
مروان محمد
في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقد الأخير، تحول ملف الإعلامية والمنتجة سارة خليفة من قضية جنائية تقليدية إلى ساحة اشتباك قانوني وإعلامي بين نصوص القانون، وقوة “التريند”، وحقوق الدفاع المكفولة دستورياً.
فبين جدران قفص الاتهام وصرخات الدفاع المدوية، يفتح هذا التحقيق الملف المسكوت عنه: هل سقطت سارة في فخ “الاتجار”، أم أنها كبش فداء لثغرات قانونية وضغوط إعلامية؟ وما قصة القسم الذي هز الرأي العام؟ ..
البداية: من “أضواء الشهرة” إلى “ظلمة الزنزانة”
عرفها الجمهور مذيعة حسناء تطل عبر الشاشات، وصانعة محتوى يتابعها الملايين، ارتبط اسمها بالجمال والنجاح السريع. لكن في أبريل 2025، انقلبت الآية رأساً على عقب .
وكانت قد أعلنت السلطات المصرية القبض على سارة خليفة (33 عاماً) بتهمة قيادة تشكيل عصابي لتصنيع وتجارة المخدرات، وحيازة أسلحة نارية وبيضاء وذخائر بدون ترخيص .
صدمة الخبر لم تكن في طبيعة التهمة فحسب، بل في حجم المضبوطات التي قيل إنها تجاوزت قيمتها 1.2 مليار جنيه، وفي “الاغتيال المعنوي” الذي طال حياتها الخاصة وسط سيل من الشائعات.
لكن سرعان ما تطورت القضية من مجرد اتهامات بالمخدرات إلى فضيحة مدوية عندما كشفت تحقيقات النيابة عن العثور على مقاطع فيديو في هاتفها تظهر تعذيباً جنسياً لشاب عارٍ داخل غرفة نومها، لتتحول القضية إلى ملحمة قضائية معقدة .
“قسم” حمودة: فقيه القانون الذي راهن على التاريخ واليقين
وسط هذا الضجيج الإعلامي، برز اسم الدكتور محمد حمودة، المحامي الدولي ورئيس المؤسسة القانونية العربية الدولية، الذي لا يضع قدمه في قضية إلا إذا أيقن بمواطن قوتها القانونية.
حمودة، خريج جامعة السوربون بباريس والضابط السابق بمكافحة المخدرات، لم يكتفِ بالمرافعات التقليدية، بل فجر مفاجأة من العيار الثقيل حين أقسم أمام الرأي العام: “والله العظيم سارة مظلومة.. ليس لها دور في هذه القضية” .
هذا القسم لم يكن مجرد عاطفة، بل استناداً إلى حقيقة قانونية جوهرية: المتهمون الآخرون في القضية (المشكلون للعصابي) أنفسهم أكدوا في التحقيقات عدم صلة سارة بنشاطهم الإجرامي، فكيف أُقحم اسمها في قلب التشكيل العصابي إذا كان المنتمون الحقيقيون للعصابة ينفون علاقتها بهم؟ .
لكن طريق الدفاع لم يكن مفروشاً بالورود.. ففي مشهد درامي داخل قاعة المحكمة، طالب ممثل النيابة العامة من هيئة المحكمة إثبات ما “تفوه” به المحامي محمد حمودة بعدما أشار لعدم حيادية التحقيقات، مهدداً باتخاذ إجراءات قانونية ضده .
هذه الواقعة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية، حيث أكد خبراء قانونيون أن من حق المحامي قانوناً الطعن في تحقيقات النيابة، بل إنه حق أصيل له، لأن الدفاع لا يقتصر على إنكار الاتهام، بل يمتد لفحص مشروعية الإجراءات التي بُني عليها الاتهام بكاملها .
شهادة “الخصم النبيل”: اللواء أشرف يحلل شخصية الدفاع

في مشهد يعكس نبل المهنة واحترام الخصوم، لم يقف الخبراء الأمنيون موقف الهجوم المطلق على الدفاع. فقد أدلى اللواء أشرف عبد العزيز، الخبير الأمني والاستراتيجي، لتصريحات أنصفت مهنية دفاع سارة خليفة، قائلاً:”عندما يتحدث الدكتور محمد حمودة، فعلى الجميع أن ينصت بتركيز؛ فهو فقيه دولي يعلم ثقل الكلمة التي ينطق بها.
وأضاف اللواء أشرف عبد العزيز : حمودة لن يجازف باسمه العريق وتاريخه الذي بناه عبر عقود من أجل ‘شو’ إعلامي. هو يعلم يقيناً أين تكمن الثغرة، واستخدامه لحكم المحكمة الدستورية يعكس ذكاءً قانونياً فذاً” .
اللواء أشرف أوضح في تحليله أن استفادة سارة خليفة من حكم الدستورية ستكون استفادة جزئية، ولن تؤدي بالضرورة إلى براءتها الكاملة، وذلك لأن الاتهام لا يقتصر على المواد التي شملها قرار هيئة الدواء فقط، بل يشمل مواد أخرى مدرجة بالجدول الأول.
كما أن هناك قضية منفصلة تتعلق بهتك العرض (الاعتداء الجنسي) لن يتأثر مصيرها بحكم الدستورية .
