يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ

بقلم: د. ياسر جعفر

أمرٌ من الله مالك الملك إلى رسوله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين لتجنب انتشار الفساد في الأرض، كما نشاهد على الساحة حالياً على أرض الواقع في الحرب القائمة من الكفار والمنافقين في الشرق الأوسط.
أمريكا أم الفساد والنفاق وسبب الفتن في العالم تسببت في الفساد في الأرض بحجة ضرب إيران؛ هذا هو الظاهر، ولكن في الباطن لتحطيم الشرق الأوسط لأمرين:
الأمر الأول: لتجنب فضائح “ترمب” و”النتن” وتجنب المحاكمة.
الأمر الثاني: لوقوع إيران في دول الخليج لخروج الصين من الشرق الأوسط؛ فوجود الصين في الشرق
الأوسط مسبب قلقاً دولياً لأمريكا، وأيقنت أن الصين سحبت البساط منها بسبب انتشارها في الشرق الأوسط.
ومن الغباء السياسي لأمريكا أنها وقعت في شر أعمالها بسبب هذه الضربات الخبيثة على إيران؛ لكي تضرب إيران القواعد الأمريكية في دول الخليج، وهذا له انعكاسات على الاقتصاد الخليجي وخسائر كبيرة، بل وفي الشرق الأوسط، وفي نفس الوقت تخرج الصين من الشرق الأوسط وتتوقف أعمالها فيه.
وهناك أيضاً أمر هام عقائدي من هؤلاء المرتزقة لمحاربة الإسلام والقضاء عليه في الشرق الأوسط، وهذا “عشم إبليس بدخول الجنة”؟! .
المشكلة ليست في هؤلاء المرتزقة، ولكن المشكلة في الأمة المنكوبة التي أعرضت عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وتركت الساحة للسفهاء وأصحاب العقول الضلالية والأفكار السوداوية التي سممت أفكار الشباب، وأصبحنا أمة منكوبة وعشوائية لعدم تطبيق شرع الله في جميع نواحي الحياة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: 73].
يقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾؛ أي: بالغ في جهادهم والغلظة عليهم حيث اقتضت الحال الغلظة عليهم، ونحن الأمة الإسلامية نتخذهم أولياء ونتقرب ونتودد إليهم!. وهذا الجهاد يدخل فيه الجهاد باليد، والجهاد بالحجة واللسان؛ فمن بارز منهم بالمحاربة فيُجاهد باليد واللسان والسيف والبيان، ومن كان مذعناً للإسلام بذمة أو عهد، فإنه يُجاهد بالحجة والبرهان، ويُبين له محاسن الإسلام ومساوئ الشرك والكفر؛ فهذا ما لهم في الدنيا. ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: مقرهم الذي لا يخرجون منه ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
النِّفاقُ كالكُفرِ والشِّركِ والفِسقِ والظُّلمِ: دَرَجاتٌ ومراتِبُ؛ منها ما هو مخرجٌ من الإسلامِ، ومنها غيرُ مخرجٍ منه.
واختلفت عباراتُ الأئِمَّةِ في إيضاحِ هذين النَّوعينِ:
فبعض الأئِمَّةِ -كالتِّرمذيِّ، وابنِ العَربيِّ المالكي، وابنِ كثيرٍ، وابنِ حَجَرٍ- يُقَسِّمون النِّفاقَ إلى نفاقٍ اعتقاديٍّ، وهو المخرِجُ من المِلَّةِ، وإلى نفاقٍ عَمَليٍّ.
قال الترمذيُّ في تعليقِه على حديثِ: «أربعٌ من كُنَّ فيه كان مُنافِقًا…»: (إنَّما معنى هذا عند أهل العِلم: نفاقُ العَمَلِ، وإنَّما نفاقُ التكذيبِ على عهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ، هكذا رُوِيَ عن الحسنِ البصريِّ شيءٌ من هذا؛ أنَّه قال: النِّفاقُ نفاقان؛ نفاقُ عَمَلٍ، ونِفاقُ التَّكذيبِ).
