من هم أَهْلُ اللَّهِ وخاصَّتُهُ؟

بقلم: د. ياسر جعفر

ربما يسأل القارئ: وهل الله له أهل؟! نعم، أرشدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأهل الله؛ ففي الحديث الذي رواه أنس بن مالك -رضي الله عنه-: “إنَّ للَّهِ أَهْلينَ منَ النَّاسِ”، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، من هُم؟ قالَ: “هم أَهْلُ القرآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وخاصَّتُهُ”. أخرجه ابن ماجة.
والله إنها منح كبيرة، مَن يطول أن يكون من أهل الله؟! نعم، أهل القرآن كلام الله، القُرآنُ الكريمُ هو حبْلُ اللهِ المَتينُ؛ مَن قَرأَه أو حَفِظَه، وعمِلَ بما فيه بِنِيَّةٍ صادقةٍ وقلْبٍ مُتيقِّنٍ، وجعَلَه إماماً له؛ فإنَّ له جزاءً عظيمًا وخُصوصيةً عندَ اللهِ سُبحانَه وتعالى.
وفي هذا الحديثِ يُخْبِرُ أنسُ بنُ مالكٍ -رضِيَ اللهُ عنه- أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- قال: “إنَّ للهِ أَهْلِينِ مِن النَّاسِ”، أي: أهلاً مِن النَّاسِ هم أولياؤُه وأحبابُه؛ فـ”أهلين” هم الأهلُ، جُمِعَ بالواو والنون على غَيرِ قياسٍ، وجمعَه هنا إشارةً إلى كثرتِهم، فقال الصَّحابةُ -رضِيَ اللهُ عنهم-: “يا رسولَ اللهِ، مَن هم؟” فقال النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: “هم أهْلُ القُرآنِ”، أي: حَفَظَةُ القُرآنِ العامِلونَ به، الذين يتْلونَه آناءَ اللَّيلِ وأطرافَ النَّهارِ، وإنَّما يكونُ هذا في قارئِ القُرآنِ الَّذي انتفَى عنه جَورُ القلْبِ، وذهَبَتْ عنه جِنايةُ نفْسِه، وتطهَّرَ مِن الذُّنوبِ ظاهراً وباطناً، وتزيَّنَ بالطَّاعةِ؛ فلا يكفي مُجرَّدُ التِّلاوةِ ليكونَ مِن أهْلِ القُرآنِ، حتَّى يعمَلَ بأحكامِه، ويقِفَ عندَ حُدودِه، ويتخلَّقَ بأخلاقِه، كما قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [البقرة:121]، “أهْلُ اللهِ وخاصَّتُه”، أي: وهم أولياءُ اللهِ الَّذين اختَصَّهم بمحبَّتِه، والعنايةِ بهم؛ سُمُّوا بذلك تعظيماً لهم، كما يُقال: “بيتُ اللهِ”، وذلك أنَّ اللهَ تعالى يخُصُّ بعضَ عِبادِه، فيُلْهِمُهم العمَلَ بأفضلِ الأعمالِ، حتَّى يرفَعَ درجاتِهم فوقَ كثيرٍ مِن النَّاسِ؛ {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105].
وفي الحديثِ: بيانُ فَضيلةِ حِفْظِ القُرآنِ، والقيامِ بما فيه مِن أحكامٍ وأوامرَ ونواهٍ.
وفيه: ترغيبٌ كبيرٌ في أنْ يكونَ الإنسانُ مِن أهلِ القرآنِ، وفي هذا إشارةٌ إلى ذَمِّ مَن هجَرَ القُرآنَ ونَسِيَه؛ فهجرُ القُرآنِ عاقبتُه وخيمةٌ في الدنيا والآخِرةِ، وهجْرُه يَشملُ هجْرَ التلاوةِ والحفظِ، وهجْرَ التدبُّرِ والعَملِ، والتَّحكيمِ إليه، والاستِشفاءِ به.
القرآن هو كلام الله، مُنزل غير مخلوق، الذي أنزله على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- باللفظ والمعنى، القرآن الكريم كتاب الإسلام الخالد، ومعجزته الكبرى، وهداية للناس أجمعين، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: 1]، ولقد تعبدنا الله بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر: 29].
فيه تقويم للسلوك، وتنظيم للحياة، مَن استمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، ومن أعرض عنه وطلب الهدى في غيره فقد ضل ضلالاً بعيداً، ولقد أعجز الله الخلق عن الإتيان بمثل أقصر سورة منه، قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23].