رصاصة “الدستورية”: سلاح القانون الأصلح للمتهم
وأشار الحبير الأمني والاستراتيجي إلي أن ، جوهر المعركة القانونية اليوم يكمن في حكم المحكمة الدستورية العليا الذي قضى بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء رقم 600 لسنة 2023، والمتعلق بتعديل جداول المخدرات.
وأكد أن هذا الحكم يعني أن كل من تم القبض عليه أو أحيل للمحاكمة أو صدر ضده حكم استناداً إلى هذا القرار، يتعين إخلاء سبيله أو القضاء ببراءته .
ونوه إلي أن المعادلة القانونية التي يستند إليها حمودة بسيطة لكنها قاتلة: إذا كان النص الذي حُبست بموجبه سارة قد قُضي بعدم دستوريته، فإن الاتهام يسقط قانونياً، تطبيقاً لمبدأ “القانون الأصلح للمتهم” .
وفي تحليل حاسم قال اللواء أشرف عبد العزيز : ولم يكن الدكتور محمد حمودة الوحيد الذي تبنى هذا الدفع، فالمحامي محمد الجندي، المحامي بالنقض، أوضح أن دفاع سارة خليفة كان قد دفع بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء منذ البداية، لمخالفته أحكام الدستور والقانون، وكونه يمثل افتئاتاً على اختصاص السلطة التشريعية .
وأضاف: الدكتور محمد حمودة يرى أن حكم الدستورية “سينصفها” لأن الاتهامات بنيت على أساس باطل. لكن رغم صدور القرار الوزاري رقم 44 لسنة 2026 لسد الثغرة، إلا أن القاعدة الأصولية تنص على أن المتهم يستفيد من أي بطلان شاب النص وقت وقوع الواقعة، وهو ما يقاتل فريق الدفاع لإثباته أمام هيئة المحكمة .
خبراء الرقميات: صرخة في وجه “الانتهاك”

وعن الجانب التقني والقضية المنفصلة المتعلقة بهتك العرض، أبدت الدكتورة إيناس عبد العزيز، خبيرة الأمن الرقمي والأدلة الجنائية الإلكترونية، تعاطفاً مهنياً مع سارة خليفة، لكن من زاوية الحق في الخصوصية وسلامة الإجراءات .
الدكتورة إيناس أشارت إلى أن الفيديوهات التي عُثر عليها في هاتفها الشخصي وسُرّبت بطرق مريبة لا ترقى لكونها أدلة إدانة مطلقة، بل قد تكون “مجتزأة من سياقها” لكسر إرادة المتهمة وتأليب الرأي العام ضدها قبل أن تقرر المحكمة مصيرها.
وحذرت من أن تسريب هذه المواد قد يشكل انتهاكاً صارخاً للخصوصية، وقد يؤثر على سير التحقيقات، خاصة إذا كانت قد سُربت بطريقة غير قانونية .
وأضافت أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بانتهاك الخصوصية، بل بمنظومة شاملة تحترم حقوق الإنسان وتضمن محاكمة عادلة، محذرة من أن أي قرار يُحمِّل الضحية عبء الحماية بدلاً من تحميل المعتدي عبء العقاب، هو خلل في مفهوم العدالة ذاته .
مالا تعرفه عن سارة: حقيقة علاقتها بلاعب الزمالك
من أكثر الشائعات التي لاحقت سارة خليفة في محنتها، تلك المتعلقة بارتباطها بلاعب كرة قدم شهير.
التحقيق كشف الحقيقة كاملة.. هذه المعلومة كانت محاولة واضحة للربط بين قضيتها ونجم رياضي شهير لزيادة الزخم الإعلامي، وهي محاولة يكشفها هذا التحقيق لتصحيح المسار.
الخلاصة: الحقيقة الغائبة في متاهة القانون والإعلام
قضية سارة خليفة اليوم لم تعد مجرد “محضر ضبط” أو قضية جنائية عادية، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى صمود الحقوق القانونية في وجه العواصف الإعلامية، ومدى استقلال القضاء في مواجهة الضغوط الشعبية.
بين:
· قسم محامٍ دولي لا يفرط في تاريخه الأكاديمي والمهني .
· وثناء لواء أمني يحترم مهنية الدفاع ويقر بذكاء استراتيجيته .
· وتحذيرات خبراء يرون في سارة ضحية لانتهاك الخصوصية قبل أن تكون متهمة .
يظل السؤال الأهم: هل تنجح “بلاغة القانون” في مواجهة “قوة الاتهام”؟
حكم المحكمة الدستورية العليا يمنح سارة خليفة أملاً حقيقياً في تخفيف العقوبة أو إعادة توصيف التهمة، لكنه لا يضمن لها البراءة الكاملة، خاصة مع وجود اتهامات أخرى منفصلة ومواد مخدرة مضبوطة لا تشملها الثغرة القانونية .
الأيام القادمة كفيلة بكشف المزيد من التفاصيل، خاصة مع استمرار جلسات المحاكمة واستماع المحكمة للشهود والخبراء.
القضية التي بدأت باعتقال مذيعة حسناء في أبريل 2025، قد تنتهي في 2026 بإعادة تعريف حدود “المظلومية” في القانون المصري، ومدى قدرة “القسم” و”الثغرة الدستورية” على تحطيم أغلال المتهمين.