وقال ابنُ العربي: (النِّفاقُ هو إظهارُ القَولِ باللِّسانِ أو الفِعلِ، بخلافِ ما في القَلبِ مِن القَولِ والاعتقادِ. «أصولُه» وهي قِسمانِ: أحَدُهما: أن يكونَ الخَبَرُ أو الفِعلُ في توحيدِ اللهِ وتصديقِه، أو يكونُ في الأعمالِ؛ فإن كان في التوحيدِ كان صريحًا، وإن كان في الأعمالِ كانت معصيةً، وكان نفاقًا دون نفاقٍ، كما تقدَّم القولُ في كُفرٍ دونَ كُفرٍ).
وقال ابنُ كثيرٍ: (النِّفاقُ هو إظهارُ الخيرِ وإسرارُ الشَّرِّ، وهو أنواعٌ: اعتقاديٌّ، وهو الذي يخَلِّدُ صاحِبَه في النَّارِ، وعَمَليٌّ، وهو من أكبرِ الذُّنوبِ).
وقال ابنُ حَجَرٍ: (النِّفاقُ لغةً: مخالَفةُ الباطِنِ للظَّاهِرِ؛ فإن كان في التركِ اعتقادُ الإيمانِ فهو نفاقُ الكُفرِ، وإلَّا فهو نفاقُ العمَلِ، ويدخُلُ فيه الفِعلُ والتركُ، وتتفاوتُ مراتِبُه).
وبعضُ الأئِمَّةِ -كابنِ تيميَّةَ وابنِ القَيِّمِ وابنِ رَجَبٍ- يعبِّرون عن ذلك بتقسيمِ النِّفاقِ إلى نفاقٍ أكبَرَ مخرجٍ مِن المِلَّةِ، وإلى نفاقٍ أصغَرَ غيرِ مُخرِجٍ من المِلَّةِ.
قال ابنُ تيميَّةَ: «فمن النِّفاقِ ما هو أكبَرُ، يكون صاحِبُه في الدَّركِ الأسفَلِ من النَّارِ، كنفاقِ عبدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ وغيرِه، بأن يظهِرَ تكذيبَ الرَّسولِ… فهذا ضربُ النِّفاقِ الأصغَرِ، فهو النِّفاقُ في الأعمالِ ونحوِها».
وقال أيضًا: «النِّفاقُ كالكُفرِ؛ نفاقٌ دونَ نفاقٍ؛ ولهذا كثيرًا ما يقال: كفرٌ ينقُلُ عن المِلَّة، وكفرٌ لا ينقُلُ، ونفاقٌ أكبرُ، ونفاقٌ أصغَرُ، كما يقال: الشِّركُ شِركان: أصغَرُ، وأكبَرُ».
وقال ابنُ القَيِّم في بيانِ أقسامِ النِّفاق: «هو نوعانِ: أكبَرُ، وأصغَرُ؛ فالأكبَرُ يُوجِبُ الخلودَ في النَّارِ في دَرْكِها الأسفَلِ، وهو أن يُظهِرَ للمُسلِمين إيمانَه باللهِ وملائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليومِ الآخِرِ، وهو في الباطِنِ مُنسَلِخٌ من ذلك كُلِّه، مُكذِّبٌ به».
وقال ابنُ رجب: «النِّفاقُ الأكبَرُ وهو أن يُظهِرَ الإنسانُ الإيمانَ باللهِ وملائكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليَومِ الآخِرِ، ويُبطِنَ ما يناقِضُ ذلك كُلَّه أو بعضَه، وهذا هو النِّفاقُ الذي كان على عهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ، ونزل القُرآنُ بذَمِّ أهلِه وتكفيرِهم، وأخبر أنَّهم في الدَّركِ الأسفَلِ من النَّارِ».
المسألةُ الأولى: النِّفاقُ الأكبَرُ المُخرِجُ من المِلَّةِ، والموجِبُ للخُلودِ في الدَّركِ الأسفَلِ من النَّارِ
هو إبطانُ الكُفرِ في القَلبِ، وإظهارُ الإيمانِ على اللِّسانِ والجوارِحِ، ويترتَّبُ على هذا النَّوعِ ما يترتَّبُ على الكُفرِ الأكبَرِ؛ من حيث انتفاءُ الإيمانِ عن صاحِبِه، وخلودُه في جهنَّمَ، لكِنَّ المُنافِقَ أشَدُّ عذابًا من الكافِرِ؛ لأنَّه في الدَّركِ الأسفَلِ من النَّارِ إذا مات عليه.