القرآن مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، مسموع بالآذان، فالاشتغال بالقرآن من أفضل العبادات، ومن أعظم القربات؛ كيف لا يكون ذلك وفي كل حرف منه عشر حسنات، سواء أكان بتلاوته أم بتدبر معانيه، وقد أودع الله فيه علم كل شيء؛ ففيه الأحكام والشرائع، والأمثال والحكم، والمواعظ والتأريخ، والقصص ونظام الأفلاك، فما ترك شيئاً من الأمور إلا وبينها، وما أغفل من نظام في الحياة إلا أوضحه.
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، هُوَ الَّذِي مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، فَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ أَنْ قَالُوا {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا}، هُوَ الَّذِي مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ”. [أخرجه الدارمي].
هذا هو كتابنا، هذا هو دستورنا، هذا هو نبراسنا، إن لم نقرأه نحن معاشر المسلمين، فهل ننتظر من اليهود والنصارى أن يقرؤوه؟! قال تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106]. فما أعظمه من أجر لمن قرأ كتاب الله، وعكف على حفظه، فله بكل حرف عشر حسنات، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.
هنيئاً لكم حفاظ كتاب الله الكريم، هنيئاً لكم هذا الأجر العظيم، والثواب الجزيل؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده”. [أخرجه مسلم].
فأنتم أهل الله وخاصته، أنتم أحق الناس بالإجلال والإكرام؛ فعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط”. [أخرجه أبو داود].
أنتم خير الناس للناس، لقد حظيتم بهذه الخيرية على لسان نبيكم -صلى الله عليه وسلم-؛ فعن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”. [أخرجه البخاري].
أنتم يا أهل القرآن أعلى الناس منزلة، وأرفعهم مكانة؛ فلقد تسنمتم مكاناً عالياً، وارتقيتم مرتقىً رفيعاً بحفظكم لكتاب الله؛ عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين”. [أخرجه مسلم].
حفاظ كلام الله، أنتم أعظم الخلق أجراً، وأكثرهم ثواباً؛ كيف لا وأنتم تحملون في صدوركم كلام ربكم، وتسيرون بنور مولاكم وخالقكم؛ عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران”. [متفق عليه].
أبشروا يا أهل القرآن، أزف إليكم البشرى بحديث نبي الهدى، والذي يصور فيه حوار القرآن والشفاعة لصاحبه يوم القيامة؛ فعن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حله، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق وتزاد بكل آية حسنة”. [أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح].
ويصدق ذلك حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه”. [أخرجه مسلم].
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: “كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة”. [رواه البخاري ومسلم].
وفي رواية: “وَكَانَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ؛ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- القُرْآنَ”، وفي رواية: “كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- القُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي العَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ”. [رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-].
ونزول القرآن في رمضان ومدارسة جبريل -عَلَيهِ السَّلَامُ- للقرآن مع النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- كل ليلة دليل على أهمية قراءة القرآن في رمضان وفضل تدارسه. قال ابن رجب -رحمه الله-: “دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على مَن هو أحفظ له، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان”.
وقال -رحمه الله-: “وفي حديث ابن عباس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلاً، وهذا يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً؛ فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر.. كما قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 6]”.
هكذا كان اعتناء النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- بالقرآن في رمضان؛ فهو شهر القرآن، وكفى به حافزاً لنا للإكثار من تلاوته وتدارسه، وقد وعد النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أهل القرآن بأجورٍ كثيرة، وخيرات وفيرة، ووصفهم بصفات جميلة لم تكن لغيرهم، فجعل -صلى الله عليه وسلم- قراءةَ القرآنِ من أيسرِ الطرقِ لكسبِ الحسناتِ؛ فَقَالَ: “مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ”. [رواه الترمذي عن عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود، وصححه الألباني].
وأوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإكثار من تلاوته؛ فعَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: “أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ رَأْسُ الْأَمْرِ كُلِّهِ”، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنِي، قَالَ: “عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ، وَذُخْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ”. [رواه ابن حبان، وقال الألباني: حسن لغيره].
وقراءة كلامِ اللهِ بالنظرِ لحروفِهِ يزدادُ بها القلبُ إيماناً؛ فيزدادُ للهِ ولرسولِه حباً؛ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَلْيَقْرَأ فِي الْمُصْحَفِ”. [رواه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وحسنه الألباني في صحيح الجامع].
ما تحدث المتحدثون ولا درس الدارسون كتاباً أفضل من كتاب الله؛ فيه نبأ مَن قبلنا وخبر ما بعدنا وحكم ما بيننا، هو الفصل ليس بالهزل، مَن تركه من جبارٍ قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، لا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يَخْلَق من كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه، مَن علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم؛ قال الله فيه: {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام: 155].
