
بقلم: مروان محمد
في الخامس والعشرين من يناير من كل عام، لا تستعيد الدولة المصرية ذكرى عادية من ذاكرتها الوطنية، بل تقف أمام واحدة من أكثر اللحظات عمقًا وتأثيرًا في تاريخها الحديث. إنه عيد الشرطة المصرية، اليوم الذي تحوّل من مناسبة وظيفية إلى رمز سيادي يعكس معنى الدولة القادرة، ويؤكد أن الأمن ليس مجرد إجراء إداري، بل عقيدة وطنية تُصان بالدم والوعي والانضباط.
هذا اليوم لا يخص جهازًا بعينه، بل يخص أمة بأكملها، لأنه اليوم الذي قرر فيه رجال الشرطة أن يكونوا في قلب المعركة دفاعًا عن الكرامة، لا على هامش التاريخ.
الإسماعيلية 1952: حين كتب رجال الشرطة معنى السيادة
في صباح يوم الجمعة 25 يناير 1952، وجّه الاحتلال البريطاني إنذاره الشهير لقوات الشرطة المصرية في الإسماعيلية، مطالبًا بتسليم السلاح وإخلاء المواقع.. كان إنذارًا مهينًا، لا يستهدف موقعًا أمنيًا فقط، بل يستهدف فكرة الدولة ذاتها.
وجاء الرد حاسمًا، بسيطًا، لكنه خالد: “لن تتسلمونا إلا جثثًا هامدة”.
حوالي 850 من رجال الشرطة، بأسلحة خفيفة وإمكانات محدودة، واجهوا قوات مدججة بالدبابات والمدرعات والطيران. استمرت المعركة أكثر من ست ساعات، سقط خلالها 56 شهيدًا و80 جريحًا، لكن ما سقط فعليًا كان وهم السيطرة والاستعلاء الاستعماري.
كانت معركة الإسماعيلية لحظة ميلاد حقيقية للشرطة الوطنية، ونقطة تحول مفصلية عجّلت باندلاع ثورة يوليو، ورسّخت في الوعي الجمعي أن الشرطة ليست أداة قهر، بل درع سيادة.
من مقاومة الاحتلال إلى حماية الدولة الحديثة
مرت الشرطة المصرية بتحولات جوهرية فرضتها طبيعة الدولة نفسها. فبعد جلاء الاحتلال، أصبحت الشرطة مسؤولة عن حماية مجتمع في طور البناء، ثم في مواجهة تحديات داخلية وخارجية متلاحقة.
ومع دخول الألفية الجديدة، لم تعد التهديدات أمنية تقليدية فقط، بل أصبحت مركبة، غير مرئية في كثير من الأحيان، وتُدار بأدوات حديثة تستهدف العقول قبل الأجساد.
أراء الخبراء
اللواء أشرف عبد العزيز الخبير الأمني والاستراتيجي