قال ابنُ تيميَّةَ: «فمِن النِّفاقِ ما هو أكبَرُ، ويكونُ صاحِبُه في الدَّركِ الأسفَلِ مِن النَّارِ؛ كنِفاقِ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ وغيرِه؛ بأن يُظهِرَ تكذيبَ الرَّسولِ، أو جُحودَ بَعْضِ ما جاء به أو بُغْضَه، أو عَدَمَ اعتقادِ وُجوبِ اتِّباعِه، أو المسَرَّةَ بانخفاضِ دينِه، أو المساءةَ بظُهورِ دينِه، ونحوَ ذلك مِمَّا لا يكونُ صاحِبُه إلَّا عَدُوًّا لله ورَسولِه، وهذا القَدْرُ كان موجودًا في زَمَنِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وما زال بَعْدَه، بل هو بَعْدَه أكثَرُ منه على عَهْدِه».
وقال أيضًا (ابن تيمية): «فأمَّا النِّفاقُ المحْضُ الذي لا رَيْبَ في كُفرِ صاحِبِه؛ فألَّا يرى وجوبَ تصديقِ الرَّسولِ ﷺ فيما أخبَرَ به، ولا وجوبَ طاعتِه فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أنَّ الرَّسولَ عظيمُ القَدْرِ عِلمًا وعملًا، وأنَّه يجوزُ تصديقُه وطاعتُه، لكِنَّه يقولُ: إنَّه لا يَضُرُّ اختلافُ المِلَلِ إذا كان المعبودُ واحدًا، ويرى أنَّه تحصُلُ النَّجاةُ والسَّعادةُ بمتابعةِ الرَّسولِ وبغيرِ مُتابعتِه؛ إمَّا بطريقِ الفَلْسفةِ والصُّبوءِ، أو بطريقِ التهَوُّدِ والتنَصُّر».
وقال مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ: «فأمَّا النِّفاقُ الاعتقاديُّ فهو سِتَّةُ أنواعٍ: تكذيبُ الرَّسولِ، أو تكذيبُ بَعْضِ ما جاء به الرَّسولُ، أو بُغضُ الرَّسولِ، أو بُغْضُ ما جاء به الرَّسولُ، أو المسرَّةُ بانخفاضِ دينِ الرَّسولِ، أو الكراهِيَةُ لانتصارِ دينِ الرَّسولِ؛ فهذه الأنواعُ السِّتَّةُ صاحِبُها من أهلِ الدَّركِ الأسفَلِ مِن النَّارِ».
ومن الآياتِ في تكفيرِهم ومَصيرِهم في الآخِرةِ:
قَولُ اللهِ تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8].
قال السَّمعانيُّ: «أكثَرُ المُفَسِّرين على أنَّه في شأنِ المنافِقين. ومعناه: ومن النَّاس ناسٌ تقولُ: آمَنَّا باللهِ وباليومِ الآخِرِ، يعني: القيامةَ. ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ نفى الإيمانَ عنهم؛ حيث أظهروا الإسلامَ باللِّسانِ ولم يعتَقِدوا بالجَنانِ».
وقَولُ اللهِ سُبحانَه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145].
قال ابنُ جريرٍ: «يعني جَلَّ ثناؤه بقَولِه: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾؛ إنَّ المُنافِقين في الطَّبَقِ الأسفَلِ مِن أطباقِ جَهنَّمَ. وكُلُّ طبقٍ من أطباقِ جَهنَّمَ دَرَكٌ».
وقَولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة: 68].
قال ابنُ جريرٍ: «يقولُ تعالى ذِكْرُه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ﴾ باللهِ نَارَ جَهَنَّمَ أن يُصْلِيهُموها جميعًا ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ يقولُ: ماكثين فيها أبدًا، لا يحْيَون فيها ولا يموتون».
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَد قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: 73-74].
قال ابن كثير: «أمر تعالى رسوله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة».