أشرف كتاب نزل به أشرف ملك، في أشرف ليلة، في أشرف شهر، في أشرف بقعة، وفي أشرف غار، بأشرف لغة، وإلى أشرف أمة، على أشرف نبي وهو محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فالقرآن جعله الله مباركاً في كل شيء.
في أثره فهو مؤثر على القلوب والأبدان؛ {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21].
وفي الاستشفاء به فهو شفاء لأمراض القلوب والأبدان، فهو يليّن القلب القاسي ويشفي اللديغ ويداوي الجريح؛ قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} [الإسراء: 82].
أكثر من قراءة القرآن وليكن لك صاحباً بالليل والنهار؛ فالقرآن يأتي شفيعاً لأصحابه كما جاء في قوله -صلى الله عليه وسلم-: “اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان -أو: غيايتان، أو: كأنهما فرقان من طير صَوَافّ- تحاجّان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة”؛ والبَطَلَة أي: السحرة. [رواه مسلم].
اجعل لك مقداراً من القرآن تقرؤه كل يوم، لتكون قريباً من كتاب ربك، فتستقيم على أمر الله، وتسير على نهجه وشريعته. وإن لم تستطع القراءة فعليك بالاستماع، فمَن استمع فله مثل أجر القارئ، وفضل الله واسع وهو ذو الفضل العظيم؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 57-58].
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن أَلِفٌ حَرْفٌ، ولاَمٌ حرف، ومِيمٌ حرف”. [رواه الترمذي].
تأدب وتخلق بأخلاق القرآن؛ فقد كان خلق نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم- القرآن، والله يقول: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].
مع القراءة لا بد من العمل؛ فالله قد أنزل القرآن للتعبد بتلاوته والعمل به؛ فاهتدي بهديه، وامتثل أوامره، واجتنب نواهيه، تسعد في دنياك وأخراك. كان الصحابة -رضي الله عنهم- يتعلمون من النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر آيات ثم لم يتجاوزوها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا: “فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً”. وهذا النوع من التلاوة هو الذي عليه مدار السعادة والشقاوة؛ قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: “اقرءوا القرآن تُعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله”.
أهل القرآن أبعد الناس عن الشرك وأكل الربا وقول الزور، وهم أبعد الناس عن الغيبة والنميمة، وهم أولى الناس ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى اليتامى، وغيرها من التوجيهات القرآنية.
تعلم القرآن ففي ذلك الأجر العظيم؛ عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن في الصُّفَّةِ فقال: “أَيُّكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بُطْحَانَ أو إلى العَقِيقِ فيأتي منه بناقتين كَوْمَاوَيْنِ في غير إثم ولا قطيعة رَحِمٍ؟” فقلنا: يا رسول الله، كلنا نحب ذلك! قال: “أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلّم أو فيقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاثٌ خيرٌ من ثلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ له من أربعٍ ومن أعدادهن من الإبل؟!”. [رواه مسلم]. والكَوْمَاء: الناقة العظيمة السنام.
حاول أن تكون ماهراً بالقرآن، متقناً لتلاوته، حافظاً مجوداً له؛ لتفوز بصحبة السفرة الكرام البررة؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران”. [رواه البخاري ومسلم].
وهنيئاً لك إن كنت من حفاظ كلام الله؛ فهم أعظم الخلق أجراً، وأكثرهم ثواباً؛ كيف لا وهم يحملون في صدوركم كلام ربهم، وتسيرون بنور مولاكم وخالقكم جل جلاله.
ليكن لك مع القرآن جلسات للتأمل والتدبر؛ فهي الغاية الكبرى لنزوله؛ قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [ص: 29]، وقال جلَّ جلاله: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24].
علِّم غيرك القرآن، وابدأ بأهلك؛ فخيركم خيركم لأهله، وخيركم من تعلم القرآن وعلمه. حافظ على مجالس الذكر التي يُتلى فيها القرآن، وكن من أهلها.
اجعل لك ولأهلك مجلساً أسبوعياً لقراءة القرآن؛ يبارك الله في أهلك وأولادك ويصرف عنكم شر الشياطين. قال -صلى الله عليه وسلم-: “لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان يَفِرُّ من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة”. [رواه مسلم والنسائي والترمذي].
أقلل من المعاصي وكن مع الله في كل حال؛ فأهل القرآن هم الذين لا يقدمون على معصية ولا ذنباً، ولا يقترفون منكراً ولا إثماً؛ لأن القرآن يردعهم، وكلماته تمنعهم، وحروفه تحجزهم، وآياته تزجرهم؛ ففيه الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، وإن وقعوا في الزلل أسرع ما يستغفروا ويعودوا.





