في الإرث مثلاً، ويصبحون أرحاماً مع أنهم ليسوا كذلك!! النسب في الدين الإسلامي وفي الشريعة الإسلامية واحد من الأمور التي لها أهمية كبيرة، وربما السبب الأساسي لها هو أن الدين الإسلامي من خلاله منع وكافح مشاكل الزنا المختلفة التي أدت إلى وجود مشاكل تصل لحد القتل وحتى يومنا هذا.
كما أنه من المظاهر التي ساهمت في احترام النسب بالدين الإسلامي هو تحريم التبني؛ حيث يمنع دمج أحد الأطفال من أي مكان إلى أعضاء الأسرة ويصبح له الحق في الاسم والميراث والاختلاط! .
تعد مشكلة اختلاط الأنساب واحدة من أكبر المشاكل الإنسانية التي قد يكون الحديث فيها أمراً مستفزاً لبعض الأفراد، ولكن تلك القضية من القضايا التي أوصانا بها الله عز وجل منذ فجر التاريخ؛ حيث وجب علينا حفظ النسل وعدم الخلط في الأنساب، وكان هذا الأمر من خلال قول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].
كما قال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام في هذا الأمر: «تَعَلَّموا من أنسابِكم ما تَصِلون به أرحامَكم؛ فإنَّ صلةَ الرَّحمِ محبَّةٌ في الأهلِ، مَثراةٌ في المالِ، مَنسأَةٌ في الأثرِ».
أما ما رواه ابن النجار والديلمي عن أنس بن مالك ولفظه: «من زنى زُني به ولو بحيطان داره»؛ إلا أنه لا يصح، بل حكم عليه الألباني -رحمه الله- في “السلسلة الضعيفة”!! والمقصود بـ (حيطان داره) أنه سيكون ديناً عليك، ولو مر رجل على بيتك وتبول بجواره ثم مسح العضو بحيطان الدار!! .
(وحُكي) أن امرأة صالحة كان لها زوج يصوغ الحلي، ولها رجل سقَّاء يدخل عليها منذ ثلاثين سنة لا ينظر إليها، فدخل يوماً وقبض على يدها بشدة، فلما جاء زوجها قالت له: هل وقع منك اليوم ذنب؟ قال: لا، غير أن امرأة اشترت مني سواراً فلما رأيت يدها أعجبتني فقبضت على معصمها بشدة، فقالت له: قد وقع القصاص في زوجتك كما فعلت في امرأة المسلم!! فلما كان الغد جاء السقاء معتذراً، فقالت له: لا بأس عليك، إنما الفساد من زوجي!! فاحذر أنه سلف ودين!! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن يَضْمَن لي ما بيْنَ لَحْيَيْهِ وما بيْنَ رِجْلَيْهِ أضْمَن له الجَنَّةَ».
(الراوي: سهل بن سعد الساعدي | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري).
الصفحة أو الرقم: 6474 | خلاصة حكم المحدث: [صحيح].
قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَن يَضْمَنْ لي»، أي: مَن يَلتزِم بأداءِ الحقِّ الَّذِي على «ما بينَ لَحْيَيْهِ» وهو اللِّسان؛ لأنَّه يقَعُ بين اللَّحْيَيْنِ، وهما العَظْمَانِ في جَانِبَيِ الفَمِ، فيَجتَنِب كلَّ ما حُرِّم فِعلُه باللِّسانِ كالغِيبةِ والنَّمِيمَة والسَّبِّ والقَذفِ وما شابَهه، ويَفعل ما يَجِب عليه من ذِكرٍ وأمرٍ بمعروفٍ ونهيٍ عن مُنكَرٍ. وكذلك يَلتزِم بما على ما «بينَ رِجْلَيْهِ» وهو الفَرْج، كاجتنابِ الزِّنا وتَرْكِ الفَواحِش؛ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَضْمَنْ له الجنَّةَ»، وذلك لكَثرةِ الوُقوعِ في محرَّماتِ اللِّسانِ لِسُهولتِها، وقوَّةِ الدَّافِع لشَهوةِ الفَرْج!! .
حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر». (رواه مسلم).
المقصود ثلاثة أصناف، وليس ثلاثة أشخاص؛ فهؤلاء قد يكون منهم أعداد كبيرة من الناس، وقد يوجد من بعد آدم ﷺ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها الألوف أو الملايين من هؤلاء، فهم ثلاثة أصناف!! ومن وقع في الزنا عوقب في الدنيا بإقامة الحد عليه إن استوفى شروط ذلك؛ فحد الزاني الذي لم يتزوج قط -وإن كان شيخاً- مائة جلدة وتغريب عام، وحد الزاني المحصن الذي تزوج -ولو طلق أو ماتت عنه زوجته- الرجم حتى الموت ولو كان شاباً، أما في الآخرة فالنار وبئس القرار. إلا أن الزنا في حق الشيخ يكون أكثر قبحاً وأشد جرماً منه في حق الشاب!! .