والمنافق: إذا لم يُظهر ما في باطنه من مخالفة الدين، وأظهر الأعمال الظاهرة من الإسلام؛ فهو في الظاهر مسلم، وتجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة في الدنيا، ويُعامل معاملة المسلمين؛ لأننا لم نؤمر بالشق عن القلوب، وهذا في الأصل خارج عن نطاق وقدرة ابن آدم؛ لأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان الباطن الذي يكون صاحبه من المؤمنين حقاً.
والنفاق إذا أُطلق ذكره في القرآن فالمراد به النفاق الأكبر المنافي للإيمان، بخلاف الكفر؛ فإنه يأتي أحياناً بمعنى الكفر الأصغر، وكذلك الظلم والفسق والشرك.
قال السعدي: «اعلم أن النفاق هو: إظهار الخير وإبطان الشر، ويدخل في هذا التعريف النفاق الاعتقادي، والنفاق العملي، كالذي ذكر النبي ﷺ في قوله: “آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”، وفي رواية: “وإذا خاصم فجر”. وأما النفاق الاعتقادي المخرج عن دائرة الإسلام، فهو الذي وصف الله به المنافقين في هذه السورة وغيرها، ولم يكن النفاق موجوداً قبل هجرة الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة، وبعد أن هاجر، فلما كانت وقعة “بدر” وأظهر الله المؤمنين وأعزهم، ذل من في المدينة ممن لم يسلم، فأظهر بعضهم الإسلام خوفاً ومخادعةً، ولتحقن دماؤهم وتسلم أموالهم، فكانوا بين أظهر المسلمين في الظاهر أنهم منهم، وفي الحقيقة ليسوا منهم، فمن لطف الله بالمؤمنين أن جلى أحوالهم ووصفهم بأوصاف يتميزون بها؛ لئلا يغتر بهم المؤمنون، ولينقمعوا أيضاً عن كثير من فجورهم».
المَسألةُ الثَّانيةُ: النِّفاقُ الأصغَرُ غيرُ المُخرِجِ مِن المِلَّةِ
هو النِّفاقُ العَمَليُّ، واختلافُ السِّرِّ والعلانيَةِ في الواجباتِ، وذلك بعَمَلِ شيءٍ من أعمال المُنافِقين مع بقاءِ أصلِ الإيمانِ في القَلْبِ، وصاحِبُه لا يخرُجُ من المِلَّةِ، ولا يُنفى عنه مُطلَقُ الإيمانِ، ولا مُسَمَّى الإسلامِ، وهو معرَّضٌ للعذابِ كسائِرِ المعاصي دونَ الخلودِ في النَّارِ، وصاحِبُه ممَّن تنالُه شفاعةُ الشَّافعين بإذن الله.
وهذا النَّوعُ من النِّفاقِ مُقَدِّمةٌ وطريقٌ للنِّفاقِ الأكبرِ لِمن سلكه وكان ديدَنَه. ومن أمثلةِ ذلك: الكَذِبُ في الحديثِ، وإخلافُ الوَعْدِ، وخيانةُ الأمانةِ، والفُجورُ في الخُصومةِ، والغَدرُ بالعُهودِ، وكالرِّياءِ الذي لا يكونُ في أصلِ العَمَلِ، وإظهارِ المودَّةِ للغَيرِ والقيامِ له بالخِدمةِ مع إضمارِ عَكْسِه في النَّفسِ.
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ -رَضِيَ اللهُ عنهما- أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أربعٌ من كُنَّ فيه كان مُنافِقًا
خالصًا، ومن كانت فيه خَصلةٌ منهنَّ كانت فيه خَصلةٌ من النِّفاقِ حتى يدَعَها: إذا اؤتُمِن خان، وإذا حدَّث كَذَب، وإذا عاهَدَ غدَر، وإذا خاصم فجَرَ».
وعن أبي هُرَيرةَ -رَضِيَ اللهُ عنه- قال: قال النَّبيُّ ﷺ: «آيةُ المُنافِق ثلاثٌ: إذا حَدَّث كَذَب، وإذا وعد أخلَفَ، وإذا اؤتُمِن خان».