يرى اللواء أشرف عبد العزيز، أن عيد الشرطة يجب أن يُقرأ باعتباره مناسبة استراتيجية، لا احتفالية رمزية، لأن بقاء الدولة الوطنية في الإقليم المضطرب يرتبط ارتباطًا مباشرًا بكفاءة أجهزتها الأمنية.
ويؤكد أن أخطر التحديات التي واجهت مصر خلال السنوات الأخيرة لم تكن فقط العمليات الإرهابية، بل محاولات تفكيك مفهوم الدولة من الداخل، عبر نشر الفوضى، وهدم الثقة، وضرب صورة المؤسسات.
ويضيف: “الشرطة المصرية لم تواجه رصاص الإرهاب فقط، بل واجهت حرب شائعات، وحروب جيل رابع وخامس، ومحاولات إسقاط الدولة دون إطلاق رصاصة واحدة.”
ويشدد اللواء أشرف عبد العزيز على أن ما تحقق من استقرار أمني كان الأساس الحقيقي لإطلاق مشروعات التنمية وبناء الجمهورية الجديدة، مؤكدًا أن الأمن هو البنية التحتية الأولى لأي دولة.
تطور الجريمة.. وتطور الشرطة
ومع تطور المجتمعات، تطورت الجريمة. لم تعد الجريمة فردية أو عشوائية، بل أصبحت أكثر تنظيمًا وتعقيدًا، تستخدم التكنولوجيا والمال والحدود المفتوحة.
ظهرت أنماط جديدة مثل:
•الجرائم الإلكترونية
•الاحتيال الرقمي
•غسل الأموال
•الجريمة المنظمة العابرة للحدود
•استغلال وسائل التواصل الاجتماعي في الابتزاز والتجنيد
•استخدام العملات الرقمية في تمويل الأنشطة غير المشروعة
أمام هذا التطور الخطير، كان لزامًا على الشرطة المصرية أن تطور أدواتها، ليس فقط في المواجهة الميدانية، بل في:
•التحليل الجنائي
•قواعد البيانات
•التكنولوجيا الأمنية
•التدريب المتخصص
•التعاون الإقليمي والدولي
وأصبحت المواجهة اليوم معركة عقل قبل أن تكون معركة سلاح.
خبراء الأمن الرقمي
الدكتورة إيناس عبد العزيز خبير الأمن الرقمي

وفي ذات السياق، تؤكد الدكتورة إيناس عبد العزيز أن الأمن في العصر الحديث لم يعد محصورًا في الشارع أو الكمائن، بل امتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تُدار أخطر الجرائم دون صوت.
وتشير إلى أن الجرائم الرقمية تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، لأنها تستهدف:
•البيانات
•الخصوصية
•الاقتصاد
•الوعي العام
وتوضح أن الشرطة المصرية حققت تطورًا ملحوظًا في التعامل مع هذا النوع من الجرائم، من خلال وحدات متخصصة، وتشريعات حديثة، وتعاون تقني متقدم.
وتضيف:“حماية المواطن اليوم لا تعني فقط حمايته جسديًا، بل حماية بياناته وعقله وقراره.”
الأمن الجنائي والجريمة المنظمة
العميد أحمد المغازي خبير البحث الجنائي والجريمة المنظمة

ويشير العميد أحمد المغازي، إلى أن الجريمة المنظمة أصبحت أكثر احترافية، وتعتمد على شبكات معقدة وتمويل ضخم وأساليب تمويه متطورة.
ويؤكد أن الشرطة المصرية استطاعت خلال السنوات الأخيرة تفكيك أخطر الشبكات الإجرامية، بفضل:
•التطوير المستمر في البحث الجنائي
•استخدام التحليل الجنائي الرقمي
•العمل الاستخباري الاستباقي
•التنسيق بين الأجهزة
ويقول: “النجاح الحقيقي لا يكون في ضبط الجريمة بعد وقوعها، بل في منعها قبل أن تبدأ.”
الشرطة والمجتمع شراكة لا انفصال
لم تعد فلسفة العمل الشرطي قائمة على الردع وحده، بل على الشراكة المجتمعية. مبادرات مثل “كلنا واحد”، ودعم الفئات الأولى بالرعاية، والتواجد الإنساني في الأزمات، أعادت بناء جسور الثقة بين المواطن ورجل الشرطة.
المرأة في الشرطة قوة ناعمة تحمي المجتمع
أثبتت المرأة المصرية داخل جهاز الشرطة أنها عنصر فاعل، سواء في العمل المروري، أو قضايا العنف الأسري، أو الخدمات الجماهيرية، مضيفة بعدًا إنسانيًا مهمًا يعزز من فعالية الأداء الأمني.
خاتمة: تحية لمن يحرسون الدولة
عيد الشرطة الـ74 هو وقفة تقدير ووفاء لرجال اختاروا أن يقفوا في الصفوف الأولى، وأن يدفعوا ثمن الاستقرار من أعمارهم وأرواحهم.
تحية لكل شهيد، ولكل مصاب، ولكل شرطي يقف في صمت، حارسًا لأمن وطنه.. بهؤلاء تُصان الدولة وبتضحياتهم يظل الوطن آمنًا.