قال الخطَّابيُّ: «هذا القَولُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ إنما خرج على سَبيلِ الإنذارِ للمَرءِ المُسلِمِ، والتحذيرِ له أن يعتادَ هذه الخِصالَ؛ شَفَقًا أن تُفضِيَ به إلى النِّفاقِ، وليس المعنى أن من بدَرَت منه هذه الخِلالُ، وكان ما يفعَلُ منها على غيرِ وَجهِ الاختيارِ والاعتيادِ له؛ أنَّه مُنافِقٌ».
وقال النَّوويُّ: «معناه أنَّ هذه الخِصالَ خِصالُ نفاقٍ، وصاحِبُها شبيهٌ بالمُنافِقينَ في هذه الخِصالِ، ومتخَلِّقٌ بأخلاقِهم؛ فإنَّ النِّفاقَ إظهارُ ما يبطِنُ خِلافَه، وهذا المعنى موجودٌ في صاحِبِ هذه الخِصالِ، ويكونُ نفاقُه في حَقِّ من حَدَّثَه ووَعَدَه وائتَمَنَه وخاصَمَه وعاهَدَه من النَّاسِ، لا أنَّه مُنافِقٌ في الإسلامِ فيُظهِرُه وهو يبطِنُ الكُفرَ، ولم يُرِدِ النَّبيُّ ﷺ بقَولِه بهذا أنَّه مُنافِقٌ نفاقَ الكُفَّارِ المخَلَّدين في الدَّركِ الأسفَلِ من النَّار؛ قال ﷺ: “كان مُنافِقًا خالصًا” معناه شديدَ الشَّبَهِ بالمُنافِقين بسَبَبِ هذه الخِصالِ، قال بعضُ العُلَماءِ: هذا فيمن كانت هذه الخِصالُ غالبةً عليه، فأمَّا من يَندُرُ ذلك منه فليس داخلًا فيه، فهذا هو المختارُ في معني الحديثِ».
وقال ابنُ رجبٍ بعد شَرْحِه تلك الخِصالَ: «حاصِلُ الأمرِ أنَّ النِّفاقَ الأصغَرَ كُلُّه يرجِعُ إلى اختلافِ السَّريرةِ والعلانيةِ، كما قاله الحسَنُ».
ومن هذا البابِ حديثُ أنسِ بنِ مالكٍ -رَضِيَ اللهُ عنه- أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «آيةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصارِ، وآيةُ النِّفاقِ بُغضُ الأنصارِ».
قال العيني: «المقصودُ من الحديثِ الحَثُّ على حُبِّ الأنصارِ، وبيانِ فَضْلِهم؛ لِما كان منهم من إعزازِ الدِّينِ وبَذلِ الأموالِ والأنفُسِ، والإيثارِ على أنفُسِهم، والإيواءِ والنَّصرِ وغيرِ ذلك… فحُبُّهم لذلك المعنى محْضُ الإيمانِ، وبُغضُهم محْضُ النِّفاقِ».
وقال القرطبيُّ: «وأمَّا من أبغض -والعياذُ باللهِ- أحدًا منهم من غيرِ تلك الجِهةِ لأمرٍ طارئٍ مِن حَدَثٍ وقع لمخالفةِ غَرَض، أو لضَرَرٍ ونَحوِه، لم يَصِرْ بذلك مُنافِقًا ولا كافرًا؛ فقد وقع بينهم حروبٌ ومخالفاتٌ، ومع ذلك لم يحكُمْ بعضُهم على بعضٍ بالنِّفاقِ، وإنَّما كان حالُهم في ذلك حالَ المجتهدينَ في الأحكامِ».
ومن هذا البابِ أيضًا: الإعراضُ عن الجِهادِ؛ فإنَّه من خِصالِ المُنافِقين. فعن أبي هُرَيرةَ -رَضِيَ اللهُ عنه- قال: قال النَّبيُّ ﷺ: «من مات ولم يَغْزُ ولم يحَدِّثْ به نَفْسَه، مات على شُعبةٍ من نفاقٍ».
قال ابنُ هبيرة: «في هذا الحديثِ مِن الفِقهِ الحَثُّ على الجهادِ أو تمَنِّيه لِمن لم يمكِنْه النهوضُ إليه، فإن لم ينهَضْ فهو على شُعبةٍ من النِّفاقِ؛ فإنَّ النِّفاقَ ضِدُّ الصِّدقِ، والصِّدقُ في أعداءِ اللهِ تجريدُ حَربِهم سِرًّا وجهرًا، فشأنُ المؤمِنِ أن يكونَ محاربًا لأعداءِ اللهِ إنِ استطاع ذلك مُعلِنًا به، وإلَّا كان ناويًا وعازمًا عليه؛ فإذا أضرب عن ذلك في جَهْرِه، ثم أضرب عنه في سِرِّه؛ فإنَّه على شُعبةٍ من النِّفاقِ؛ إذ الشُّعبةُ قد تؤدِّي إلى الوادي».
قال ابنُ رجب: «لَمَّا تقَرَّر عند الصَّحابةِ -رَضِيَ اللهُ عنهم- أنَّ النِّفاقَ هو اختلافُ السِّرِّ والعلانيَةِ؛ خَشِيَ بَعضُهم على نفسِه أن يكونَ إذا تغَيَّرَ عليه حضورُ قَلْبِه ورِقَّتُه وخُشوعُه عند سماعِ الذِّكرِ، برجوعِه إلى الدُّنيا والاشتغالِ بالأهلِ والأولادِ والأموالِ؛ أن يكونَ ذلك منه نفاقًا».
كما في «صحيح مُسلِم» عن حَنظَلةَ الأسيديِّ: أنَّه مرَّ بأبي بكرٍ وهو يبكي، فقال: ما لك؟ قال: نافَقَ حَنْظلةُ يا أبا بكرٍ؛ نكونُ عند رَسولِ اللهِ ﷺ يذكِّرُنا بالجَنَّةِ والنَّارِ كأنَّا رأيَ عَينٍ، فإذا رجَعْنا عافسنا الأزواجَ والضَّيعةَ، فنَسينا كثيرًا! قال أبو بكر: فواللهِ إنَّا لكذلك! فانطلَقْنا إلى رَسولِ اللهِ ﷺ، فقال: «ما لك يا حنظلةُ؟» قال: نافق حنظلةُ يا رسولَ اللهِ! وذكر له مِثْلَ ما قال لأبي بكرٍ، فقال رَسولُ اللهِ ﷺ: «لو تدومون على الحالِ التي تقومون بها من عندي، لصافحَتْكم الملائكةُ على مجالِسِكم وفي طُرُقِكم، ولكِنْ يا حنظلةُ ساعةٌ وساعةٌ».
ومما ورد في هذا المعنى -أي: خَوفِ الصَّحابةِ من النِّفاقِ- ما قاله ابنُ أبي مُلَيكةَ: «أدركتُ ثلاثين من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ كُلُّهم يخافُ النِّفاقَ على نَفْسِه، ما منهم أحدٌ يقولُ: إنَّه على إيمانِ جِبريلَ وميكائيلَ».
وقال ابنُ حجَرٍ في تعليقِه على هذا الأثَرِ الأخيرِ: «الصَّحابةُ الذين أدركهم ابنُ أبي مُلَيكةَ من أجَلِّهم: عائشةُ وأختُها أسماءُ، وأمُّ سَلمةَ، والعبادلة الأربعةُ، وأبو هُرَيرةَ، وعُقبةُ بن الحارثِ، والمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمةَ؛ فهؤلاء ممن سمع منهم، وقد أدرك بالسِّنِّ جماعةً أجلَّ من هؤلاء؛ كعَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ، وسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، وقد جزم بأنَّهم كانوا يخافون النِّفاقَ في الأعمالِ، ولم يُنقَلْ عن غيرِهم خِلافُ ذلك، فكأنَّه إجماعٌ؛ وذلك لأنَّ المؤمِنَ قد يَعرِضُ عليه في عَمِلِه ما يَشعُرُ به مما يخالِفُ الإخلاصَ، ولا يلزَمُ من خوفِهم من ذلك وقوعُه منهم، بل ذلك على سبيلِ المبالغةِ منهم في الورَعِ والتَّقوى -رَضِيَ اللهُ عنهم-».



